في 24 جويلية 2026، وبينما كان هم التونسيات والتونسيين الوصول إلى حلول تخص انقطاعات الكهرباء والماء المتكررة، أصدرت الصيدلية المركزية بلاغا عن الترفيع في أسعار عدد من الأدوية، ترفيع صدم الرأي العام دون سابق تنبيه بتجاوز نسبته في بعض الأدوية الحياتية 556 بالمائة. في تلك الفترة، كان مئات المواطنين يخوضون رحلات مضنية للبحث عن أدوية حياتية مثل أدوية علاج مرض السرطان والغدة الدرقية وأمراض السكري وضغط الدم إضافة إلى أدوية الأمراض النفسية بمختلف درجاتها.
الحلقات المخفية للأزمة
في رحلتها للبحث عن علبة دواء لعلاج مرض ثنائية القطب، تخوض سماح كل شهر مسارا شاقا لتعقب أثر لهذا الدواء، وإن ظفرت بعلبة، فهي تعلم أنّ ذلك المسار سيتجدّد فور انتهائها. تقول سماح في تصريح لنواة:
بدأت بزيارة طبيب نفسي منذ قرابة عشر سنوات، وتمّ تشخيصي بمرض ثنائية القطب، وهو مرض مزمن حسب تصنيف الصندوق الوطني للتأمين على المرض، ويمثّل الانقطاع عن تناوله لمدة أيام خطرا على صحتي النفسية وعلى حياتي الاجتماعية. أدفع شهريا ما يقارب مائة وخمسين دينارا مقابل زيارة الطبيب وثمن الأدوية التي يصفها لي، وهو مبلغ ليس بالهين بالنسبة للعمال. منذ أكثر من عام، أواجه مشكلة في استرجاع مصاريف الدواء بسبب أزمة مالية داخل المؤسسة التي أعمل بها، لذلك طلبت من طبيبي تعويض دواء lamictal 200 بدواء جنيس وهو lamileb 200، الذي يمثل ثلث سعره تقريبا، غير أنني أخوض كل شهر رحلة متعبة للعثور على هذا الدواء الجنيس، لذلك طلبت من طبيبي أن يعيد لي الدواء الذي وصفه لي في البداية. شخصيا أفضّل دفع سعر أعلى عوضا عن بحث مضمن عن الدواء الجنيس.
تضع الدولة المرضى أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا خوض رحلة بحث مضنية للحصول على الدواء حتى وإن كان مصدره صيدلية بالخارج، وإما شراؤه، إن وُجد، دون مناقشة سعره. في المقابل تغطي السلطة أسباب الأزمة الحقيقية عن طريق تعليمات أو إجراءات لا تستند إلى أي تشخيص واقعي لقطاع الأدوية.
خلال الصائفة المنصرمة، أصدرت الصيدلية المركزية بلاغا تضمن قائمة تضمنت 309 نوع من الأدوية التي تم الترفيع في أسعارهاـ ووصلت نسبة الترفيع إلى 556 بالمائة لدواء BASDENE 25MG الذي يتناوله مرضى الغدة الدرقية الذي ارتفع سعره من 0.7 دينار إلى 5 دنانير. قد يبدو السعر مقبولا، لكن رئيس النقابة الوطنية لأصحاب الصيدليات الخاصة زبير قيقة يقول في تصريح لنواة إنّ السعر قد يبدو في متناول الجميع، لكن مدة تناوله هي ما تصنع الفرق، ويضيف ”سعر خمسة دنانير قد يبدو سعر ممتاز، وهو في الواقع كذلك، لكن إذا أدركنا أنّ مرضى الغدة الدرقية مضطرون إلى تناوله مدى الحياة، فالمعادلة تتغيّر. يجب ألاّ ننسى أن خمسة دنانير يمكن أن تحدث فرقا بالنسبة لفئة معيّنة من التونسيين خاصة بارتفاع كلفة المعيشة وعدم توازنها مع مدخول المواطن، وعدم حصول جزء من المرضى على التغطية الاجتماعية بسبب وضعيتهم المهنية الهشة“.

منذ أكثر من عامين، تخوض سيرين الشابي معركتان، الأولى ضدّ سرطان الثدي، ثم ضدّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض. تقول سيرين في تصريح لنواة ”خضعت إلى عملية إضافة إلى العلاج الكيميائي. دافعت عن حقي في الحصول على الدواء لأواصل العلاج لكني لم أتمكن من ذلك، فرفعت دعوى قضائية ضدّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وربحت القضية وتمكنت من الحصول على الدواء“.
