مساء يوم 4 مارس 2026 منعت الشرطة عددا من مساندي القضية الفلسطينية، من دخول ميناء سيدي بوسعيد لتكريم العمال الذين تحملوا مشقة انطلاق أسطول الصمود. تحرك يعتبر بداية الأنشطة التمهيدية لإطلاق النسخة الثانية من أسطول الصمود لكسر الحصار على غزة. منع مربك تلاه قرار من والي تونس بمنع النشطاء من تنظيم لقاء بقاعة سينما ‘’ الريو’’، لتنطلق بعدها حملة اعتقالات طالت حتى الآن 7 من أعضاء هيئة تسيير الأسطول رافقتها حملة تشويه وتحريض غير مسبوقة من مساندي الرئيس تتهم منظمي الأسطول بالتلاعب بأموال التبرعات التي تم جمعها. كعادتها سارعت السلطة في الاستجابة لمثل هذه الحملات لتصدر يوم 16 مارس 2026 بطاقات إيداع بالسجن في حق سباعي الاسطول، نبيل الشنوفي ومحمد أمين بالنور وجواهر شنة وسناء مساهلي ووائل نوار وغسان الهنشيري وغسان البوغديري، دون سماعهم.

السيناريو المتكرر: التشويه أولا ثم السجن

في جوان 2025، خرجت قافلة الصمود البرية ليتبعها في شهر سبتمبر من نفس السنة أسطول الصمود العالمي. مبادرات إسناد غزة خرجت مسنودة بموجة احتفاء شعبي عارم لا بوصفها مجرد مبادرات تضامنية، بل كفعل مقاوم في زمنٍ يطغى عليه الصمت والتواطؤ. فقد رأى فيهما كثير من التونسيين امتدادا حيا لانحيازهم التاريخي للقضية الفلسطينية وتجسيدا ملموسا لرغبة جماعية في كسر الحصار ورفض الاكتفاء بالشعارات. غير أن هذا الزخم الذي كشف قدرة الشارع على إنتاج مبادرات تتجاوز الشعارات  لم يدم طويلا دون أن يصطدم بوجه آخر للسلطة التي لم تفلح في إخفاء قسوته وتناقضه مع هذا المد الشعبي. فسرعان ما انطلقت حملات تشويه ممنهجة قادتها أصوات قريبة من السلطة ودوائر النفوذ ممهدةً الطريق لمرحلة أكثر حدّة ترجمت في إيقاف عدد من نشطاء الأسطول وإصدار بطاقات إيداع بالسجن في حقهم، في خطوة بدت لكثيرين كأنها محاولة لكسر هذا النفس المقاوم وإعادة ضبط حدود الفعل التضامني تحت سقف ترسمه السلطة وحدها.

جوان 2025 تونس العاصمة – تحركات مساندة لقافلة الصمود بعد توقفها داخل الأراضي اليبية – صور نواة

لم يكن ما جرى مع هيئة تسيير أسطول الصمود حدثا معزولا، بل بدا أقرب إلى حلقة جديدة منتظرة في سلسلة متكررة من إدارة السلطة للفضاء العام تقوم على إيقاع مدروس يبدأ بصناعة الشبهة قبل تثبيتها وبتوجيه الرأي العام قبل مفاجأته. ففي كل مرة يكاد السيناريو يتكرر بتفاصيله، موجة أولى من الاتهامات تُضخ عبر منصات وأصوات محسوبة على السلطة تُقدم في ظاهرها كحرص على الشفافية لكنها في عمقها ترسم ملامح رواية جاهزة تبنى على التسريب والانتقاء وتمهّد الأرضية النفسية والسياسية لمرحلة لاحقة. بعد ان تنتشر اتهامات التخوين والتلاعب وتتناقلها الصفحات والألسن، تتحرك الآلة الرسمية بين المنع الإداري والتدخل البوليسي فالتتبّعات القضائية لتضفي على ما سبق طابعا رسميا، فيبدو القرار وكأنه استجابة طبيعية لشبهات سبق تداولها واثباتها لا نتيجة خيار مسبق تم الإعداد له بعناية.

