”الكيت“ و ”الحمصة“ … وسيلة الغش الأكثر انتشارا
انطلقت دورة البكالوريا هذا العام على وقع حادثة أثارت جدلا واسعا منذ الساعات الأولى للاختبارات، بعد التداول الواسع لموضوع امتحان مادة الفلسفة على منصات التواصل الاجتماعي دقائق فقط بعد انطلاقه. ورغم أن الواقعة بدت للوهلة الأولى حادثة تسريب جديدة تضاف إلى سلسلة الحوادث التي رافقت الامتحانات الوطنية خلال السنوات الأخيرة فإنها سرعان ما أعادت إلى الواجهة ملفا أكثر تعقيدا وتشعبا يتعلق بالغش الإلكتروني وشبكات التسريب التي تنشط متحدية وزارة التربية وبياناتها التي تتحدث عن تحقيق نجاحات باهرة ضد ظاهرة الغش.
فما ظهر إلى العلن من خلال تسريب امتحان الفلسفة حينها لم يكن سوى جزء محدود من مشهد أوسع بكثير تتداخل فيه مجموعات افتراضية مغلقة، وسطاء وأشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم قادرين على توفير حلول تضمن النجاح للمترشحين. ما يشبه السوق الموازية تشكلت حول الامتحانات الوطنية وتعمل وفق قواعدها الخاصة مستفيدة من الطلب المتزايد على خدماتها ومن حالة الضغط النفسي التي يعيشها عدد من التلاميذ وعائلاتهم.
في محاولة لفهم جزء من هذه المنظومة والبحث عن خفاياها قمنا أثناء مرحلة التقصي بعملية رصد امتدت لأيام داخل عدد من المجموعات المغلقة والحسابات الناشطة على تطبيقات التواصل وخاصة تطبيق ”تلغرام“ الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز المنصات المستخدمة في تداول المحتويات المسربة والتنسيق بين مختلف الأطراف الناشطة في هذا المجال. ومن خلال متابعة هذه المجموعات والتفاعل مع بعض الحسابات التي تعرض خدمات مرتبطة بالامتحانات تمكنا من الوصول إلى أحد الأشخاص الذين ينشطون خلف اسم مستعار ويقومون على امتداد أيام الدورة الرئيسية بنشر جميع الامتحانات داخل مجموعات مغلقة. منذ الدقائق الأولى للحوار قدم محدثنا نفسه باعتباره وسيطا قادرا على توفير ما وصفه بالحلول المضمونة للمترشحين الراغبين في النجاح. لم يتحدث بحذر أو تردد بل بدا واثقا في الخدمات التي يعرضها وفي قدرته على استقطاب الحرفاء، فبمجرد أن بدأ الحديث عن طبيعة نشاطه عرض قائمة مفصلة من الخدمات التي يوفرها مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بمادة واحدة أو شعبة محددة بل يشمل مختلف الاختصاصات والمسارات الدراسية.

خلال الحديث معنا كأحد الحرفاء المتوقعين حرص على التأكيد أكثر من مرة أنه تعامل سابقا مع عدد كبير من التلاميذ خلال دورات سابقة وأن العديد منهم تمكنوا وفق روايته من تحصيل معدلات مرتفعة بفضل الخدمات التي وفرها لهم.. عندما انتقل الحديث إلى الأسعار كشف أن التسعيرة تختلف بحسب المادة والشعبة. فالمواد الأساسية التي تتمتع بمعاملات مرتفعة وخاصة في الشعب العلمية تكون أسعارها أعلى مقارنة بالمواد الثانوية، ووفق ما أوضحه فإن قيمة الخدمة ترتفع كلما ازدادت أهمية المادة في احتساب المعدل النهائي للمترشح في حين تنخفض بالنسبة للمواد التي يعتبر تأثيرها أقل على النتيجة العامة.
