بقم كريم السليتي،

إن النواة الصلبة لهوية التونسيين هي العربية و الاسلام ثم يأتي بعدها غلاف الثقافة الفرنسية ثم غلاف ما يسمى بالبورقيبية، لكن في الحقيقة فأن ما يحرك مشاعر عموم التونسيين من غير المتطرفين يبقى كل ما هو عربي و اسلامي.

وهو ما يفسر تعاطف التونسيين مع القضية الفلسطينية و مع العراق في حربه الاولى و الثانية ضد التحالف، وعندما لعبت ايران ضد الولايات المتحدة شجع التونسيون المنتخب الايراني بالرغم من الاختلاف المذهبي. بينما نجد أن التعاطف مع المستعمر أقل بكثير لانه ليس نواة الهوية، وكذلك الشأن بالنسبة للمدرسة البورقيبية التي أرادت أن يكون لها طابعا خاصا يؤثر في صميم الهوية لكنه بقي أيضا ضعيفا لأنه يبقى غلافا للهوية و ليس نواتها الحقيقية.

ولذلك فأن التونسيين عموما توحدهم هوية واحدة تجعل لهم رأيا عاما موحدا من مجمل القضايا و الصراعات و الحروب في العالم، الا من شذ عن ذلك وهو في هذه الحالة يوصف بالمتطرف أو الشاذ. فأن تكون تونسيا و تتعاطف مع اسرائيل في عدوانها على لبنان سنة 2006 أو على غزة في 2009 فهذا يعتبر موقفا متطرفا ويلقى عموما استهجانا كبيرا في المجتمع التونسي بصفة عامة.

كذلك الشأن بالنسبة لبعض الممارسات المخالفة للدين الاسلامي كسب الجلالة و الافطارعلنا في رمضان و شرب الخمر و التبول على قارعة الطرقات… وهي من الممارسات التي يرفضها المجتمع عموما و ينظر الى مرتكبها على أنه مخطئ في تصرفه هذا ان لم يصل الامر الى حد الازدراء.

في المقابل نجد أن المجتمع بصفة عامة ـ و لا أتحدث هنا عن الشواذ ـ ينظر بايجابية للطفل الذي يؤدي فروضه الدينية أو يحفظ القرآن، كما أنه يحترم من أدركته الصلاة في الطريق أو في الحقل فقام ليصلي على قارعة الطريق. وهذا أيضا اثبات على أن جوهر الهوية بالنسبة للتونسيين هو الاسلام.

ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة في تونس ما بعد الثورة: ماذا يُراد من انتقاد الصلاة في الطرقات في منابر الاعلام و السياسة، علما أن الصلاة في منظور المجتمع تعتبر فضيلة و لا ينتقد شرب الخمور و ما يتبعه من تصرفات لا أخلاقية على قارعة الطرقات و الانهج و الازقة في الاحياء الراقية كما الفقيرة؟ ماذا يُراد من انتقاد تخصيص الموظف لعشر دقائق للصلاة و لا ينتقد تخصيص الموظف لساعات في المقاهي أو على الفايسبوك وغيره من مواقع الترفيه أثناء أوقات العمل؟ ماذا يُراد من انتقاد كثرة الملتحين و المتحجبات و لا ينتقد تكاثر المثليين في تونس و عبدة الشيطان و الماسونيين و غيرهم من الجماعات الشاذة؟ ماذا يُراد من الدفاع عن فتح المواقع الاباحية في الوقت الذي ينتقد فيه فتح الكتاتيب و المساجد لتحفيظ القرآن.

قد يرى البعض أنها مجرد حملة اسلاموفوبيا للتخويف من بعض الاحزاب السياسية، لكن الامر تجاوز الاحزاب السياسية ليمس من نواة الهوية للشعب التونسي وهو ما يمثل ظاهرة غريبة،. اذ عادة ما يتم استهداف الهوية من المستعمر و على مدى عشرات أو حتى مئات السنين لتغيير جزء بسيط من الهوية، أما أن يتم استهداف الهوية من طرف أفراد من نفس الشعب و في مدة زمنية قصيرة “عدة أشهر” فالنتيجة ستكون حتما عكسية تماما بحيث يلتف المجتمع أكثر على مكونات هويته و يتمسك بها أكثر، و ليس أدل على ذلك من تسجيل بعض الاولياء من غير المتدينين لأبنائهم في مدارس قرآنية خوفا على هويتهم.

