تتأكّد هذه الحقيقة عندما نتذكّر أنّ القوانين التي اعتبرت ”منافية لأحكام الإسلام“ مثل منع تعدّد الزوجات إنّما في الحقيقة جاءت من داخل المنظومة الدينية عبر فتوى تقول أنّ معيار العدل بين الزوجات الذي يشترطه الإسلام غير قابل للتحقّق بنصّ القرآن ذاته حيث يقول في الآية 129 من سورة النساء: ”وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ“. إنّ ”لن“ التي تفيد النفي والجزم بالاستحالة في المستقبل لعبت دورا وظيفيا لتهدئة حالة الغليان التي كانت مُنتظرة في صفوف من يرون أنّ أحكام القرآن هي المحرار لصحّة أو أخلاقيّة قانون ما، حتّى وإن كان وضعيّا، بالتالي فإنّ ما قام به المشرّع خلال فترة الجمهوريّة الأولى هو تحويل الأحكام الشرعيّة إلى قوانين وضعيّة مع تعديل طفيف بشكل مسموح به ضمن دائرة الاجتهاد الديني.

صدرت إذًا مجلّة الأحوال الشخصيّة، والتي مازالت إلى اليوم تُعتبر استثناءً في العالم العربي من جهة الحقوق التي تضمّنتها رغم محدوديتها ونقصانها. لكنّ هذه المجلّة لم تَعد اليوم موائمة لواقع التونسيين الذين أصرّوا أثناء بناء الجمهورية الثانية (أساسا خلال معركة الدستور) ويصرّون (عند الخوض في نقاش جملة قوانين) على أن تكون المساواة بين الجنسين كاملة وتامّة في جميع المجالات. من النافلة القول أنّ السلطة السياسيّة الحاكمة خلال الجمهوريّة الأولى نجحت في تحقيق مسعاها الاستراتيجي، أي بناء تغيير تراكمي في ذهنيّة المواطنين أساسا عبر أداة التعليم العمومي الموحّد، ليتحوّل منطق تفكيرهم من اعتماد النصّ الديني كأساس للتشريع الوضعي (وهو الرأي السائد في المجتمع سابقا) إلى اعتماد القوانين الوضعيّة كمعيار للمعاملات القانونيّة دون اشتراط مرجعيّات أخرى دينيّة كانت أو أخلاقيّة، وهو ما يمكن أن نسمّيه مسار عَلمَنة ووَضعَنَة العقل التونسي.

على الرغم من إصرار التونسيين على إقرار المساواة التامّة ونضالهم المستميت في الدفاع عن صيغة دستورية واضحة في المسألة، في مقابل صيغة مُخاتلة كانت مُقترحة من قِبَل الصفّ المحافظ تقول بالتكامل بين المرأة والرجل، إلاّ أنّه لا يمكن إنكار حقيقة وجود فئات مهمة من الشعب التونسي تُعارض إقرار المساواة القانونية في مسائل مُختلفة من بينها قضيّة الميراث. لكن قبل المرور إلى مناقشة الرأي الذي يرفض إقرار هذا النوع من المساواة علينا أن نعود على بعض التفاصيل التي رافقت مناقشة دستور الجمهورية التونسية الثانية: حاول الشقّ المحافظ الحائز على أغلبيّة مقاعد المجلس التأسيسي أن يضمّن فصلا دستوريا يعتبر الشريعة الإسلاميّة مصدرا من مصادر التشريع التونسي لكنّ الحراك السياسي المدني الشعبي أسقط هذه المقترحات عبر الضغط والاحتجاج ما ألزم المحافظين (أساسا حركة النهضة الإسلامية) وقتها التراجع عن هذا الفصل، ويمكن اعتبار إسقاط هذا الفصل بمثابة التأكيد الملموس لانتصار مسار الوضعنة في القانون، حيث لم يعُد هناك أيّ إمكانيّة لاعتماد أيّ مصادر أو نصوص خارجة عن الهرم القانوني الذي أعلاه الدستور وأدناه القرارات والأوامر.

