بقلم محمد بن مصطفى و إيناس بن سعيد،

لئن تبنت القوى المناهضة لانتخابات تونس 2019 (تشريعية كانت أو رئاسية) أثنينية (dualism) مفادها أنه “يجب الدفاع عن المجتمع” – في صيغة مشوّهة لدورة ندوات ميشال فوكو في الكوليج دو فرانس لسنة 1975-1976، فإنها فارقت، في آن واحد، ماديّة و جدليّة الصراع الطبقي في أفق ما بعد الحداثة. فالمسألة لا تُختزل في تدافع بين مترشحين يمثل تنافسهم شرط تواصل النظام، وبين ناخبين “مثاليين في بؤسهم”، ليس لهم غير “قوّة” أصواتهم لبيعها، قبل الإنحسار في زمن ما بين الحملات. الحقيقة أن السلطة تقتات من هؤلاء وأولئك بنفس الدرجة. فاللحظة التوليفية، لدى كانط أولاً، و هيغل ثانيا- الممهدة للوحدة الجدلية للكينونة قبل انقسامها إلى طودين كيركيغارديّين محكومين بمنطق الاختيار القاطع (إمّا وإمّا)، تقتضي القطع مع الثالث المرفوع الأرسطي، لتسجيل حيّز التلاقي بين المترشحين للإنتخابات و المُغيّبين عن الوعي الطبقي، الدّافعين لقوى السلطة التمثيلية في اتجاه إنجاح الدورة الثانية من “الانتقال الديمقراطي”. فخلق التناقض يمرّ عبر التسليم بوجود وحدة ما، تتوق إلى الإنشطار، محرّرة ما فيها من حركة توجب استقلال الكيانات على شاكلة ميثولوجيا إخوة كرونوس في أحشاء غايا.

إن الغرض السياسي-الشعري للمقاطعتية قد يتنزّل في أقاليم مبتذلة للمدح أو للملحمة. فإذا كان الشعر التراجيدي، منذ “فن الشعر” لأرسطو، محاكاة للمتعالي، فإن شعرية المقاطعة تنزف من تهاويها إلى أسافل العدمية السالبة. وجب، إذن، موضعة المقاطعة بما هي تأكيد عنيف على إفلاس “الديمقراطية التمثيلية”. فإذا كان الحسم الأنطولوجي بيّنا و قطعيا مع الرأسمالو-برلمانية، فإن فينومينولوجيا انتخابات 2019 تقتضي “إيبوكي “(epochē) عفوية ومباشرة، لا تُلزم تأسيسا، اشتقاقا أو برهنة. فتقسيم المترشحين يتوحد مقامه في تلوينات الرجعيات، بين من تتخلّد بذمتهم قضايا فساد، وبين إفرازات نظامي بورقيبة وبن علي السلطويين، البوليسيين، و بين الكوكبة الإسلامية الثيوقراطية الإرهابية.

إنّ فعليّة المقاطعة الموجبة تصطدم مباشرة بتعالي الدولة ككيان منفصل عن مباشراتية القوى، تلك التي تستثمر المشترك دون وسيط. فالقطيعة الأنطولوجية بين شبه المُمَثِّلِ و شبه المُمَثَّلِ تحكم ما يسمى جزافا بالديمقراطية، وتطبع تباعا عملياتها المفرغة من الحقيقة. إذ لا فرق بين البورجوازية الوطنية و البورجوازية الأجنبية في الأفق النيوليبيرالي : سعيهما السرمدي لتواصل المؤسسات الدولاتية، لإعلاء سطحها من أجل تطبيع العمل المأجور كثقافة و كباراديغم اقتصادي واقعي بالمعنى الابستيمولوجي. تتنزل هنا الإنتخابات كتعميق دوري لمباينة الذوات لحقول فعلها وتُمثل رمز الإغتراب السياسي المقترن بنظيره الإقتصادي. إذ أن المماثلة بين الكف عن العمل المأجور و بين مقاطعة الانتخابات جلية. فالوضع واحد و المعنى هو العبور من أنظمة التمثُّل إلى امتلاء الكينونة بذاتها : إلى وحدة الوجود.
أيتها المتعددات من شعب تونس، إن المقاطعة عصيان واجب، قادر على كبح جماح معاودة التاريخ نفسه في شكل مهزلة. فالحدث الأولي، المفضي إلى كسر الزمن لنِصْفين، هو التنظم الذاتي لإسقاط النظام. لنُكثّف إذن قوانا من أجل تحويل الجزر الإنتخابي إلى مدٍّ ثوري يجعل من حاضرنا أضغاث ماضٍ يتشربّه النسيان إلى آخر قطرة.