كما أوضح محدثنا المتخفي خلف حساب وهمي أن الخدمات المعروضة لا تقتصر على جانب واحد فقط بل تتنوع بين عدة أشكال، فهناك خدمات تتعلق بتوفير إصلاحات أو إجابات نموذجية خلال فترة الامتحان وهناك خدمات أخرى مرتبطة ببيع ما يعرف داخل هذه الأوساط بـ”الكيت“. ويقصد بهذا المصطلح جهازا أو منظومة إلكترونية مصغرة يتم إعدادها خصيصا لاستعمالها في عمليات الغش داخل مراكز الامتحان حيث تسمح للمترشح بالتواصل أو الحصول على المعلومات بطريقة يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية للمراقبة. وخلال استعراضه للخدمات التي يوفرها لم يبد أن الأمر يتعلق بمبادرات فردية معزولة أو عمليات محدودة النطاق بل بصورة أقرب إلى نشاط منظم له عروضه وأسعاره وآليات عمله الخاصة كما كان لافتا أنه يتحدث عن هذه الخدمات باعتبارها منتجات جاهزة يمكن الحصول عليها مقابل مبالغ مالية محددة دون إظهار أي تخوف واضح من الملاحقة أو التتبع.
لم يتوقف العرض عند حدود الامتحانات الرئيسية فقط فمع تقدم الحوار أكد محدثنا إمكانية توفير مواضيع دورة المراقبة المنتظرة بعد أيام، وادعى أن هذه المواضيع يتم إعدادها أو الحصول عليها عبر أشخاص ”مختصين“ وفق تعبيره دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة هؤلاء الأشخاص أو كيفية حصولهم على تلك المواضيع. ومع ذلك كان حريصا على تقديم هذه الخدمة باعتبارها جزء من قائمة العروض المتاحة للراغبين في الاستفادة منها. أما فيما يتعلق بالجوانب المالية فقد أوضح أن العملية تتم وفق ترتيبات محددة وواضحة. فقبل الحصول على أي خدمة طلب منا تحويل المبلغ المالي المطلوب عبر حساب بريدي داخل تونس وبعد إتمام عملية الدفع يتم الشروع في توفير الخدمة المتفق عليها.
في نفس السياق كشف مصدر ثانٍ لنواة كان ينشط سابقا في هذا المجال عن جانب آخر من هذه السوق غير المعلنة، يتمثل في آليات ترويج وتوزيع هذه المعدّات داخل البلاد، موضحا أن هذه الأدوات غالبا ما تدخل عبر مسالك غير رسمية قبل أن يعاد ترويجها داخل شبكات داخلية تنشط بشكل مكثف خلال فترات الامتحانات. ويشير مصدرنا إلى أن سعر اقتناء هذه المعدات من المزود الأولي داخل السوق لا يتجاوز في الغالب 150 دينارا غير أن قيمتها التجارية تتضاعف بشكل لافت عند إعادة بيعها في منطق تجاري قائم على هامش ربح مرتبط بطبيعة الموسم وحجم الطلب، حيث تتراوح الأسعار خلال الفترات العادية بين 200 و300 دينار قبل أن ترتفع خلال أيام الامتحانات وخاصة امتحان البكالوريا إلى ما بين 500 و800 دينار للوحدة الواحدة. ويضيف المصدر ذاته أن جزءا من هذه الأجهزة لا يعتمد أساسا على الاتصال بالإنترنت بل يشتغل عبر الشبكة الهاتفية التقليدية من خلال شرائح اتصال يصعب، وفق تعبيره، رصدها أو التشويش عليها بالوسائل التقنية المعتادة وهو ما يجعلها أكثر طلبا وأعلى تكلفة مقارنة بغيرها، باعتبارها توفر هامش أمان أكبر للمستخدمين وتقلل من احتمالات الكشف أو التعطيل أثناء الامتحان فيما يعكس تطورا نوعيا في أدوات الغش.