هذا الأسلوب الذي عهدناه بعد 25 جويلية 2021 طال شخصيات سياسية وأحزابا ومنظمات وجمعيات، بل وحتى بعض الأصوات التي لم تكن تصنف ضمن معارضي السلطة قبل أن تحيد قليلا عن خطها، أعاد إنتاج نفسه بوضوح في ملف الأسطول خاصة مع تصاعد الحديث عن إطلاق مبادرة ثانية من تونس. فبالتوازي مع هذا الطموح انطلقت حملة إلكترونية مركزة استهدفت أفرادا معينين من أعضاء هيئة التسيير وتنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين، ركزت على اتهامات ذات طابع مالي قُدّمت للرأي العام على اعتبارها ”شبهات فساد“ رافقت تنظيم الأسطول مع تصعيد مطلب نشر تقرير مالي رغم أن التنسيقية كانت قد أكدت سابقا أن هذا التقرير موجود ومتاح للمتبرعين. فبدا الأمر حينها جدلا حاد عن جوهر المبادرة ورمزيتها إلى تفاصيل تقنية واتهامات جزئية في عملية إعادة توجيه للأنظار من الفعل التضامني نفسه إلى من يقف وراءه.

في حديثه لنواة علق وسام الصغير على اعتقال أعضاء أسطول الصمود، مؤكدا أن السلطة في البداية سعت لاستثمار المبادرة لتحسين صورتها نظرا للمكانة التي تحظى بها القضية الفلسطينية لدى التونسيين. وأضاف الصغير أن أول اختبار حقيقي لموقف السلطة ظهر بعد العدوان على إيران حيث صدر بيان وزارة الخارجية الذي اصطف مع مواقف دول الخليج وتضمن إدانة لإيران تلاه اعتقال عدد من رموز أسطول الصمود. وأوضح أن هذا التحول يكشف أن مساندة السلطة للمبادرة لم تكن موقفا ثابتا بل كانت ورقة ظرفية لكسب التعاطف الشعبي وسقطت عند أول امتحان حقيقي في سياق موقف السلطة الرافض للمصادقة على قانون تجريم التطبيع في البرلمان.

وأشار الصغير إلى أن هذه السلطة لا تراعي أي روابط أو قرب سابق، مشيرا إلى اعتقال وسجن نائب بالبرلمان كان من مسانديها وما إن عبّر عن نقده حتى تمت ملاحقته والحكم عليه بالسجن إلى جانب العديد من المساندين السابقين والمسؤولين الذين أبدوا استقلالية أو اختلافا مضيفا أن:

 استهداف أسطول الصمود لا يعكس تناقضا داخليا، بل منطقا سياسيا حاسما لا يراعي أي هامش استقلالية أو اختلاف، وقرار منع خروج أسطول الصمود 2 كان صريحا وواضحا بالمنع والتصدي بكل الوسائل الممكنة دون اعتبار لهوية الداعمين سواء كانوا قريبين من دوائر السلطة أو معارضين لها.

وأوضح محدثنا أن متابعة الاعتقالات السياسية منذ 25 جويلية 2021 توضح نمطا متكررا عبر حملات تشويه ممنهجة تسبق قرارات الإيقاف وهي ليست سببا للقرار بقدر ما هي تمهيد له عبر تهيئة الرأي العام لتقبّل ما سيحدث لاحقا قائلا إن ”قرار الاستهداف سياسي بالأساس وحملات التشويه والضغط تستخدم كغطاء لإضفاء نوع من الشرعية على تلك القرارات والسلطة لم تنصاع لهذه الحملات بقدر ما استثمرت فيها لتكشف موقفها الحقيقي من المبادرات المستقلة الداعمة لفلسطين تماما كما حصل مع ملف قانون تجريم التطبيع.“