يقع التونسيون تحت تأثر النظرية المعروفة أثر الفراشة، وهي نظرية معقدة لكنها تنطبق تماما على التونسيين. فهم يتحملون على المدى البعيد عبء تغيرات صغيرة لكنها متراكمة للوضع الاجتماعي في تونس المتكون من حلقات صغيرة ومهمة مثل ارتفاع تكاليف المعيشة مقابل استقرار في قيمة الأجور والذي يؤدي إلى ضعف مداخيل الصندوق الوطني للتضامن الاجتماعي، ما يجعله عاجزا عن تحويل جزء من مستحقات صندوق التأمين على المرض الذي يعاني بدوره من عجز عن دفع ديونه تجاه المستشفيات، وبالتالي فإن المستشفيات تعجز عن دفع مستحقات الصيدلية المركزية وهو ما يؤثر تماما على قطاع الأدوية، فتتأثر صناعة الأدوية المحلية التي تمثل قرابة 75 بالمائة من حاجة تونس للدواء، وذلك بسبب عدم تسديد الصيدلية المركزية مستحقات الشركات التي تقوم بتصنيع الأدوية في تونس ويفضي كلّ ذلك إلى فقدان الأدوية والترفيع في أسعارها.
تبلغ ديون المستشفيات العمومية و الصندوق الوطني للتأمين على المرض تجاه الصيدلية المركزية 1442 مليون دينار حسب تصريح إعلامي للرئيس المدير العام للصيدلية المركزية شكري بن حمودة في ماي 2025، في المقابل، وصلت ديون الصيدلية المركزية إلى 1300 مليون دينار. وحسب أرقام للمعهد الوطني للإحصاء، ارتفعت قيمة واردات تونس من المواد الصيدلية بنسبة 75 بالمائة، في ظرف خمس سنوات، إذ بلغت قيمة توريد المواد الصيدلية، بما فيها الأدوية، 2270.400 مليون دينار سنة 2025، مقابل 1516.700 سنة 2020.

حسب تقرير المشروع السنوي للأداء لمهمة الشؤون الاجتماعي لسنة 2025، توقعت الوزارة ارتفاع نسبة الأعباء على المداخيل في الصندوق الوطني للتأمين على المرض خلال ثلاث سنوات ممتدة بين 2025 و2027، ومن أسباب ارتفاع تلك الأعباء حسب الوزارة، ارتفاع كلفة بعض الأعمال الطبية مقابل استقرار المداخيل.
يقول زبير قيقة رئيس النقابة الوطنية لأصحاب الصيدليات الخاصة لنواة:
لا تقوم المستشفيات العمومية والمصحات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بتسديد ديونها تجاه الصيدلية المركزية، وهو ما يؤثر في توفّر الأدوية للمواطن وفي أسعارها. دور الصندوق الوطني للتأمين على المرض حيوي في تونس، وإذا انهار الصندوق فسينهار كل القطاع الصحي بما في ذلك الصيدلية المركزية التي تحتكر قطاع الأدوية، ولن يقدر أي تونسي على شراء دواء مهما كان حجم راتبه، مهما كان نوع الدواء حتى وإن كان مسكّن آلام، وإن وجد فلن نستغرب أن يكون سعره خمسين دينارا.
مسكنات الدولة الوقتية
قبل أربعة سنوات، قام الرئيس قيس سعيد بزيارة إلى شركة تقوم بتصنيع الأدوية في تونس، واجتمع ببعض مسؤوليها وقال إنّه من الضروري توفير مخزون استراتيجي تحسّبا للحالات الطارئة وأنّ الأزمة في تلك الفترة المتعلقة بتوزيع الأدوية وجدت طريقها إلى الحل. لم يذكر الرئيس استراتيجة الخروج من تلك الأزمة، ومنذ ذلك التاريخ، لم يفصح عن أي حل للتحكم في أزمة قطاع الأدوية وفي أسعارها، إلى حدود مارس الماضي، حين اجتمع يوم 25 مارس برئيسة الحكومة سارة الزعفراني ووزير الشؤون الاجتماعية عصام لحمر ووزير الصحة علي مرابط، وحسب بلاغ الرئاسة، دعا سعيّد إلى ”ضرورة التصدّي الصّارم لكلّ أشكال الفساد وسوء التصرّف في قطاع الأدوية، باعتباره قطاعاً حيوياً يرتبط مباشرة بصحّة المواطنين، داعياً إلى تعزيز آليات الرقابة والتفقّد،“ ودعا سعيّد أيضا إلى ”تكريس الشفافيّة عبر تعميم المنظومات الرقميّة التي تمكّن من تتبّع مسالك توزيع الأدوية وضمان حسن إدارتها“.

