ما الغاية من مقال قائم بالأساس على الإشاعات و المغالطات ؟ ما ربح أحدهم من نشر الذعر في وقت أزمة. هذا السؤال علينا أن نوجهه للصحافيين، في الوقت الذي نواجه فيه أزمة صحية عالمية إنعكست سلبا على الاقتصاد و الأوضاع الإجتماعية، يركض البعض خلف الشهرة و نيل الإعجاب، خلف خلق البلبلة التي لا تغذي إلا الأنا. لا زمن للقيم الإتيقية و لا لإحترام الميثاق الصحفي، فمقال يلقى مشاركة و إعجاب و بالتالي الربح أهم من مقال هدفه التوعية أو التحليل أو النقد البناء.

لم أقرأ لحد الأن مقالا تونسيا وحيدا في مواقع الراديوهات أو الصحف الإلكترونية نال إعجابي، كلها مقالات لا تتجاوز الخمسة أسطر، لا تحلل الظاهرة أو تناقشها فإما تنزل الخبر كما هو أو تختلقه، ثم إنني لا أنقد صحافتنا فقط بل حتى تلك الموثوق فيها و التي يعتبرها الجميع مرجعا تعمل جاهدة على بعث البروباغندا و الأمثلة عديدة. فإن ثقة السند لا تعني دائما ثقة المتن و لكنني أنتظر مقالا تونسيا قد يزرع فيّ الأمل فأنا أيقن إبداع العديد من الصحافيين من الكفة الأخرى، أولئك الذين يحاولون حقا و يعملون على جعل الصحافة التونسية رائدة نزيهة. لست بالطبع صحفية و لا عالمة إجتماع و لكن يشعر جل الشباب بالإزدراء تجاه المحتوى الصحفي المقدّم. في أغلب الأحيان تكون المقالات المدروسة إما في صحف غير معروفة البتة أو في مدونات خاصة أو في أخرى غير محلية. بالطبع، نحن نتحدث عن ظاهرة الأخبار الخاطئة و التي تؤكد على عدم إحترافية البعض و إستغلالهم لمثل وضع لخلق فتن أو خدمة مصالح شخصية وفق إيديولوجيات وأجندات معينة.

و لكن لماذا تلقى رواجا ؟

تعمل هذه المقالات بالأساس على التلاعب و إستمالة العواطف، حجج تسند لعلماء وأطباء من نسيج الخيال وحتى إن وجدوا فلا أساس لأقاويلهم من الصحة. هذه المقالات التي يشاركها ملايين البشر يوميا ليست إلا ملايينا في جيوب الصحف لا أكثر. هي الفوضى في زمن الفوضى، و هي الوباء الذي ليس له دواء. ما يثير تعجبي هو قدرة الإنسان الرهيبة على تصديق كل ما يقرأه، حالة التنويم المغناطيسي التي تشل تفكيره لتجعل منه عبدا لكل ما يقع بين يديه، وإن توفرت له الانترنت بملايين الدراسات و البحوث علّه يُعمل عقله فإنه يرفض ذلك لأنه إعتاد الخمول الفكري و الأخبار المستهلكة. يملأ ملايين البشر، هم بيننا و نحن هم، مواقع التواصل الإجتماعي بالإشاعات و الأوهام إما ظنا بصحتها أو بحثا عن هذا القبول الاجتماعي والاحساس بالانتماء كي يؤصل كيانه : في كلا الحالتين، الأمر لا يستهان به.

في القرن الواحد والعشرين، قرن الأيديولوجيات، أظن أن البعض لا يمكنه الاستغناء عن مصالحه الشخصية حتى في ظل الأزمات و إن كان من أول المتضررين. ما يتوجب على الناس إيقانه هو كون الإعلام ليس بتلك الوسيلة البريئة التي تسهر على توفير المعلومة الصحيحة أو نشر الوعي، لا يهم وسائل الإعلام الكبرى سوى إعلاء المصلحة الخاصة على المصلحة العامة و نشر الأخبار حسب المعلومات المراد نشرها، أي كلها محاولات تحويل وجهات النظر وأراء و خلق جدار وهمي بين المتقبل و المعلومة، فالحقيقة هي كالحجر الكريم اليوم، من الصعب الحصول عليها. و من المضحك أن يعطي المشاهد أو المتابع ثقته التامة في السلطة الرابعة، السلطة التي في هذا الوقت الراهن تعتبر أخطر من الوباء، فوباء الجهل بالأمور و الإنسياق خلف كل خبر هو التحدي الذي نواجهه اليوم.
يجهل جلنا بالمعلومات المتناقلة و حجم الضرر الذي تحدثه إذا ما إنتشرت وإكتسحت شاشاتنا، ستتسلل إلى أعماق لاوعينا لتجعل منا أواع فارغة. الإعلام الذي يمّيع القضايا و يتفّه الأمور لا يرتقي لدرجة تلقيبه بالإعلام فهو لا يخبر بل يسوّق لفكرة متغلغلة بالإيديولوجيا لحد النخاغ و ينشرها و يعمّمها لتصير منا و فينا.

هذه مكينة الإعلام و هذا عمل بعض الصحافيين الذين لا يزيدون الطين إلا بلة، هو عمل يحتاج إلى الكثير من المسؤولية و الحذر و لكن البعض إتخذوه وسيلة لنشر الجهل في كل مكان و لملإ المكان ضجيجا و سخطا.
في ظل هذه الأزمة، في ظل الضغط النفسي و الإرهاق الذي يشعر به البعض، فقدت إنسانية البعض الآخر. لا أعلم حقا إن كان بعض الصحافيين على علم بالأمراض النفسية و العقلية و وقع مغالطاتهم من قبل أؤلئك الذين يعانون منها، وقع الإشاعات التي تسحق نفسيتنا و تجعلنا في حالة هلع دائمة، في دائرة مغلقة من الأوهام و أبشع السيناريوهات.
إحذروا الأكاذيب و الإشاعات، توخوا حذركم إثر الضغط على “شارك”، لا تكونوا مساهمين في المهازل اليومية، الوعي هو السلاح الوحيد الذي قد ينقذنا من الوحل الفكري الذي يغرقنا جميعا.

لكن لا يعني هذا أن البعض لم يتحل بالأخلاقيات المهنية، لا يمكن دوما النظر لنصف الكأس مملوءة، حاول العديد نشر مقالات توعوية و تحليلية بل عملوا جاهدين لإيصال المعلومة و الحد من الوباء المعلوماتي، سهر العديد خدمة للمصالح العامة، ترونهم يعملون و يبحثون تحت الضغط على بعض من الأمل و مراعاة للحالات النفسية الجماعية.