عناوين وتجارب إصلاحية متتالية عرفتها المنظومة التربوية التونسية، إلا أن مجملها لم ينجح في إعادة الاعتبار للتعليم. واقع يطرح اشكالية جدوى هذه التجارب ومدى نجاعة آليات التقييم المعتمدة. لمعرفة أسباب التراجع وسبل الإصلاح الجدي، التقت نواة الأستاذ الجامعي حسن العنابي، المختص في التاريخ المعاصر والمشرف على دراسة جودة المنظومة التربوية في تونس.
تكشف المعطيات التي تم جمعها عن ملامح سوق موازية خاصة بالامتحانات الوطنية آخذة في التوسع، حيث تحولت الرغبة في النجاح لدى بعض المترشحين إلى فرصة استثمار وربح بالنسبة لأشخاص وشبكات تعرض خدمات متنوعة مقابل المال. كما تعكس هذه المعطيات حجم التحول الذي شهدته ظاهرة الغش خلال السنوات الأخيرة إذ لم تعد تقتصر على محاولات فردية داخل قاعة الامتحان بل أصبحت تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وعلى فضاءات رقمية مغلقة لا تراقبها الدولة ولا تصل اليها أو ربما لم تجد حلا لإيقافها.
المنظومة التربوية، سنوات من الفشل المتواصل
سجلت وزارة التربية خلال الدورة الرئيسية لامتحان البكالوريا 2026 ما يقارب 955 حالة غش، رقم لا يبدو معزولا عن واقع تعليمي مثقل بالأزمات البنيوية التي أثرت على جودة التعلم داخل المدرسة العمومية. هذا الارتفاع اللافت في عدد حالات الغش مقارنة بالسنة الماضية التي سجّل فيها 508 حالة غش، يجعلنا نتساءل حول نجاعة الإجراءات الرقابية المعتمدة ومدى تطورها مقارنة بتطور تقنيات الغش، واقع يبقي النقاش مفتوحا حول وضع مدرسة عمومية تعيش منذ سنوات تحت ضغط متزايد في ظل إجماع النقابات والمنظمات التربوية والفاعلين في الحقل التعليمي على دق ناقوس الخطر بشأن اهتراء البنية التحتية وتآكل الموارد وتراجع الفضاء المدرسي. وفي خلفية هذا المشهد تتراكم وقائع ميدانية صادمة تحولت إلى رموز مكثفة لأزمة أوسع لعل أبرزها فاجعة انهيار جدار معهد المزونة وما خلّفته من ضحايا في صفوف التلاميذ أو معاناة أطفال منطقة دوار الحوش بنفزة الذين يقطعون مسافات طويلة في ظروف قاسية للوصول إلى مدارسهم. والأمثلة متعددة قد لا تكفي هذه السطور لحصرها، كنتيجة للإهمال والتراخي في توفير بنية تحتية تحفظ حياة وكرامة المتعلمين.

تعتبر أستاذة التعليم الثانوي وردة الطرابلسي في حديثها لنواة، أنّ الغش ظاهرة لا تقتصر على تلاميذ البكالوريا فحسب بل تمتد إلى مختلف المستويات التعليمية وهو ما يجعلها بحسب توصيفها أزمة جماعية ومعقدة تتداخل فيها مسؤوليات المنظومة التربوية والمجتمع والتلميذ كلّ من موقعه. توضح الاستاذة أنّ فهم هذه الظاهرة يقتضي الاعتراف بأنها ليست سلوكا فرديا معزولا باعتبارها نتيجة تراكمات بنيوية ساهمت في تفشّيها على نطاق واسع. وتلفت الطرابلسي إلى وجود مفارقات داخل المنظومة التربوية نفسها بين تشديد الإجراءات خلال مناظرة البكالوريا من جهة واستمرار إشكاليات هيكلية عميقة من جهة أخرى من بينها ضغط ساعات الدراسة الذي يرهق التلميذ والأستاذ معا وعدم مراجعة البرامج التعليمية بما يتلاءم مع الواقع خاصة في السنوات النهائية. كما تشير إلى مفارقة أخرى تتجلّى في اعتماد تقنيات حديثة لمراقبة الغش أثناء الامتحانات مقابل ضعف توظيف التقنيات نفسها لتحسين جودة التدريس وتطوير ظروف التعلم داخل الأقسام، وترى أن هذا الاختلال في ترتيب الأولويات جعل من التصدّي للغش هاجسا ظرفيا يطغى عليه التركيز الموسمي في حين تتواصل أزمات المدرسة العمومية طيلة السنة الدراسية بما يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج الظاهرة بدل الحد منها بل ومضاعفتها في بعض الحالات.