أزمة الأدوية: مرآة لانهيار الحق في الصحة
25/02/2026
من المضني إحصاء وعود السلطة بإيجاد حلول لم تُنفذ، لكن الادهى أنها تناقض نفسها بالتراجع عن تدابير قدمتها كمخارج وقتية للتخفيف من مشاكل قطاع الأدوية، منها دعوة الرئيس بتعميم المنظومات الرقمية لمتابعة مسالك التوزيع.
يقول زبير قيقة رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة في تصريح لنواة ”السلطة تتحدث عن عدالة في الولوج إلى الصحة، لكن الواقع مناقض لذلك. يعلم الصيادلة أن تزويد الصيدلية المركزية الصيدليات بالدواء يقتصر على ثلاث ولايات وهي تونس وصفاقس وسوسة، أما أصحاب الصيدليات في بقية الولايات، فهم يضطرون إلى قطع مئات الكيلومترات من أجل الحصول على شحنة الدواء الخاصة بهم من إحدى هذه الولايات. ففي ڨفصة مثلا، يوجد فرع للصيدلية المركزية، ورغم ذلك يضطر الصيادلة في تلك الولاية إلى ولاية صفاقس للحصول على حاجتهم من الأدوية. السلطة تقترح حلولا لكنها لا تنفذها، فمنذ قرابة عام اقترحت نقابتنا تمويل مشروع منصة لمتابعة توزيع الأدوية حتى يعمّم الحق في الحصول على الدواء، لكن ما راعنا أنّ وزارة الصحة أوقفت المشروع رغم أننا أشرفنا على تمويله ووصلنا إلى مرحلة متقدمة من إنجازه تجاوزت 80 بالمائة، ورغم استفساراتنا ومراسلاتنا للوزارة، منذ قرابة ستة أشهر، لم نحصل على أية إجابة“.

تطرح السلطة في تونس حلولا ترقيعية لمعالجة أزمة قطاع الأدوية بما في ذلك توفر الدواء وطرح أسعار يمكن للمواطن تحمّل عبئها. ومن ضمن تلك الحلول، تخصيص مبالغ للمؤسسات الصحية من أجل تسديد ديونها تجاه الصيدلية المركزية. وحسب تقرير المشروع السنوي للأداء لمهمة الصحة سنة 2024، خصصت الدولة 200 مليون دينار للمؤسسات الصحية العمومية من أجل سداد جزء من مستحقات الصيدلية المركزية وتوفير سيولة لها عن طريق سداد قسم من تلك الديون.
منذ 25 جويلية 2021، صار التخوين والتهديد عماد خطابات السلطة، ما خلق مناخا من الخوف لدى المستثمرين، بما في ذلك المستثمرين في صناعة الأدوية سواء كانوا أجانب أو تونسيين. لتغادر في العام الموالي ثلاث مخابر عالمية، وهي ”نوفارتيس“ و”باير“ و”جي أس كا“.
تضخمت ديون الصيدلية المركزية تجاه المخابر، ضمن سلسلة معقدة أدت إلى عدم قدرتها على استخلاص مستحقاتها من مؤسسات عمومية. يقول تقرير أنجزته مؤسسة ”فيتشر سولوشن“ بعنوان ”صناعة الأدوية في تونس“ الصادر في فيفري الماضي، ”عندما لا تقوم الحكومة بالدفع، لا تُسلّم شركات الأدوية الدواء، وعندما لا تُسلّم شركات الأدوية الدواء، تُفرغ رفوف الصيدليات“. ويضيف التقرير أن أسعار الأدوية تؤثر في القدرة الشرائية للتونسيين وأن هذا الارتفاع يسبب ارتفاعا في النفقات الشخصية للطبقة الوسطى ”أما بالنسبة للفقراء، فيعني التخلي عن العلاج تمامًا. مريض السكري الذي يُباعد بين حقن الأنسولين لا يظهر في الإحصاءات الاقتصادية الكلية. ينتهي به المطاف في غرفة الطوارئ، في غيبوبة الحماض الكيتوني السكري“.
