Caricature par Needall Garryani (ERevolution)


بقلم محمّد فراس العرفاوي،

عودة الحضر على النت. حاشانا من جدلية النقاش في شرعية الخطوة نفسها فقد سال ما يكفي من الحبر و زيادة عن ذلك في الموضوع. نقاش و جدل مزمن إتّسم بالحدّة ففضح عفريتا كان متوارا و أخرج ماردا جبّارا من قمقمه. عفريت الإستقطاب الديماغوجي فخلق له مصطلحاته و تعاريفه الخاصة و ربّما هوأيضا في صدد إنشاء أدبيّاته المميزة كذلك. أصطلح على تسمية الفريقين ”العلمانيّين” من جهة و ”الإسلاميين” من الأخرى.

فلقد قرأت مقالا بعنوان ”هل يصح الحديث عن علمانية متطرفة في تونس ما بعد الثورة؟” و رغم وجود منطق سليم في بعظ أجزاءه إلا أنّه أخطأ عين الصوّاب و مرق عنه كما يمرق السّهم عن القوس حين قال:

لا يمكن اذا ضمن أي منظومة أخلاقية تبرير الدعوة الى فتح المواقع الاباحية و في نفس الوقت انتقاد الصلاة و مظاهر التدين التي تتعلق بالحريات الشخصية للافراد حتى و ان كانوا أقليات. انها ببساطة الدعوة الى الرذيلة و الرفض للفضيلة وهو من سلوكات قوم لوط عندما قالوا: أخرجوهم من قريتكم انهم أناس يتطهرون.

فخّ التصنيفات الدّيماغوجية المستفزّة للمشاعر. وأعترف (ولكوني مدافعا عن حريّة تبادل المعلومات) أني غضبت لتصنيفيَ و جمع غفير ممن رأوا رأيي في خانة كبيرة إتّسعت حتى شملت قوم لوط. و تملكني إغراء شديد بان أطلق عنان هجائي ما أسهل الهجاء ولكن منعني عنه كوني ساقطا في نفس الفخّ لامحالة إن فعلت.

هذه الحادثة (وعرفنا حوادث غيرها) تبرز إضطرار الخائض في غمار الشّأن العام التونسيّ إلى إختيار فريقه لا يسعه غير دعمه وموافقته منقادا إلى ما تقوده إليه أمواج الهجاء و الفخر لا يكاد الحزبان يعرفان غرضا غيرهما. فيصير المدافع عن حرية تناقل المعلومة من قوم لوط و يصير المدافع عن حريّة التعبّد داعية لإمارة إسلامية. وتتمترس كل طائفة بتكذيب خطوات الأخرى و تنتفي الثّقة. هنا وبعد بلوغ ”الفتنة” مبلغها يرتمي في أحضانها ”مفكّروا” عهد الإستبداد و سياسيّوه كلّما أعوزتهم الحجّة فوجدوها طوق نجاة يمنع عنهم الغرق في بحور التفاهة و التباس الرّؤية و غياب البرامج. فإذا بنا مصبحون على نقاش في الفصل الأول، ممسون على جدال عقيم في ”شرعية إسرائيل”. لا يريد المتناقشون سوى خديعة بعضهم البعض و تسجيل المواقف. فذاك ”حداثيّ” مطبوع وذاك ”رجعيّ” مجبول.

وينسى المتبارزون ويلتهون بمبارزاتهم عن الحقيقة. حقيقة أن التونسيين لا يبالون إن صلى حتى المجوسي في المدرسة. حقيقة أن التونسيين لا يدافعون عن الإباحية بل عن الحرية: ففي إحصاء لموقع نواة، 52 بالمائة مع توعية الأولياء في طرق الحماية و ضدّ الحجب البغيض. أفلا تتعقّلون.

”عيب يا ولدي” لكل من تسوّغ له نفسه الرّكوب على موجة الدّمغجة المستفحلة. و وجب على زملائي المتفكّرين أن لا ينقادوا إلى دعم أفكار معينة لغير سبب سوى لكون صاحبها ذا أفكار اخرى تروقه. فلو بدأ مقال ببيان بهتان الرّقابة ثمّ انتهى إلى توضيح محاسن الإباحية فلا غرو في موافقته حينا و خلافه الحين الآخر. فإن الإستمرار في ما نحن فيه ليؤولنّ بنا إلى أن يرالواحد منّا الباطل عين الباطل فلا يخالفه مخافة الخروج عن ملّته ويرى الحسن عين الحسن فيقبّحه حتّى ينال رضا رفاقه في دربه ”الفكري”.

إن النتائج الحتمية لهذه الثنائية (يات) لا يعدو غير التّصحر الثقافيّ و من بعده السياسي. ففيه لا تتفق و تلتزم كل الطرائق بتقديس ”الدّيمقراطية” و التمترس وراء ”مضاهرها” ولا يكون لأحد السكينة الكافية للتفكير و الإبداع فالحال حال ”حرب فكرية” و ليست بإنتاج فكري. فتحرم بذلك تونس و العالم من تجربة إنسانية جديدة حانت فرصتها بعد الإنحدارالعالمي للطرق التقليدية في تسيير شؤون الدول. فشلت الشيوعية و الديمقراطية و معها نموذج ثنائية اليسار و اليمين. افلا نستطيع بعد حراكنا من تحت أوزاردولة إستبدادية قيامها النّصف قرن الأخيرة و أعقبت عصورا من التخلف و الإستعمار أن نخرج عنها و أن نتجاوزها.

فلنصنع قاموسا فكريا و سياسيا جديدا،مالنا و”حقوق الإنسان” و ”الإنتخابات” و ”البرلمان” كلمات و عبارات غريبة إبتدعها غيرنا و تقادمت ولازلنا نتبعها كما لو كانت أمرا منزلا منزّها فوجب علينا إذا الإتيان بغيرها وطيّ صفحتها. دعوة مفتوحة إلى كل من بلغه كلامي هذا أشجّعه و اطلب منه إطلاق عنان إبداعه لتجاوز هذا الإستقطاب العقيم. أعلم قطعا أن من يدعون أنهم ”العلمانيين” و ”الإسلاميين” لن يعجبهم كلامي ،فأين بهم أن ”يعسّلوا و يقيّلوا” لو أخذنا منه وسادتيهما الوثيرتين.

روافد و مصادر:

رابط الإحصاء الخاص بنواة

كريم السليتي،”هل يصح الحديث عن علمانية متطرفة في تونس ما بعد الثورة”

مقال آخر تعرّضت فيه للحجب و غيره