كما تعتبر الأستاذة أن العائلة والمجتمع التونسي عموما يتحمّل بدوره جزءا مهما من المسؤولية من خلال ربط النجاح في امتحان البكالوريا بصورة نمطية قائمة على الفرحة والاحتفال والضغط الاجتماعي دون اهتمام حقيقي بما يريده التلميذ وتصوراته المستقبلية، هذا الربط، بحسب قولها يحول النجاح من هدف مرتبط بتحقيق الطموح الشخصي إلى عبء وضغط عائلي واجتماعي، ما يدفع بعض التلاميذ في نهاية المطاف إلى البحث عن أسهل الطرق حتى وإن كانت غير مشروعة لضمان النجاح. وتشدد وردة الطرابلسي على أن التلميذ يظل الحلقة الأضعف داخل هذه المنظومة ما يستوجب وفق تقديرها إعادة توجيه المحاسبة نحو الشبكات والجهات التي تستغلّه وتستفيد من هذه الممارسات بدل الاكتفاء بمعاقبته. كما تعتبر أن إجراءات مثل الحرمان من اجتياز الامتحان لسنوات طويلة للتلاميذ لا تمثل حلا كافيا للحد من الظاهرة، مشيرة إلى ضرورة إرفاق أي مقاربة ردعية بآليات مرافقة نفسية وتربوية من خلال تمكين التلاميذ من متابعة مع مختصين نفسيين لفهم أوضاعهم وتشخيص أسباب السلوكيات المرتبطة بالغش إلى جانب تعزيز وعيهم بمسؤولية المرحلة التي يجتازونها. وتختم محدثتنا بالقول إن الحدّ من هذه الظاهرة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر ترسيخ قيم الأمانة والنزاهة داخل الفضاء التربوي معتبرة أن التربية والإصلاح يظلان السبيل الأجدى وأن المجتمعات تبنى بالوعي والتأطير لا بمزيد من الحلول السجنية.
البوليس والسجن…الخيار الأول للتسلط
إذا كانت ظاهرة الغش في الامتحانات الوطنية تكشف في أحد أوجهها عن اختلالات المنظومة التربوية وتعبر عن أزمة تتجاوز أسوار قاعات الامتحان، فإن طريقة تعاطي الدولة مع هذا الملف خلال السنوات الأخيرة وبشكل أوضح خلال هذه الدورة تفتح بدورها بابا آخر للنقاش، فقد اتجهت السلطات إلى اعتماد مقاربة يغلب عليها الطابع الأمني والزجري حيث لم يعد التعامل مع الغش مقتصرا على الإجراءات التأديبية والتربوية التي تندرج ضمن اختصاص المؤسسة التعليمية، بل امتد ليشمل تدخلا للشرطة وتتبعا قضائيا أفضى في بعض الحالات إلى الإيقافات وإصدار بطاقات إيداع بالسجن. وفي هذا السياق تم اصدار بطاقات إيداع بالسجن في حق 9 تلاميذ بمعهد بوعرادة من ولاية سليانة على خلفية شبهات تتعلق بالغش في امتحان البكالوريا. كما أذنت النيابة العمومية بفتح تحقيق ضد الأستاذة شيراز الجزيري وإحالتها على القضاء بعد نشرها مقطع فيديو تحدثت فيه عن تسريب امتحان الفلسفة خلال اليوم الأول من الاختبارات في قضية أثارت هي الأخرى جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.