ولا تقتصر هذه القراءة على الفاعلين السياسيين بل تجد صداها أيضا لدى هيئة الدفاع. ففي تصريح أدلى به لنواة يرى المحامي وسام عثمان أن ”بداية التتبع الجزائي في الملف تؤكد وجود إرادة سياسية خاصة في ظل غياب شكاية جزائية ضد الأسطول وغياب تقارير أمنية تفيد باكتشاف شبهات مالية“. ويضيف أن الأبحاث انطلقت بقرار من وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس 1 الذي يخضع قانونيا لسلطة وزارة العدل المخوّل لها توجيه التعليمات للنيابة العمومية لفتح أبحاث جزائية ويستند عثمان كذلك إلى توقيت انطلاق الأبحاث ليعزز هذه القراءة مشيرا إلى أنها بدأت في السادس من مارس أي بعد يوم واحد فقط من احتجاج أعضاء الأسطول على منعهم من الوصول إلى ميناء سيدي بوسعيد وفي خضم تحضيراتهم لإطلاق أسطول ثان وعقدهم اجتماعات مع وفود أجنبية. وبحسب تقديره فإن تسارع الإجراءات قد يكون هدفه منع انطلاق أسطول الصمود 2 من تونس لفك الحصار عن غزة خشية ردود فعل إسرائيلية أو أمريكية خاصة في سياق إقليمي متوتر يشهد تصعيدا عسكريا في أكثر من ساحة ما يضفي على الملف، في نظره، أبعادا تتجاوز مجرد شبهة مالية إلى حسابات سياسية أوسع.

صورة من حملة مساندة لموقوفات وموقوفي أسطول الصمود بعد حملة التحريض والتشفي التي سلّطت عليهم – صفحة أسطول الصمود المغاربي

قضاء الرواية الرسمية

في امتداد لهذا المسار، تجاوز التعاطي مع ملف الأسطول حملات التشويه والتهيئة الإعلامية لينتقل سريعا إلى مستوى أكثر خطورة، بتدخل النيابة العمومية والوظيفة القضائية بتوجيه جملة من التهم الخطيرة للموقوفين السبعة، من قبيل التحيل والخيانة الموصوفة والتدليس ومسك واستعمال مدلس ومسك محاسبة مزدوجة واستعمال وثائق وسجلات مزورة قصد التهرب الضريبي، وصولًا إلى تهمة غسل الأموال من قبل وفاق، وهي جرائم تنص عليها كل من المجلة الجزائية ومجلة الحقوق والإجراءات الجبائية وقانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال لسنة 2015. هذا التكييف القانوني الثقيل الذي يضع نشطاء مدنيين في خانة الجريمة المنظمة والإرهاب، بدا أقرب إلى محاولة لإضفاء طابع خطير على فعل تضامني عبر إغراقه في ترسانة قانونية لا تعكس بالضرورة طبيعته أو سياقه، وفق ما يراه عدد من الناشطين والداعمين لهيئة تسيير الاسطول.

في هذا الإطار عبر عضو هيئة الدفاع سامي بن غازي عن استغرابه من هذا التعاطي معتبرا أن السلطة لم توجه سابقا أي تنبيهات للمشرفين على الأسطول، بل على العكس من ذلك كانت على اطلاع بسير عملية التبرعات التي كانت تنظم في مقر الأسطول بشارع المحطة في العاصمة وتخضع في جزء منها إلى رقابة فعلية. ويتساءل بن غازي عن الكيفية التي يعاد بها اليوم تأطير هذا النشاط الذي تم في سياق استعجالي وإنساني باعتباره مجالا للبحث في الوثائق المحاسبية والتراتيب الجبائية في وقت كان فيه القائمون على المبادرة ”يصارعون الزمن“ لمحاولة كسر الحصار عن غزة في ظل حرب إبادة متواصلة وهو ما كانت السلطة نفسها قد تغاضت عنه في البداية حين سمحت بتجاوز بعض التعقيدات الإدارية.


إيقاف نشطاء أسطول الصمود تجريم للتضامن مع فلسطين، حوار مع سامي بن غازي
– 17 مارس 2026 –

أصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي بطاقات ايداع بالسجن في حق وائل نوار وغسان البوغديري وجواهر شنة ومحمد أمين بالنور ونبيل الشنوفي وسناء مساهلي وغسان الهنشيري، تطور جاء بعد إيقاف سبعة من أعضاء هيئة تنظيم أسطول الصمود لكسر الحصار عن غزة، مع توجيه تهم تتعلق بغسيل الأموال والاستيلاء على التبرعات. قضية أثارت جدلا واسعا اعتبرها فريق الدفاع كيدية غايتها تجريم التضامن مع ضحايا الابادة الصهيونية.