في تصريح لنواة، يقول طارق الحمامي عضو غرفة صناعة الادوية إنّ الأدوية التي شهدت ارتفاعا في الأسعار تخص تلك التي توردها تونس، ويضيف ”يمكن صناعة بعض الأدوية الجنيسة في تونس وليس كلها لأن نفقات التصنيع ستفوق نفقات البيع بالنسبة لبعضها. يوجد 43 مخبرا في تونس، ويمكن للمخابر تصنيع بعض الأدوية الجنيسة للمساهمة في تقليص التوريد، لكن توجد أدوية يتم تدعيمها بشكل مرتفع مثل دواء ”سنتروم“ المخصص لتسهيل جريان الدم، لا يمكن للمخابر تحمل كلفة تصنيعها. في الظروف الحالية لا يمكن لمخابر صناعة الأدوية أن تتحمل تصنيع أدوية معينة لأنها لا تتحمل كلفة التصنيع مقابل ثمنها“.

الصحة في تونس لمن استطاع إليها سبيلا
19/04/2024
تحارب السلطة في تونس الأزمات بالاتهامات المتكررة بوجود فساد في قطاعات متنوعة، وهو ما خلق مناخا من الذعر في كل القطاعات، ويعتبر زبير قيقة أنّ خطاب التخويف لن يحل الأزمة وأنه يجب إيجاد حلول عملية مثل طمأنة المستثمرين بمن فيهم أصحاب مخابر صناعة الأدوية. ويضيف:
يجب أن تكون السلطة حريصة على عدم خروج المخابر من البلاد وألا تعاملهم باعتبارهم ضيوفا غير مرحب بهم. يجب طمأنة مصنعي الأدوية والتشاور معهم بخصوص احتياجاتهم، ولكن الدولة تفعل العكس تماما. فحين طلب المصنعون التونسيون طلب زيادات في أسعار بعض الأدوية وهي زيادات لا تزيد عن دينارين، رفضت الدولة ذلك، فارتفع سعر تلك الأدوية إلى ثلاث أضعاف. لا تدرك السلطة أن مخابر صناعة الأدوية هي التي يمكنها إسناد الدولة خلال الأزمات بشرط توفير مناخ ملائم حتى تعمل، وهي القادرة على تصنيع أدوية بثلث ثمنها عوض استيرادها، وبالتالي توفر فرصا لحصول المواطن على حقه في الدواء بسعر يناسبه. الأسعار يتحكم فيها سوق عالمي لا تتحكم فيه الدولة، لكن يمكنها تجاوز ذلك بخلق الثروة وتحسين ظروف عيش المواطن. للأسف السلطة تبحث عن حلول ترقيعية، فقد طلبت من الهياكل المهنية إعداد قائمة لتصنيف الأدوية الحياتية الأساسية وصنف من بقية الأدوية، وهذا الطلب من أجل تخليها عن صنفين من الأدوية والإبقاء فقط على الأدوية الحياتية. في المقابل تتخذ الدولة قرارات تضع المواطن في خطر مثل سحب مواد من قائمة الأدوية مثل حمض “الهيالورونيك“ الذي يستعمل في علاج أمراض معينة للأعين، والآن أصبح يباع على قارعة الطريق دون رقابة.
تظهر سياسة الدولة وتعاملها في معالجة الأزمات بما فيها الادوية، غيابا لما يمكن أن نسميه حقا بسياسات تصاغ من أجل عموم التونسيات والتونسيين، ارتجال وترقيع ووعود وبهرج، ثم تراجع صامت واختفاء عن الأنظار، قبل العمل على إلهاء الرأي العام وتنويمه بسجع شعارات من القرن الماضي وإغراقه في قضايا هامشية.
واقع لم يعد يتطلب دراية وأهل اختصاص وحتى شجاعة فكرية وعلمية للاصداح به، بل تحول إلى إدراك جماعي تتناقله أفواه التونسيات والتونسيين بمرارة، يظهر في مئات التعاليق الساخرة على ما تنشره مؤسسات البروباغاندا الممولة من جيوب دافعي الضرائب، بعد كل خطاب ومجموعة صور رسمية تتداولها شبكات التواصل.




iThere are no comments
Add yours