يأتي هذا التوجه في سياق أوسع يبدو فيه منطق الردع والزجر حاضرا بقوة في إدارة عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية وحتى التربوية أو الرياضية، بما يجعل من المقاربة الأمنية خيارا متكررا في مواجهة الظواهر التي تطرح تحديات معقدة ومتعددة الأبعاد، وبين من يعتبر أن تطور أساليب الغش خاصة المرتبطة بالتكنولوجيا وشبكات التسريب المنظمة يبرر تشديد الإجراءات والعقوبات ومن يرى أن الاقتصار على المعالجة الأمنية الردعية لا يفعل سوى ملامسة أعراض الأزمة دون الاقتراب من أسبابها الحقيقية، يتواصل الجدل حول حدود هذه المقاربة ومدى قدرتها على معالجة ظاهرة ترتبط في جوهرها بسياقات تربوية واجتماعية أعمق من أن تختزل في البعد الجزائي وحده.
خبر إيقاف عدد من التلاميذ وإصدار بطاقات إيداع بالسجن في حقهم على خلفية الاشتباه في تورطهم في عمليات غش خلال امتحانات البكالوريا أثار جدلا واسعا وتعليقات منتقدة، من بينها موقف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي دعت في بيان لها تعليقا على الخبر إلى اعتماد مقاربة تربوية وتأديبية متدرجة في معالجة هذه الظاهرة معبرة عن رفضها للعقوبات السجنية المسلطة على التلاميذ معتبرة في الآن ذاته أن الغش سلوك مرفوض يمس بمبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة المنظومة التربوية لكنه لا ينبغي أن يواجه بمقاربة زجرية سالبة للحرية قد تفضي إلى وصم التلميذ وإقصائه وتعريض مستقبله الدراسي والاجتماعي للخطر. كما دعت الرابطة إلى فتح نقاش وطني حول إصلاح المنظومة التربوية ومنظومة التقييم والامتحانات باعتبار أن مكافحة الغش لا يمكن أن تنفصل عن معالجة أسبابه العميقة المرتبطة بالضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية وباختلالات التأطير التربوي بما يجعل من الإصلاح الشامل شرطًا أساسيا لضمان نزاهة الامتحانات دون المساس بحقوق المتعلمين.
في قراءة قانونية للملف، يرى الأستاذ أنس الكدوسي في حديثه لـنواة أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود نصوص قانونية تجرم بعض الأفعال المرتبطة بالغش في الامتحانات وإنما في كيفية تطبيق هذه النصوص ومدى انسجام الإجراءات المتخذة مع طبيعة الوقائع والأشخاص المعنيين بها، مؤكدا أن مبدأ التناسب يظل من المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم العمل القضائي بما يقتضي أن يكون الإجراء المتخذ ضروريا ومبررا ومتناسبا مع خطورة الفعل المرتكب. يوضح الكدوسي أن بطاقة الإيداع بالسجن تمثل أحد أخطر الإجراءات التي تمس الحرية الفردية ولذلك يفترض أن تبقى إجراء استثنائيا لا يتم اللجوء إليه إلا عند توفر مبررات قانونية واضحة من قبيل وجود خطر فرار المظنون فيه أو إمكانية تأثيره على سير الأبحاث أو عندما تكون طبيعة الأفعال المنسوبة إليه بالغة الخطورة. الغش في الامتحانات حسب محدثنا، رغم ما يمثله من مساس بنزاهة المنظومة التربوية ومبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين لا يبرر آليا الإيقاف والسجن خاصة عندما يتعلق الأمر بتلاميذ في سن مبكرة وجب التعامل معهم ضمن سياقات تربوية ونفسية واجتماعية أكثر توازنا.