إنّ هذه الوقائع الملموسة التي عايشها المجتمع التونسي وفعل فيها وساهم في نحت ملامحها أقفلت الباب نهائيا أمام دولة مرتهنة تشريعيا للفقهاء وشيوخ الدين، لكن من يُقفل في وجهه الباب قد يحاول الدخول من الشبّاك، وقد حرصت القوى السياسيّة المحافظة على التأكّد من أنّ الشبّاك لن يُقفل وذلك من خلال إصرارها على اعتماد صيغة مُلتبسة للفصل الأوّل من الدستور الجديد والذي جاء في نصّه: ”تونس دولة، حرة مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها. لا يجوز تعديل هذا الفصل“. فهمت القوى المحافظة أنّ السير في اتجاه معاكس للإرادة العامّة سيعود عليها بالوبال، كما فهمت أنّ عليها بناء إستراتيجية مقابلة لإستراتيجية الوضعنة التي وقع اعتمادها في الجمهوريّة الأولى لتُحدث تغييرا تراكميّا مقابلا ينتهي بالعودة مستقبلا إلى الوضع الذهني الذي كان سائدا في السابق، بالتالي حافظت على خلاف فقهي في الدستور يُعنى بتأويل كلمة الإسلام دينها، واعتبرت أنّ تعبير ”الإسلام دينها“ إنّما يقوم مقام الفصل الذي وقع حذفه والقائل أنّ ”الشريعة الإسلامية إحدى مصادر التشريع“، وحسب تأويل هؤلاء لا يُمكن للدولة التونسيّة أن تُشرّع قوانين مُخالفة لدينها المنصوص عليه في دستورها، لكنّ قراءة مُختلفة لنفس النصّ تقدّم بها أساتذة قانون دستوري تونسيون تؤكد أنّ هذه العبارة لا تُفيد أكثر من أنّ الشعب التونسي في أغلبه مُسلم لهذا تكون دولته مُسلمة لا بالمعنى التشريعي أو القانوني عموما وإنّما بالمعنى الرمزي أي كدلالة على تمثّل الدولة لهويّة أغلبيّة شعبها، ويستند هذا التأويل إلى قاعدة وحدة النصّ القانوني حيث يُردفون دائما تأويلهم هذا بقراءة الفصل الثاني من الدستور والذي يقول: ”تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون. لا يجوز تعديل هذا الفصل“. بالتالي فإنّ هذه المعضلة التي طالما صاحبت القواعد والنصوص القانونيّة ألا وهي معضلة التأويل، أو كما يسمّيها كثير من فلاسفة القانون مُعضلة القانون واللغة، عاودت الظهور مجدّدا في هذه الحالة.

وعلى الرغم من تبّنينا للقراءة الثانية على أنّها الأسلم نظرا لذكر مصطلحي ”مدنية الدولة“ و”علوية القانون“ في الفصل الثاني ما يعني أنّ المدنيّة جاءت مقابل الثيوقراطيّة أو الدينيّة وعلوية القانون في مقابل علويّة النصّ الديني على القانون، في حين غابت أيّ إشارة للقانون أو طبيعة الدولة في الفصل الأوّل إلاّ أنّ القراءة الأولى لها ما يدعمها في النصّ. لكن حقيقة أنّ القراءة المحافظة لها ما يدعمها –على الأقلّ تأويليا- لا يجب أن يعمينا عن حقيقة ساطعة هي أنّ هذه القراءة هي تأويل للقانون الوضعي ولا يمكن بأيّ حال أن تكون قراءة متعالية عليه، بالتالي فإنّ كلا القراءتين يتنزّل في سياق تأويل القانون الوضعي الذي لا يعتمد كمبدأ لصحّته ونفاذه معايير دينيّة أو أخلاقيّة أو قيميّة خارجة عن النصّ القانوني ذاته.