من جهته يعود المحامي وسام عثمان إلى خلو الملف من أي قرائن إدانة واضحة معللا ذلك بملفات منوبيه نبيل الشنوفي ومحمد أمين بنور حيث يؤكد أن الوقائع المادية لا تستقيم مع التكييف القانوني المعتمد. فبخصوص نبيل الشنوفي يشير إلى أن المعطيات الثابتة ومنها جواز سفره تثبت أنه كان خلال فترة جمع التبرعات والشراءات خارج البلاد وتحديدا في إيطاليا حيث كان ينسق مع أسطول السفن المنطلق من هناك قبل أن يعود إلى تونس ليشرف فقط على تأمين السفن بميناء سيدي بوسعيد ما يجعل، وفق تعبيره، ”جملة التهم المالية الموجهة إليه تفتقد لأركانها القانونية“. أما بالنسبة لمحمد أمين بنور فيوضح عثمان أنه بحكم اختصاصه  كان مشرفا على اللجنة الطبية ولم تكن له أي علاقة مباشرة بجمع التبرعات أو التصرف فيها ولا تتوفر لديه أصلا المؤهلات لإعداد محاسبة أو تحرير وثائق مالية، وهو ما يجعل إقحامه ضمن تهم التحيل أو الخيانة الموصوفة أو غسل الأموال محل تساؤل قانوني جدي.

ويذكّر عثمان في هذا السياق بمبدأ أساسي في القانون يتمثل في أن الأصل في الإنسان البراءة وأن عبء الإثبات يبقى محمولا على جهة الاتهام، أي النيابة العمومية، التي يتعيّن عليها تقديم أدلة واضحة ومتماسكة لإثبات هذه الجرائم لا الاكتفاء ببناء ملف قائم على قرائن عامة أو تأويلات. غير أنه لا يستبعد في الآن نفسه أن يتواصل هذا المسار القضائي ويتوسع ليشمل أطرافًا أخرى مشيرا إلى أن الأبحاث قد تمتد لتشمل ناشطين إضافيين بعضهم محل تفتيش وقد تطال جمعيات شاركت في دعم الأسطول، وإن كان يرجّح أن يبقى هذا التوسع محدودًا في ظل غياب معطيات جدية يمكن أن توسّع دائرة الاتهام.

5 مارس 2026 تونس العاصمة – بعد منعهم من الوصول إلى ميناء سيدي بوسعيد، عدد من نشطاء أسطول الصمود في تحرك احتجاجي سويعات قبل اعتقالهم – صور نواة – ملاك بن دخيل

رواية الاتهام في وجه الوقائع

في مواجهة هذا المسار المتصاعد اختارت هيئة تسيير أسطول الصمود تشكيل لجنة دفاع وتنسيق عدد من البيانات التي تزامنت مع بداية التضييقيات أعادت فيها تأطير ما يحدث باعتباره جزءا من ”مسار عقابي و تصفوي“ يستهدف في جوهره كل أشكال الإسناد الفعلي للقضية الفلسطينية. فالاعتقالات التي طالت عددا من مناضلي ومناضلات الأسطول، وفق الهيئة، لم تكن سوى حلقة متقدمة في سلسلة بدأت بحملات ”شيطنة وتشويه وتضليل“ كما تذهب الهيئة إلى توصيف المحاكمة باعتبارها ”سياسية مكشوفة“ من حيث التهم الموجهة ومن حيث الإجراءات المستندة إلى إصدار بطاقات الإيداع دون استنطاق المتهمين بما يعكس هيمنة منطق التعليمات على حساب البحث عن الحقيقة. وتربط الهيئة بين ما يجري في تونس والسياق الدولي الأوسع معتبرة أن استهداف الأسطول يندرج ضمن محاولات أوسع لعزل الشعب الفلسطيني عن روافد الإسناد وتجفيف منابع التضامن الشعبي التي أحرجت في الأشهر الأخيرة منظومات الهيمنة العالمية. كما تحذّر هيئة الاسطول من مآلات هذا المسار معتبرة أن تشويه المبادرة واعتقال نشطائها لا يضرب فقط تجربة بعينها، بل يؤسس لمناخ عام مشحون بالخوف والارتياب قد يدفع فئات واسعة من التونسيين إلى التراجع عن الانخراط في دعم القضية الفلسطينية. ورغم ذلك تؤكد تمسكها بمواصلة النضال وعدم التراجع عن الإعداد لأسطول الصمود الثاني.