وبخصوص الاستناد إلى نصوص قانونية تعود إلى سنة 1941 يعتبر الكدوسي أن المنظومة الجزائية التونسية لا تزال تضم عددا من النصوص الموروثة عن فترات تاريخية سابقة بعضها يعود إلى الحقبة الاستعمارية، ورغم ما عرفته من تعديلات وتنقيحات فإنها ما تزال تحمل في كثير من الأحيان فلسفة تقوم على الضبط والردع أكثر من قيامها على حماية الحقوق والحريات مشيرا إلى أن آثار هذه المقاربة تظهر بوضوح في القضايا التي يتم التعامل معها باعتبارها مرتبطة بالنظام العام أو بمؤسسات الدولة والإدارة. ويرى أن هذا التوجه لم يختف تماما بعد الاستقلال بل تراجع في بعض المراحل قبل أن يعود إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة من خلال توسع ملحوظ في اللجوء إلى التتبعات الجزائية في ملفات ذات أبعاد اجتماعية أو إدارية أو حتى تربوية ويعتبر أن هذا المنحى يعكس ميلا متزايدا نحو اعتماد المقاربة الردعية كخيار أول في معالجة الإشكالات بدل البحث عن حلول أكثر تدرجا وتوازنا.
كما يؤكد أنس الكدوسي أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على النصوص القانونية في حد ذاتها بل يجب أن يشمل أيضا كيفية تفعيلها من قبل النيابة العمومية التي يمنحها القانون سلطة تقدير ملاءمة التتبع وجدوى تحريك الدعوى العمومية وفق خصوصية كل ملف. ويخلص إلى أن هذا التوجه يطرح إشكالا أعمق يتعلق بتحول الإيقاف التحفظي من إجراء استثنائي إلى ممارسة شبه اعتيادية في إدارة بعض الملفات وهو ما قد ينعكس سلبا على توازن المنظومة الجزائية وعلى ثقة المواطنين في العدالة لا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا كان من الممكن معالجتها في إطار تربوي أو تأديبي قبل المرور إلى المسار الجزائي الصارم.

قطع الانترنت .. من اجراء وقائي الى عقاب جماعي
لمحاصرة شبكات الغش خلال امتحانات البكالوريا، شددت السلطة الإجراءات الرقابية داخل مراكز الاختبارات والملاحقات الأمنية والقضائية التي استهدفت مشتبها في تورطهم في شبكات التسريب والغش. إجراءات امتدت إلى المجال الرقمي حيث لاحظ مستخدمو الشبكة في تونس تقييد خدمات الإنترنت وصعوبة الوصول إلى عدد من التطبيقات والمنصات الإلكترونية خلال فترات إجراء الامتحانات، وكالعادة تركت السلطة التونسيين دون إجابة، دون نفي أو تأكيد لهذه الخطوة، خطوة تكررت على امتداد أيام الامتحان تبدأ منذ الثامنة صباحا قبل أن تعود الانترنت الى حالتها الطبيعية مباشرة بعد انتهاء التوقيت المخصص للاختبارات أو في عطلة نهاية الأسبوع، لتعود نفس الإشكاليات مع عودة التلاميذ إلى مراكز امتحانهم.
هذا الخيار لم يأت بمعزل عن تجارب اعتمدتها دول أخرى خلال الامتحانات الوطنية على غرار الجزائر وسوريا والعراق، حيث لجأت هذه البلدان في فترات سابقة إلى تعطيل شامل أو واسع النطاق لشبكة الإنترنت خلال أيام الامتحانات باعتباره وسيلة للحد من الغش. غير أن هذا التوجه، الذي بدا في حينه حلا سريعا وحاسمًا، بدأت الدول التي اعتمدته تتخلى عنه مع مرور السنوات والاتجاه نحو مقاربات أكثر تدرجا تقوم على تضييق الاستهداف بدل التعميم من خلال اعتماد التشويش الموضعي داخل محيط المؤسسات التربوية أو تعزيز آليات الرقابة التقنية داخل مراكز الامتحان بدل تعطيل الشبكة على نطاق وطني شامل.
