زيارة وزير التربية حاتم بن سالم للمدرسة الإبتدائية عين تونغا (ولاية باجة) – 17 نوفمبر 2018

الأدلّة على ذلك كثيرة في عدد من أقطارنا العربيّة التي استوردت تجارب شتّى في مجالات التعليم الذكيّ وبرمجيّاته، ثمّ تراجعت عنها بعد أن خصّصت لها أموالا طائلة. وعلى المستوى البيداغوجيّ، يناقش الخبراء الخطط العلاجية المتراكمة في سبيل تطويرها على نحوٍ يضع في الاعتبار تفاوت القدرات العقلية لدى التلاميذ، والانحرافات التي تطرأ على سلوكهم، وتؤثّر سلبا على نتائجهم. وفي هذا السياق، يتلقّى المدرّسون، مراسلات إداريّة تتضمّن تقارير مفصّلة عن الطلاّب المحتاجين إلى معاملة خاصّة مراعاة لأزماتهم العابرة أو أمراضهم المزمنة. لكنّ القائمة بدأت تطول، وفيها الجديد المستحدث من العلل التي يتوجّب على المدرّسين الانتباه إلى أصحابها من “المدلّلين المحظوظين” أو “المرضى” فِعْلاً، فقد اختلط الحابل بالنابل، و”ضعف الطالب والمطلوب”.

ومن بين العلل التي بدأت تتحوّل إلى وباء سريع الانتشار، نذكر، على سبيل المثال، ما يسمّى بالفرنسيّة dyslexie ، وتترجم إلى العربيّة بعسر القراءة، حيث لا يقدر التلميذ على التمييز بين الحروف في عدّة لغات، ولا يفلح بالتالي في قراءة الكلمات وفهم النصوص، ويحتاج بالضرورة إلى فترة طويلة من العلاج والمتابعة لدى متخصّصين. ولذلك السبب، ربّما، اقترنت تلك “الحالة المرضيّة” بعلّة أخرى تسمّى “الفوبيا المدرسيّة”، ومن أعراضها فزع التلميذ من المدرسة وواجباتها ومدرّسيها وامتحاناتها وكلّ ما يدخل ضمن أطرها. والإعتراف بتلك الاحتياجات يثقل كاهل المدرّس بأعباء جديدة، فينبغي عليه أن يعامل أصحابها بلطف وحذر، ويتجنّب كلّ ما يمكن أن يعكّر صفوهم. وإن تهاون في ذلك، فهو مُعرّض لا محالة إلى المساءلة الإداريّة والاتهام بالتقصير والإهمال.

الطريف هنا أنّ هذه الهموم لم تكن معروفة في الماضي القريب، فإمّا أن يكون التلميذ طبيعيّا، وإلاّ فهو ينعت بالـ”حمار”، مصطلح يسمعه دائما من المعلّمين في المدرسة، وأولياء الأمور في البيت، والأصدقاء في الشارع حتّى يقرّر في يوم أسود الانقطاع عن الدراسة، ويدخل مبكّرا في سوق العمل عند حلاّق أو تاجر أو ميكانيكيّ.

والمعلوم أيضا أنّ تصنيف الطلاّب إلى “صالح” أو “طالح”، مازال منتشرا في أغلب مدارسنا العموميّة التي ساءت خدماتُها وبلِيَتْ منظوماتُها، وهُمّش دورُها في المجتمع. فلا حديث عن الأحوال المذكورة آنفا إلاّ في الأقطار العربيّة الغنيّة التي تنفق بسخاء على التربية والتعليم، أو في المدارس الأجنبيّة والخاصّة التي يتضاعف عددها من سنة إلى أخرى، وتتلقّى من الآباء أموالا طائلة، فتخترع لأبنائهم “ما لا عين رأت ولا أذن سمعت” من أنواع الأنشطة وشتّى العلاجات والحلول حتّى يجد كلّ تلميذ ما يناسب مستواه وأهواءه.

وليس مستبعدا، مادمنا نتحدّث عن الاختراع، أن يكون للمسألة ارتباط بالجهود التي بُذلت خلال العقود الماضية لابتداع أمراض جديدة. ففي الدليل الخامس لتشخيص الاضطرابات السلوكيّة الذي صدر سنة 2013، نعثر على 430 مرض نفسيّ مقابل 60 فقط ضُبِطت سنة 1952. وقد أثار الفارق الشاسع بين الرقمين العديد من الانتقادات والشكوك في “علل وهميّة” اخترعتها على الأرجح مختبراتُ الأدوية العالميّة لأغراضٍ تجاريّةٍ. وتلك الظاهرة متفاقمة في الولايات المتحدة الأمريكيّة حيث قفزت مداخيل العقاقير المهدّئة من 50 مليون دولار سنة 1950 إلى 7 مليارات دولار سنة 2010.

ولعلّنا لا نبالغ إذا سحبنا تلك الشكوك على أبنائنا من التلاميذ الكسالى الذين يرغبون عن القراءة والمثابرة في العمل، فيستنبط لهم أطبّاء اليوم تشخيصاً يناسب كسلهم، ودواءً للسيطرة على خوفهم من الدراسة، وحصصاً علاجيّة لأنواع أخرى من الاضطرابات السلوكيّة التي نجهلها أو نتجاهلها، فليس كلّ ذلك مهمّا مادام الأثرياء يدفعون بلا حساب لعلاج أبنائهم وضمان نجاحهم وحصولهم على شهادات قد لا تنفعهم ولا تجلب لهم شغلاً، ولكنّها تُعلّق على كلّ حال في “كوادر”، وتجعل من أصحابها كوادر!