بعد أن عرضنا جملة الإشكاليات المتعلّقة بتأويل النصّ الدستوري في تونس والانتهاء إلى الإقرار بعلويّة القانون وتبنّي الدولة للصيغة الوضعيّة صار في الإمكان تناول قضيّة المساواة في الميراث دون الخروج عن الإطار القانوني العامّ وفي تناسق معه. يقول المتمسّكون بضرورة المحافظة على النظام الحالي للمواريث أنّ الطريقة التي يجب أن تُعتمد لتوزيع المنابات إنّما ماثلة في النصّ القرآني وما على النصّ القانوني إلاّ أن يقوم بنقل حيّز نفاذ هذا النصّ من المقدّس إلى الوضعي (وهي الحالة المعمول بها إلى اليوم في مجلّة الأحوال الشخصيّة)، ما يؤدّي في نهاية الأمر إلى عدم التعديل في النصّ القانوني الحالي لتوافقه التام مع ما جاء به النصّ المقدّس. ويُهمل أصحاب هذا الموقف حقيقة التغييرات الدستورية العميقة الحاصلة منذ إقرار دستور الجمهورية الثانية في جوان 2014، حيث أنّ الدستور الجديد لم يعمل على تعديل النظام السياسي من رئاسي إلى شبه برلماني فحسب، بل ضُمّن الدستور الجديد فصولا مُستحدثة تدخل في حيّز بابه الثاني والموسوم بباب الحقوق والحريات. وأقرّ هذا الباب في السطر الأول من فصله الواحد والعشرين المساواة بين المواطنين والمواطنات حسب هذه الصيغة: ”المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز“. كما أُقرّ في نفس الباب في الفصل السادس والأربعين في السطرين الأوليّن ما يلي: ”تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها. تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات“.

إنّ دخول هذه المعطيات الجديدة أي الفصول الدستورية المُستحدثة والتي لم تكُن موجودة بمثل هذه الصيغة في دستور الجمهورية الأولى يعني أوّلا بالأساس ضرورة تغيير كافة النصوص القانونيّة التي تتعارض والمبادئ المُضمّنة في الفصول الجديدة، من ذلك تُصبح عمليّة المحافظة على نصّ مجلّة الأحوال الشخصيّة في جزئها المتعلّق بالمنابات كما هي الآن ضربا من ضروب مخالفة الدستور وهدما لمبدأ علويّة القانون المُضمّن في الفصل الثاني. وينتج عن ذلك أنّ ما يعنينا الآن ليس توافق هذه المجلّة مع النصّ القرآني وإنّما معطيات أخرى تُعنى باختبار يُسمّى عند الوضعيين اختبار السلالة والذي يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط رئيسة هي:

  1. توافق أيّ نصّ مُقترح أو موجود مع النصوص القانونيّة التي تقع فوقه من حيث الترتيب في الهرم القانوني (الدستور أساسا في هذه الحالة لأنّنا بصدد الحديث عن قانون).
  2. شرعية الجهات التي يصدر عنها هذا القانون أو هذه التعديلات، ما يعني خضوع الجهة التشريعية للضوابط الدستورية التي تحدّد طُرق تحميلها المسؤولية وصلاحياتها (كلّ هذه التفاصيل موجودة إمّا في باب السلطة التشريعيّة في الدستور أو في القانون الانتخابي).
  3. سلامة الإجراءات التقنية التي على هذه السلطة إتباعها لنسخ قانون أو حذفه أو تعديله (وهي مُضمّنة في الدستور أيضا في باب السلطة التشريعيّة كما في النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب).