في هذا السياق يوضح مهندس برمجيات، خير عدم الإفصاح عن هويته، في حديثه لنواة أن التحكم في تدفق الإنترنت أو تقييده خلال فترات محددة لا يتم عبر إجراء واحد مباشر بل عبر منظومة تقنية وإدارية متكاملة تبدأ من مستوى مزودي خدمة الإنترنت (ISP)، حيث تقوم الدولة بإصدار تعليمات إدارية توجَّه إلى المزودين المحليين وفي مقدمتهم شركة اتصالات تونس باعتبارها من أبرز مالكي البنية التحتية للاتصالات في البلاد. من خلال هذه البنية يمكن تطبيق عدة مستويات من التدخل تبدأ بإمكانية التحكم في ”البوابات الدولية“ (Gateways) أي النقاط التي تربط الشبكة الوطنية بالإنترنت العالمي وهو ما قد يؤدي إلى قطع كلي أو شبه كلي للاتصال بالخارج أو إلى إضعاف شديد في جودة التصفح والربط بالشبكة الدولية.
لكن إلى جانب هذا السيناريو الجذري، يشرح مصدرنا وجود أدوات أكثر مرونة وأقل ظهورا مثل تقنية ”تخفيض عرض النطاق الترددي“ (Bandwidth Throttling) والتي تقوم على تقليص سرعة تدفق البيانات بدل قطعها بالكامل بحيث يصبح الاستخدام محدودا إلى درجة تسمح أحيانا بالرسائل النصية فقط بينما تتعطل التطبيقات الثقيلة مثل الفيديوهات ومنصات التواصل. كما يُستخدم في بعض الحالات ما يعرف بـ ”الفحص العميق للحزم“ (Deep Packet Inspection – DPI) وهي تقنية متقدمة تمكّن مزود الخدمة من تحليل طبيعة البيانات المارة عبر الشبكة وتحديد نوعية التطبيقات والخدمات المستخدمة بما يسمح بتقييدها أو التحكم فيها بشكل انتقائي.
وعلى مستوى تقنيات الحجب المباشر يوضح مهندس البرمجيات أن هناك عدة آليات تقنية شائعة أولها DNS Blocking حيث يتم منع تحويل أسماء المواقع مثل facebook.com إلى عناوينها الرقمية ما يؤدي إلى حجب الوصول إليها رغم استمرار الاتصال بالإنترنت مع الإشارة إلى أن هذا الأسلوب يمكن تجاوزه أحيانا عبر VPN أو تغيير إعدادات DNS.
أما الأسلوب الثاني فهو IP Blocking، ويعتمد على حجب العناوين الرقمية نفسها التابعة للشركات الكبرى مثل شركة Meta Platforms بما يشمل خدمات فيسبوك وإنستغرام وواتساب وماسنجر ما يؤدي إلى تعطيلها بشكل مباشر بغض النظر عن طريقة الولوج. ويضيف أن هناك تقنية أكثر دقة تعرف بـ SNI Filtering والتي تعتمد على قراءة اسم الموقع مثل Facebook أو Instagram وحجب الاتصال قبل اكتماله رغم التشفير ما يجعل التجاوز أكثر صعوبة مقارنة بالطرق السابقة. وإلى جانب ذلك يمكن اعتماد ”التقييد الانتقائي للسرعة“ (Selective Throttling) وهو أسلوب يسمح بتشغيل بعض الخدمات بشكل جزئي مع تعطيل أخرى مثل السماح بعمل واتساب للرسائل النصية فقط مقابل تعطيل أو إبطاء التطبيق بشكل يجعله تقريبا غير قابل للاستخدام.