من داخل دوائر تنظيم الأسطول تتكشف رواية مغايرة تربك سردية الاتهام من أساسها، إذ يؤكد عدد من المتطوعين في لجنة التنظيم في شهاداتهم لنواة أن كل مراحل الإعداد للأسطول جرت في العلن وتحت أنظار مختلف الأجهزة من عمليات الصيانة والتنقل بين الموانئ إلى تأمين اللوجستيات المعقدة لمئات المشاركين التونسيين والأجانب، وصولا إلى نقل المساعدات وتوفير الوقود وكراء المرافئ، كما أن التنسيق مع السلطات لم يكن ظرفيا أو شكليا بل كان يوميا ومباشرا وأن مختلف الإجراءات بما في ذلك الاستثنائية منها كانت موضوع مراسلات رسمية وموافقة ضمنية، فجزء كبير من هذه العمليات ما كان ليتم أصلا دون تسهيلات إدارية وأمنية واضحة خاصة في ظل الطابع الاستعجالي الذي فرضه سياق الإبادة المتواصلة في غزة. وبحسب شهاداتهم كان من المفترض أن تستغرق بعض الإجراءات البحرية أشهرا طويلة لكنها أُنجزت في أسابيع، بل في أيام بفضل هذا التنسيق.

أما فيما يتعلق بالشق المالي، الذي شكّل محور الاتهامات، فيؤكد نفس المصدر أن عملية جمع التبرعات تمت في إطار معلن وموثّق بحضور محام ومحاسب وعدل منفذ مع إعلام السلطات بتفاصيلها ونشرها للعموم فضلا عن تمكين المتبرعين من وصولات تتضمن كل المعطيات، إضافة إلى أن اللجنة المالية كانت الجهة المخولة حصريا للتصرف في المصاريف ومتابعة الفواتير وفق تقسيم واضح للمهام داخل الهيكلة التنظيمية وهو ما يعني أن بقية اللجان ومنها لجنة التنظيم لم تكن معنية بالتفاصيل المحاسبية اليومية. كما أنه لم تُسجّل أي شكاية من المتبرعين وأن كل ما أُثير من شبهات بقي حبيس الفضاء الرقمي ضمن حملات مكثفة ”منسوخة ومكررة“ تقودها حسابات وصفحات مرتبطة، بحسب تقدير محدثينا، بشبكات منظمة.

ورغم الإقرار بوجود وعي بحجم المخاطر المرتبطة بمبادرة من هذا النوع إلا أن الثقة في علم السلطات بكل التفاصيل وموافقتها على الطابع الاستثنائي للإجراءات، جعلت فرضية التتبع القضائي وخاصة بهذا الشكل العنيف والمفاجئ مستبعدة تماما. فبالنسبة إلى المشرفين والمتطوعين في اعداد الاسطول لم يكن المنتظر سوى مساءلة إدارية أو تدقيق لاحق، لا تحوّلا فجئيا ينقلهم من موقع الفاعل المدني إلى موقع المتهم بجرائم ثقيلة، فتظهر المفارقة بتحول الفعل المناضل الذي رافقته أجهزة الدولة إلى جرائم ارهابية لمجرد تغيير في الخطاب السياسي المعلن، الذي سبق وأن عجز حتى عن إدانة هجومين صهيونيين بمسيرات على باخرتين من الاسطول بميناء سيدي بوسعيد.

جملة من المعطيات تفيد مخرجاتها بأن السلطة قادرة على توسيع دائرة قمعها لتتجاوز معارضيها وخصومها السياسيين وتطال من تريد، مع ضمان إسناد آلي من ”روبوتات الكترونية“ تصور أي نشاط مستقل على أنه تهديد للأمن القومي بما يبرر الانتهاكات المستمرة لحقوق الدفاع في القضايا السياسية والتطبيع الخطير مع الظلم وضرب مرفق العدالة.