المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

تدور أحداث الفيلم حول قاتل متسلسل تتشكّل علاقته بالكلاب منذ طفولته، حين يشعر بأن أمه تفضل كلبها عليه، فيقتل الحيوان بدافع الغيرة، ليكون العقاب الذي يتعرض له بداية مسار طويل من الإذلال والعنف. طفل يُحرم من الحنان، ويُعامل بقسوة، ويعيش تجربة التنمّر، قبل أن يتحوّل، مع مرور السنوات، إلى شخص يعيد إنتاج الألم الذي عاشه، لكن هذه المرة في هيئة جرائم وحشية تستهدف الكلاب والانسان.

وبالتوازي مع هذا المسار، ينطلق تحقيق أمني إثر العثور على جثة مركّبة من أشلاء نساء، يتصدرها رأس كلب، في مشهد صادم يضع المشاهد أمام عالم تتداخل فيه الجريمة بالرمزية، والرعب الجسدي بالاضطراب النفسي. ويأخذ التحقيق منحى شخصيا بالنسبة إلى أحد الأمنيين، قبل أن تكشف النهاية عن علاقة غير متوقعة بين الماضي والحاضر.

لكنّ أكثر ما يجعل «بَكْمَة» قابلاً للقراءة خارج إطاره السينمائي هو حضوره المكثّف للكلاب بوصفها ضحايا للعنف، لا مجرد عناصر في حبكة رعب. وهنا، يصبح الانتقال من الشاشة إلى الشارع التونسي انتقالا مشروعا: ماذا تقول لنا هذه الحكاية عن الطريقة التي نتعامل بها مع الحيوانات التي تتقاسم معنا الفضاء العام؟ وأي معنى للحديث عن حماية المجتمع حين يكون الحل المعتمد هو الرصاص؟

في تونس، ما زالت عمليات قنص الكلاب السائبة تثير أسئلة جدية بشأن الجدوى والنجاعة والأخلاقيات. فإطلاق الرصاص الحي في مناطق عمرانية، وما قد يصاحبه من مشاهد دموية وخطر على المارة والأطفال، يحول ما يُقدَّم باعتباره إجراء لحماية المواطنين إلى مصدر محتمل للخوف والخطر. كما أن قتل الكلاب السائبة لا يعالج، في حد ذاته، الأسباب التي تؤدي إلى تجدد أعدادها في الشوارع وانتشار داء الكلب: التكاثر غير المنظم، والتخلي عن الحيوانات، وضعف برامج التلقيح والتعقيم، وغياب منظومة متكاملة للرعاية والإيواء.

المشكلة، إذن، ليست في ضرورة التعامل مع مخاطر الكلاب السائبة، ولا في حق المواطنين في شوارع آمنة، بل في اختيار الوسيلة الأكثر نجاعة واستدامة. فبين سياسة تقوم على القنص، ومقاربة تقوم على الوقاية والتلقيح والتعقيم والمسؤولية، توجد مسافة كبيرة بين حل سريع في ظاهره وحل يعالج المشكلة من جذورها.

‎من القنص إلى إدارة إنسانية ومستدامة

‎تُظهر التجارب الدولية أن قتل الكلاب جماعيا ليس حلا فعالا على المدى الطويل للحد من داء الكلب أو السيطرة على أعداد الحيوانات. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التلقيح الجماعي للكلاب هو الإجراء الأكثر فاعلية لمكافحة داء الكلب، وأن التخلص من الحيوانات وحده لا يحقق أثرا مستداما في أعدادها أو في انتشار المرض.

‎وتقدم الهند مثالا على اعتماد مقاربة مختلفة، إذ تنص قواعدها الخاصة بمكافحة تكاثر الكلاب لسنة 2023 على برامج التعقيم والتلقيح، مع إعادة الكلاب إلى مناطقها الأصلية وفق الضوابط المعتمدة. وتستهدف هذه المقاربة الحد من التكاثر، ورفع مستوى المناعة ضد داء الكلب، وتقليص الاحتكاكات بين البشر والحيوانات.

‎ولا يعني ذلك أن التعقيم والتلقيح وحدهما كافيان، أو ان النتائج تتحقق بسرعة، فنجاح هذه البرامج يتطلب استمرارية التمويل، وتغطية واسعة، ومتابعة بيطرية، وتنسيقا بين البلديات والسلطات الصحية وجمعيات الرفق بالحيوان. كما يمكن للملاجئ المجهزة، وبرامج التبني، والتصدي للتخلي عن الحيوانات، والتوعية بالملكية المسؤولة، أن تكون عناصر مكملة ضمن سياسة متكاملة.

إن البديل الذي تحتاج إليه تونس ليس مجرد التوقف عن استعمال الرصاص، بل الانتقال إلى سياسة عمومية واضحة لإدارة أعداد الكلاب السائبة، تقوم على التلقيح والتعقيم، وإحداث مراكز إيواء تستجيب للمعايير الصحية والبيطرية، وتطوير منظومة التبني، ومراقبة التكاثر والتخلي عن الحيوانات، مع تقييم دوري للنتائج ونشر المعطيات للرأي العام.

في النهاية، يعيدنا فيلم «بَكْمَة» إلى سؤال يتجاوز مصير قاتل متسلسل أو ضحاياه: ماذا يحدث حين يتحول العنف إلى رد فعل تلقائي، وحين نعتبر الإقصاء والإبادة حلا لكل ما يزعجنا؟ من طفل تعرض للإذلال، إلى قاتل جعل من الألم طقسا للانتقام، وصولا إلى كلاب تطارد في الشوارع باسم النظام العام، تتعدد السياقات، لكن السؤال الأخلاقي يظل قائما: هل نواجه المشكلة فعلا، أم نكتفي بالتخلص ممّن نعتقد أنهم يمثلونها؟ ‎قد يكون الرعب الذي يقدمه الفيلم خياليا، لكن الرصاص الذي يُطلق في شوارعنا ليس كذلك. وبين فانتازيا السينما وواقع المدينة، تظل الحاجة ملحة إلى أن نختار، بوصفنا مجتمعا، ألا نحوّل العنف إلى سياسة، وألا نخلط بين حماية الحياة وإهدارها.

ملاحظة:

‎‎رعب بالإيحاء لا بالمواجهة المباشرة

على المستوى البصري، يختار فيلم «بَكْمَة» معالجة المشاهد الدموية برؤية سينمائية إيحائية ومدروسة، بعيدة عن العرض المباشر والمطوّل لعمليات القتل والذبح. فبدلا من إظهار العنف لحظة وقوعه، يعتمد الفيلم على الصوت والموسيقى والصورة لبناء الرعب؛ فتتولّد لدى المشاهد صورة الجريمة من خلال الإيحاء أكثر من المشاهدة المباشرة.

‎ومن المهم أيضا التوضيح أن الكلاب التي تظهر حيّة في الفيلم هي حيوانات حقيقية جرى توفيرها بالتنسيق مع موضب وجمعيات الرفق بالحيوان. أما المشاهد التي تظهر فيها كلاب مقتولة أو مذبوحة، فقد استُخدمت فيها مجسّمات وحيوانات محنّطة، لا حيوانات حقيقية قُتلت من أجل التصوير.