يرى محدثنا أن هذه الإجراءات رغم طابعها التقني تنعكس مباشرة على البنية الاقتصادية الرقمية. فالتجارة الإلكترونية التي تعتمد بشكل أساسي على هذه المنصات تتعرض لاضطراب كبير في عمليات البيع والتسويق حيث تتعطل الإعلانات الموجهة نتيجة خلل في تدفق الصور والفيديوهات وضعف التفاعل وهو ما ينعكس على خوارزميات الوصول (reach) ويقلل من فعالية الحملات الإعلانية، كما تتأثر منظومات البيع عبر Facebook Shops و Instagram Shopping بشكل مباشر إذ تصبح عملية عرض المنتجات أو التفاعل مع الحرفاء غير مستقرة ما يرفع من نسب عدم إتمام الشراء ويضعف الثقة في الخدمة الرقمية. كما أن خاصية Messenger المخصصة لخدمة الحرفاء تسجّل خسائر غير مباشرة لأن التأخر في الرد أو انقطاع التواصل يؤدي إلى فقدان فرص بيع فورية في سوق يعتمد على السرعة في اتخاذ القرار. أما في قطاع العمل الحر (freelancing) فإن منصات مثل Fiverr وUpwork تتضرر بشكل واضح لأن طبيعة عملها تقوم على التواصل اللحظي وأي تأخير في الرسائل قد يؤدي إلى خسارة الطلب لفائدة منافسين في دول أخرى. وفي قراءة تقريبية، يقول إنه إذا افترضنا وجود حوالي 100 ألف شخص يعتمدون بشكل مباشر على الإنترنت في تحقيق دخل يومي وبمعدل متوسط يناهز 50 دينارا يوميا لكل فرد فإن أي تعطيل لعشرة أيام فقط خلال فترة حساسة مثل الامتحانات قد يؤدي إلى خسائر قد تصل إلى عشرات الملايين من الدنانير نتيجة توقف عمليات البيع وضعف الإعلانات وتعطل الخدمات الرقمية قصيرة الأجل. ويخلص إلى أن الحلول التقنية لمواجهة الغش في الامتحانات لا ينبغي أن تعتمد على القطع الجماعي أو التقييد الواسع للإنترنت لأن ذلك يتحول عمليا إلى عقوبة اقتصادية جماعية تمسّ منظومة كاملة من الاقتصاد الرقمي. مشيرا إلى أن البدائل أكثر واقعية وفعالية مثل تعزيز الرقابة داخل قاعات الامتحان عبر المشرفين والكاميرات أو اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد حالات الغش بما يحقق الهدف التربوي دون إحداث ضرر واسع في البنية الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالإنترنت.
كشفت دورة البكالوريا 2026 بما رافقها من ارتفاع في حالات الغش وتوسع في الإجراءات الزجرية والأمنية عن مأزق أعمق من مجرد إدارة ظرفية لامتحان وطني ليبدو المشهد أقرب إلى محاولة متواصلة لاحتواء أعراض أزمة ممتدة بدل الاقتراب من جذورها. فبين منطق ردعي يتوسع في التعاطي مع التلاميذ عبر المسارات القضائية والأمنية ومنطق تقني يراهن على تعطيل الفضاء الرقمي كوسيلة للضبط، تتوارى الأسئلة الأكثر إلحاحًا حول بنية المدرسة العمومية نفسها وحول قدرة المنظومة التربوية على إنتاج شروط تعلم سليمة وعادلة تضعف فيها الحاجة إلى الغش أصلا قبل التفكير في معاقبته. وبينما تتعدد أدوات المواجهة وتتنوع بين التشديد داخل قاعات الامتحان والتضييق خارجها يظل النقاش مفتوحا حول مدى قدرة هذه المقاربات في مجملها على معالجة الأزمة من جذورها أم أنها تكتفي بإعادة إنتاجها في مستويات أخرى.






iThere are no comments
Add yours