المواطن تونسي يعي جيدا ما يسمع و يفرق بين الغض و السمين: لمّا تسأله: عندما ترى رجلا أو امرأة أو مجموعة من الرجال أو النساء تصلي على حافة الطريق هل يشكل ذلك خطرا عليك أو هل تحس بالخوف؟ الاجابة ستكون حتما لا، لكن في المقابل اذا سألته عندما ترى شخصا أو مجموعة من الاشخاص يشربون الخمر أو يستهلكون المخدرات على قارعة الطريق هل يشكل ذلك خطرا عليك و هل تحس بالخوف؟ الاجابة ستكون نعم. لكن هذا المواطن عندما يشاهد رجال السياسة و الاعلام ينتقدون صباحا مساء و كل يوم الذي يصلي على الطريق خوفا من فوات وقت الصلاة أو أو لعدم اتساع المساجد أو لعدم وجودها أصلا في بعض الاماكن، فانه يعلم أنهم بصدد عملية غسيل دماع لن تجدي في الاخير نفعا، لانها تتصل بجوهر الهوية و ليس بقشورها.

قد يسأل التونسي من هؤلاء الذين يُسخّرون أموالهم و وسائل اعلامهم وأوقاتهم لضرب نواة هوية الشعب التونسي و لأي هدف، الاجابة هي: كان من الطبيعي بعد ثلاثة أرباع قرن من الاستعمار ونصف قرن من التصحر الفكري و الثقافي و الفني في تونس ما بعد الاستقلال، أن نرى جيلا كاملا من “المثقفين” المنبتين تماما عن أصولهم و هويتهم يصولون و يجولون في ساحات الاعلام و السياسة في تونس، دون مراعاة للانتماء القومي أو الديني لشعب بأكمله.

بل أن صفة “مثقف” أو “شخصية وطنية” صارت لا تسند الا لمن يكيل علنا لمكونات هويته الاهانة و النقد اللاذع و لي في ذلك أمثلة طريفة. اذا أردت أن تفوز بلقب مثقف فعليك أولا أن تعتقد جازما في أن الشمس تشرق من الغرب و كل ما يأتي من الغرب فهو الصواب و ماعاداه فهو مجرد ترهات، تنكر للقيم الاجتماعية في مجتمعك، لا تتكلم لغتك الاصلية، تبرأ من دينك و حتى من عرقك ان لزم الامر.

لكنك لن تنجح في ذلك اذا لم تكن لك عقدة نقص كبيرة و انهزام حضاري مفجع، لأنه و انطلاقا من عقدة النقص ستحاول أن تظهر لمجتمعك أنك أفضل من جميع أفراده لتغطي ذلك النقص و ليس هناك أيسر من فعل ما لا يستطيع البقية فعله كأن تقول بأن دينك هو الحرية أو الديمقراطية أو تجاهر بمعاداة المقدسات و تنتقدهاعلنا.

و لتؤكد انهزامك الحضاري يجب عليك أن لا ترى الا ما يراه الاسياد الفرنسيين، ان قالوا أن تغطية الشعر تخلف وهم يغطون شعورهم في الشتاء فنقول مثلهم، ان انتقدوا صلاة الجمعة على طرقاتهم لقلة المساجد فإنتقد الصلاة في الطرقات.

و لاثبات أنّ التقليد اعمى ولا علاقة له بالتحضر و المساواة نذكر مثال أخذ المرأة لقب زوجها، وهو ما يعني أنها شيء تابع اليه و ليس مساو له، و كأن ذلك تشريف لها. و بالرغم من ذلك لم نجد النساء الديماغوجيات يدافعن عن حق المرأة في الحفاظ على لقبها بعد الزواج و عدم ربطه بلقب زوجها. نحن نفعل ذلك فقط لان الغرب يفعله ودون التساؤل لماذا و هل هذا يخدم قضية المرأة؟ لكن في حضارتنا العربية الاسلامية لا تأخذ المرأة لقب زوجها بعد الزواج لانّها كائنة بذاتها قبل و بعد الزواج.

