لينا بن مهني لمن لا يعرفها هي أحد أبرز الوجوه في الثورة التونسية، كانت تنشر كتابتها في مدونة بنية تونسية التي حجبتها السلطة قبل الثورة، ساهمت لينا في توثيق الثورة عبر تغطية الأحداث في سيدي بوزيد والقصرين ونشرها على شبكة الانترنت، تم ترشيحها لنيل جائزة نوبل في عام 2011.
عرفت لينا قبل سنوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. تحدثنا في مناسبات عن أوضاع حقوق الإنسان في بلدينا، وكانت أحد أهم مصادري  لمعرفة ما يحدث في الشارع التونسي، ودائما ما أبهرتني باطلاعها على ما يحدث في مصر، إذ كانت دائمة المتابعة للساحة المصرية والانتهاكات المستمرة في حق المواطنين.

انتقلتُ للعيش في تونس بعد خروجي من السجن في عام 2017، والتقيت مع لينا للمرة الأولى على أرض الواقع وليس في الفضاء الإلكتروني، والحقيقة أنني انبهرت بضحكتها التي لا تفارق وجهها، كانت دائمة الابتسامة، حينها تحولت معرفتي الافتراضية بلينا إلى صداقة قوية.
دعمت لينا كل من يحتاج لمساعدتها، كنا كلما نجلس في مكان عام مرة إلا ويأتي العديد من الناس لتبادل التحية وكلمات الدعم لها. تأكدت أن لينا لا تكره أحدا ولكنها كانت تكره الظلم والقمع والتعدي على حقوق وحريات المواطنين.

ومن منطلق التزامها بقضايا الوطن وانشغالها بجميع الفئات، أطلقت لينا مبادرة لتجميع الكتب لفائدة السجون التونسية عام 2016، و انطلقت الحملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وقتها تحت شعار “من حق السجين أن يعرف”. واتفقت لينا وقتها مع والدها الصادق بن مهني الذي كان سجينا سياسيا سابقا على ضرورة تزويد المكاتب الموجودة في السجون بكتب تثقيفية، في محاولة منها للتصدي لظاهرة الاستقطاب الراديكالي الاسلاموي الموجودة هناك وحث المساجين على مطالعة كتب قيمة خلال أوقات فراغهم.

وعلى الرغم من انشغالها بقضايا الشارع التونسي، إلا أن لينا لا تدخر جهدا في دعم قضايا الحريات في الوطن العربي وحق الشعوب في حياة أفضل، وغالبا ما كانت لينا أول الموجودين في الوقفات المنددة بقمع النشطاء في مصر رغم حالتها الصحية الغير مستقرة. ففي أحد الوقفات التي تم تنظيمها بعد القبض على ناشط مصري اتفقنا أن نلتقي في اليوم التالي، عند الاتصال بها علمت أنها في طريقها إلى مستشفى شارل نيكول فالتحقت بها هناك. كان لدي فضول للتعرف أكثر عن ذلك الجزء في حياة لينا وكيف تتعامل مع المستشفى ومع هذا المرض اللعين الذي يرافقها منذ الصغر والذي دفع والدتها للتبرع بإحدى كليتيها لها.
لا تفارق الابتسامة وجهها أثناء تعاملها مع الجميع، الكل يعرف لينا ويلقي عليها السلام وهي ترد التحية بأفضل منها مبتسمة كعادتها، وعندما سألتها عما قاله الدكتور عن وضعها الصحي فابتسمت مجددا وقالت: “الدكتور قال إن الوضع لن يتحسن رغم إني ملتزمة بكل التعليمات”، وقتها قررت أن اسألها “هو ليه يا لينا ما تسافريش تتعالجي بره”، فردت “الوضع الصحي في تونس مش أفضل شئ يا طارق ودائما يوجد مشاكل في نقص العلاج وبالفعل قد عٌرض عليَ السفر للخارج لاستكمال علاجي ولكن تخيل في كام واحد عنده مشاكل صحية و ما عندهوش حد يسفره، أنا اخترت اكون في بلدي واتعرض لما يشوفوه كل مواطن تونسي وأناضل علشان حق كل مواطن في الشعب التونسي أن ينال الحق في رعاية طبية كريمة، الناس هما الطرف الأهم في المعادلة يا طارق”. لم استغرب رد لينا، فقد كانت منسجمة مع ذاتها التي عرفتها دوما مدافعة عن حقوق الجميع.

رغم مرضها استمرت لينا في الكتابة عن الأدوية التي يحتاجها المرضى في تونس لكنهم لا يجدون الكثير منها في الصيدليات، وأطلقت مبادرات لتجميع الأدوية لفائدة المحتاجين من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، كما قامت لينا مع مجموعة من النشطاء بحملة تحت شعار “وينو الدواء”، كجزء من نضالها لحق أصيل من حقوق الإنسان، وهو الحق في العلاج والحق في الحياة.

رحل جسد لينا وبقيت سيرتها الطيبة بين الجميع، الطيبون الضاحكون المقاتلون من أجل حقوق الناس لا يرحلون أبدا، تبقى سيرتهم وأعمالهم خالدة إلى أبد الدهر.
أما أنا، فلن أنسى لينا لأنها باقية وكلماتها في ذهني حاضرة، فلن أنسى عندما قالت لي “طارق انت هنا في بلدك تونس، وأكيد راح ينزاح الكابوس الذي تعيشه مصر وستعود لها يوما ما”. لن أنسى أنها تذكرني في كل المناسبات مع عبارة “أنت مش لوحدك يا طارق، عندك عيلة هنا في تونس”.
عزيزتي لينا بن مهني لم تنسيني يوما ما وأنا أيضا لن أنساك، ستظل كلماتك أنيسة لي في غربتي وسأظل أتحدث عنكِ أمام الجميع، سأتحدث عن لينا المبتسمة دائما، والمناضلة دائما. برغم صعوبة ومرارة الفراق يبقي عزائي الوحيد أنكِ في مكان دون أوجاع أو ألم، شكرا يا لينا على كل شيء، الدعم والحب والأنس، “برشا حب يا عزيزتي”.