ولذلك يكاد لا يسلم أي موقع أثري في بلادنا من النبش والحفر العشوائي، بما في ذلك بعض المواقع التي يفترض أن تكون محمية؛ بمعنى تقع تحت حراسة أعوان المعهد الوطني للتراث. وحول البحث عن الكنوز نشأت شبكات عديدة وكبيرة، بعضها يشتغل على استخراج المنقولات الأثرية والإتجار فيها خارج إطار القانون، من خلال تهريبها إلى الخارج، والبعض الآخر يعمل على غشّ ضحاياه من خلال إيهامهم بحيازته لكنوز، وذلك بمحو معالم بعض الأصناف من العملة المعدنية الرائجة – بالتحديد القطع صفراء اللون من ذات العشرة مليمات والعشرين مليما والخمسين مليما- وسكّ ملامح جديدة على وجهيها توحي بأنها أثرية. ويستدرجون ضحاياهم بطرق عديدة، من بينها الإرساليات القصيرة أو المكالمات الهاتفية، إلى جانب طرق التّواصل المباشرة.

ويعود البحث عن الكنوز وما يروّج حوله من أوهام وخرافات إلى عصور غابرة، فترى بعض الناس من أهل كل عصر يشغلون أنفسهم بالحصول على أموال من سبقهم من أقوام معتقدين أنهم أخفوها في باطن الأرض ويسترشدون عليها بعلامات ورموز خاصة. ويزعم البعض أنّ الإستدلال عن مواضع الكنوز –أو”الماليات” كما يصطلح عليها البعض- يكون بالاعتماد على خرائط تتوفّر لدى الخاصة من أهل المغرب الأقصى، أي المشتغلون بـ”الحكمة”، ويقصدون بها “علوم السحر والطلسمات”. والبعض الآخر يعتقد أنّ معرفة مواضع الكنوز يكون من خلال التعرّف على الرموز الدّالة على وجودها، ومن ثمة الكشف عن دلالات تلك الرموز لتحديد إحداثيات تلك الكنوز انطلاقا منها –أي انطلاقا من مكان وجود الرمز- أمّا “الرموز” المقصودة فهي ليست إلاّ الزخارف والرموز والعلامات المنقوشة على الصخور المتناثرة في الفيافي والحجارة المتناثرة في المواقع الأثرية، والتي هي في الحقيقة ليست إلاّ نقوشا ذات أغراض زخرفية مستوحاة من الحياة اليومية والمشاهد الطبيعية أو من التصوّرات ذات البعد العقدي والميثولوجي. ونجدها في الكهوف والمغارات التي سكنها الإنسان أو في بقايا المعالم التاريخية والمنشآت في المواقع الأثرية. أمّا استخراج تلك الكنوز فيتمّ، حسب زعم عامّة النّاس، اعتمادا على “التّعزيم”، بعد الاستعانة في ذلك بـ”مؤدّب”/”حكيم” لفكّ طلسمات “الرمز” وطرد الجان الحارس للكنز، يسميّه البعض “مانع” أو “وكيل”، وقد ذكر العلاّمة ابن خلدون (1332-1406م)، في كتاب المقدّمة هذه الأمور في باب عنوانه “في أنّ ابتغاء الأموال من الدّفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي”. ويشير إلى أنّ ذلك شائع لدى “ضعفاء العقول” في إفريقية وغيرها من بلاد المغرب وفي أمصار المشرق. حيث “يعتقدون أنّ أموال الأمم السّالفة مختزنة كلّها تحت الأرض مختوم عليها كلّها بطلاسم سحرية لا يفضّ ختامها ذلك إلاّ من عثر على علمه واستحضر ما يحلّه من البخور والدّعاء والقربان”. وثم يضيف، مفنّدا تلك الخرافات، “وأمّا الكلام على الحقيقة فلا أصل له في علم ولا خبر، واعلم أنّ الكنوز، وإن كانت توجد لكنها في حكم النّادر، وعلى وجه الإتّفاق [أي المصادفة] لا على وجه القصد إليها. وليس ذلك بأمر تعمّ به البلوى حتّى يدّخر النّاس أموالهم تحت الأرض ويختمون عليها بالطلاسم لا في القديم ولا في الحديث. والرّكاز الذي ورد في الحديث وفرضه الفقهاء، وهو دفين الجاهلية، إنّما يوجد بالعثور والاتّفاق لا بالقصد والطلب. وأيضا فمن اختزن ماله وختم عليه بالأعمال السحرية فقد بالغ في إخفاءه فكيف ينصب عليه الأدلّة والأمارات لمن يبتغيه، ويكتب ذلك في الصّحائف حتّى يطّلع على ذخيرته أهل الأمصار والآفاق، هذا يناقض قصد الإخفاء. وأيضا فأفعال العقلاء لا بدّ أن تكون لغرض مقصود في الانتفاع، ومن اختزن المال فإنّه يختزنه لولده أو قريبه أو من يُؤثره، وأمّا أن يقصد إخفاءه بالكلية عن كل أحد، وإنّما هو للبلاء والهلاك أو لمن لا يعرفه بالكليّة ممّن سيأتي من الأمم، فهذا ليس من مقاصد العقلاء بوجه”. وضرب ابن خلدون أمثلة عديدة على مظاهر تلك الخزعبلات التي يشغل بها المتحيّلون السّذّج من الناس لسلبهم أموالهم، وبعضها موجود حتى زمننا هذا. كما أشار الحسن الوزّان (عاش في النصف الأول من القرن 16م) في كتابه “وصف إفريقيا” إلى هذا الموضوع، في معرض حدثيه عن فئة تسمّى “الكنزيين” بمدينة فاس بالمغرب. حيث قال عنهم “يذهب هؤلاء الحمقى إلى خارج المدينة منقبين في عدد من الكهوف والأطلال لعلّهم يجدون فيها هذه الكنوز، لأنهم مقتنعون تماما بأنّ الرومان عندما أُخِذت منهم إمبراطورية إفريقيا وفرّوا إلى بلاد بيتيك في إسبانيا، دفنوا في ضواحي فاس عددا وافرا من الأشياء الثمينة النفيسة التي لم يتمكّنوا من أخذها معهم، وسحروها”. وما يحمل على تصديق تلك الخزعبلات والأوهام إلاّ “ضعف العقل” و”العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب”، وكذلك طلب الـ”زيادة في التّرف وعوائده وخروجها عن حدّ النهاية”، بعبارة ابن خلدون. ورغم مظاهر التطّور وانتشار التعلّم مازال الناس لا يتردّدون في تصديق الخرافات، والجري وراء الأوهام، بل والترويج لها على اعتبارها حقائق. فكل من تظهر عليه علامات الثراء تروّج حوله الإشعاعات بأنّه عثر على كنز، دون طرح أي احتمال في أن يكون مصدر تلك الثروة هو الإتّجار في الممنوعات أو حتى الأعمال التي لا يمنعها القانون. ومن بين التّرّهات المتداولة في هذا الإطار اشتغال أقارب الرئيس الأسبق بن علي، ومن بينهم زوجته، في البحث عن الكنوز بالاستعانة بالعرّافين وتحت حماية قوات الأمن والجيش، وباستعمال المروحيات والشاحنات لنقل الكنوز المكتشفة! وهي شائعات لا تنطلي إلاّ على الحمقى والمغفلين، على الأقل فيما يتعلّق باستخراج الكنوز واستعمال الشاحنات والطائرات لنقلها. قد -نقول قد- يكون الأمر على صلة بعصابات الحفر على اللّقى الأثرية والاتّجار فيها، أمّا غير ذلك فمحض هراء.