هذه الفئة من التونسيين أخطر حتى من المستشرقين، لانهم لم يطلعوا على كنوز الحضارة العربية و الاسلامية، و بل ان معرفتهم اقتصرت على تاريخ فرنسا منذ الثورة و الى اليوم ودون الانفتاح على باقي حضارات العالم. هناك تعصب شديد للمذهب الفرنسي من العلمانية التي ترفض الدين جملة و تفصيلا وبل و تحاول اقصاءه من الحياة العامة و الخاصة وهو ما يذكرنا بحقبة الشيوعية في الاتحاد السوفياتي. وحتى بابا الفاتيكان انتقد مؤخرا هذه النزعة المتطرفة الجديدة لرفض كل ما له اتصال بماهو ديني و أخلاقي و قيمي بدعوة التحرر و حرية الفرد في حين ترفض هذه الحرية الشخصية اذا ما تعلقت الامر بممارسة شعائره الدينية.

و يمكن تفسير سبب حقد الفئة المتعصبة ضد الهوية الوطنية بعقد نفسية أو حتى مرضية أصابتهم في الصغر من “المؤدب” أو من غياب ملكة الحفظ لديهم، لكن هذا لا يعد مبررا كافيا لمهجامتة الهوية و رفضها كليا. و الانسان المتوازن يتمكن بسهولة من السيطرة على نفسه و عدم اذاء الآخرين و صدمهم بأفكار متناقضة تماما مع قيم المجتمع الذين يعيشون فيه.

قد يرى البعض أنه لا يصح اتهام العلمانية ـ في نسختها الفرنسية ـ بالتطرف و التعصب في رفض كل ماهو ديني، لكني أؤكد وجود بعض المتطرفين من التونسيين الذين يتبنون العلمانية كواجهة لهم ليخفوا رفضهم للدين في جميع شؤون الانسان الخاصة و العامة. طبعا من حقهم أن يتبنوا أي فكر حتى و ان كان متطرفا و متعصبا لكن المصيبة أن يحاولوا عبر قنوات الاعلام و السياسة أن ينشروا هذا الفكر المليء بعدم التسامح و الحقد على مظاهر التدين و يجعلوا منه عنوان التحضر و الحداثة و الحرية الشكلية، وهم في الحقيقة بصدد نشر الفتنة بين التونسيين.

لا يمكن اذا ضمن أي منظومة أخلاقية تبرير الدعوة الى فتح المواقع الاباحية و في نفس الوقت انتقاد الصلاة و مظاهر التدين التي تتعلق بالحريات الشخصية للافراد حتى و ان كانوا أقليات. انها ببساطة الدعوة الى الرذيلة و الرفض للفضيلة وهو من سلوكات قوم لوط عندما قالوا: أخرجوهم من قريتكم انهم أناس يتطهرون.

خلاصة المسألة أنّ التونسي المتأصل ليس بحاجة لان يقول ديني الحرية أو ديني الديمقراطية ليحترمه الآخرون، بل ان الاعتزاز بهويتك هو أكبر دافع للآخرين لاحترامك، كما أن التونسي الاصيل ليس بحاجة لينتقد الصلاة و الحجاب و اللحية ليثبت أنه متفتح أو حداثي لأن ذلك دليل نقص و خجل من الاصل، بل ان التفتح و الحداثة يصبحان تقليدا أعمى و انسلاخا عن الاصل اذا فُقدت الهوية الاصلية التي قد تكون أرقى و أكثر حضارية مما يُعتقد أنه حداثي.

و في كل الاحوال فلا يمكن بناء مجتمع متطور و حداثي ماديا دون وجود هوية قوية و متأصلة تقوي تماسك عرى المجتمع و تجمعه حول مجموعة من القيم المستمدة أساسا من الدين و الاخلاق الفاضلة. ولا خوف على مجتمع تسوده الاخلاق الفاضلة، بل الخوف كل الخوف من مجتمع متفكك اجتماعيا ساقط أخلاقيا تسوده الجريمة لغياب المحرمات بدعوى الحرية. و حتى في ما يتعلق بجوانب التصرف الحديث في المؤسسات الخاصة صار الجانب الأخلاقي يؤخذ بعين الاعتبار عند الانتداب لضمان جو اجتماعي نظيف و لخلق هوية مشتركة داخل المؤسسة تساعد على الشعور بالاريحية داخل العمل.

كريم السليتي: خبير بمكتب استشارات دولي