إنّ أهمّ حجّة في مواجهة من يرون ضرورة المحافظة على نظام المواريث في صيغته الحالية هي الحجة القانونيّة (أو الدستوريّة) لأنّ نظام المنابات في صيغته الحالية يقيم تمييزا على أساس الجنس في حقوق الورثة ولعلّ أفصح أمثلة على مثل هذا التمييز هي:

  • حالة الأخت والأخ: حيث يرث الأخ ضعف ما ترثه الأخت.
  • حالة الزوج والزوجة: يرث الزوج في حالة وفاة زوجته نصف ميراثها في حال لم يكن لها أولاد والربع في حال كان لها أولاد، أمّا الزوجة فترث ربع ميراث زوجها المتوفى في حال لم يكن له أولاد والثُمن في حال كان له أولاد.
  • حالة الأم والأب (عندما لا يكون للمتوفى زوج ولا أبناء): ترث الأمّ الثُلث ويرث الأب ما تبقى من ميراث ابنه (ثُلث مذكور والباقي بالتعصيب).

هذه الحالات مُجرّد عيّنة بسيطة يكون فيها التمييز في الحقوق بين الذكر والأنثى على أساس الجنس فحسب، وهي حالات تناقض بشكل صريح وواضح ما جاء في دستور الجمهورية التونسية من إقرار للمساواة بين المواطنين والمواطنات دون تمييز.

مازال بعض من يدافعون على فقه المواريث في صيغته الإسلاميّة يقولون أنّ هذا الفقه بالذات يضرب قيمة المساواة (التي يعتبرونها شكليّة) ليقيم محلّها قيم العدل والإنصاف، ويحاجّون على ذلك بقولهم بواجب القوامة على الرجل (وهو ضرب لقيمة التساوي في الواجبات بين المواطنين) كما يقولون أنّ أغلب الحالات المذكورة في فقه الميراث يكون فيها للأنثى أكثر من حظّ الذكر، وهم بهذا يمارسون أكبر أنواع المغالطات لأنّ الأنثى لا ترث أكثر من الذكر إلاّ في حالة كانت درجة قُرب الأنثى من المتوفّى أكبر من درجة قُرب الرجل له (في حالة كان الورثة مثلا ابنة المتوفى وأخوه)، وكافة الأحكام تقول أنّ في الحالة التي تكون فيها درجة قُرب الوارثيْن متساوية (أخوين، زوج وزوجة، الأبوين) يكون مناب الذكر أكبر من مناب الأنثى.

أمّا الآن لنفترض أنّ ما يدّعيه المدافعون عن ضرورة المحافظة على فقه المواريث الإسلامي من أنّ هذا الفقه يُطبّق مبادئ العدل والإنصاف نظرا لطابعه المقدّس، ألا يعلم هؤلاء أنّ مبدأ المواطنة المنصوص عليه في الفصل الثاني من الدستور، كما مبدأ حريّة المعتقد المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور يفترضان أنّ لجميع التونسيين، مهما كانت معتقداتهم وقناعاتهم بقدسيّة نصّ أو آخر أو انعدام المقدّس أصلا، الحق في قانون يساوي بينهم؟ ألا يعني هذا بالضرورة التخلّي عن الأحكام التي تكتسي طابعا مقدّسا وإقرار قوانين وضعيّة بالمعنى الصارم والقويّ للمفهوم؟ سبق وأن طُرحت على المحافظين مجموعة أسئلة مشابهة لتلك التي طرحتها للتوّ وقد كانت أغلب إجاباتهم تصبّ في أنّ أغلب التونسيين مسلمون، بالتالي ومن البديهي أن تحكم الأغلبيّة في نظام ديمقراطي وتنفّذ ما تراه صالحا، لكن هذه الحجّة تعتمد مغالطة صريحة بشكل فجّ لأنّ الأغلبية تحكم سياسيا وهذا أمر صحيح ولكنّها تحكم في إطار القانون المتواضع عليه، بالتالي فإنّ هذه المسائل لا تخضع لرأي الأغلبيّة والأقليّة كما هي لا تخضع لمبدأ الانتخاب أو الاستفتاء وإنّما تخضع لمبدأ وحيد هو مبدأ الصحّة القانونيّة، حيث لا يمكن لأغلبيّة سياسيّة كانت أو مجتمعيّة أن تُقرّ عبر الانتخابات ما يتعارض مع القانون.