ما يدعو إلى الاستغراب أيضا هو عدم اتّعاظ البسطاء والجهلة من تجاربهم الفاشلة، حيث يتعرّضون لصيغ مختلفة من التّحيّل على يد من يدّعون أنهم “حكماء” وعارفين بخبايا استخراج الكنوز، يصل بعضها إلى حدّ ارتكاب جرائم قتل بحق من يظنّون أنهم حاملين لعلامات مميزّة في أجسامهم فيقدّمونهم كقرابين لاستخراج “الكنز”. وأكثر تلك الحيل تردّدا هو أنّ “الكنز” محصّن بجان لا يمكن التغلّب عليه، أو أنّ ذلك الجان قام بنقل “الكنز” من مكانه أثناء قيامهم الحفر عليه!

وما شيوع تلك الأوهام والخرافات المتعلقة بالكنوز بين الكثير من الناس إلاّ دليل على نقص في العقل وسذاجة في الفكر، وعلامة من علامات الانحدار الحضاري في بلادنا. يرى ابن خلدون أنّ تمييز الصادق من الكاذب من الأخبار والوقائع يكون استنادا إلى مدى اتفاقه أو مخالفته لطبائع الأمور وسنن الحياة، ولكنّ العوام -والكثير منهم من أصحاب التّحصيل العلمي العالي– يأبون إلاّ تصديق العجيب والمخالف للمنطق السليم والركون إلى التّفاهات والسّفاسف المعشّشة في الأذهان منذ القرون الخالية.

ختاما يمكن القول أنّ الكنوز، بما هي أموال ذهبية دفنها القدامى تحت الأرض وحصّنوها بطلاسم، لا وجود لها مطلقا. وفي مقابل ذلك، وباستثناء ما يُعثر عليه من قطع نقدية برونزية، تعود خاصة إلى الفترتين الرومانية والبيزنطية، تكون متناثرة على أديم المواقع الأثرية، نادرا ما تقود الصّدف إلى العثور على مسكوكات ذهبية وفضية – تعود في مجملها إلى الفترات القديمة أو الفترتين الوسيطة والحديثة- عفويا ودون سابق تخطيط، سواء في إطار حفريات أثرية منظمة أو بمناسبة بعض الأشغال الأخرى. فمنذ الفترة الاستعمارية لم يُعثر في بلادنا إلاّ على بضع عشرات من الكنوز، وما هو في حوزتنا إمّا معروض في المتاحف أو محفوظ في مخازن المعهد الوطني للتراث. والمؤسف في هذا موضوع هو الهزال الشديد للمنظومة القانونية الخاصة بالتراث لدينا، بما يجعلها غير قادرة على التعاطي مع مشاكله وحمايته، حتى في الحدود الدنيا. إضافة إلى غياب أي استراتيجية توعوية وتثقيفية من أجل رفع الجهل والتّحسيس بخطورة ما يقترفه الباحثون عن الكنوز، لما في ذلك من تخريب لمواقعنا الأثرية، وما يعنيه من تدمير للحقائق التاريخية وإهدار لرصيد حضاري يمكن الاستفادة منه بوجوه كثيرة، وكذلك لما فيه من إهدار لجهد ومال المغفّلين الذي يمنّون أنفسهم بثروات لا وجود لها.