بقلم محمّد فراس العرفاوي،
بعد جولات من المفاوضات مع سلطة الإشراف، قرّر الإتّحاد العام التّونسي للشّغل، و من خلال إجتماع هيأته الإداريّة لقطاع التّعليم الأساسي، المضيّ قدما في إضراب يدوم يومي 30 و 31 ماي 2012.

و بغضّ النّظر عن مشروعيّة المطالب من عدمها و كيفيّة تعامل الوزارة معها، يكتسي هذا التّحرّك رمزيّة خاصّة حيث يشمل شريحة المربّين. و إضافة للرّمزيّة المعنويّة التّي تكتسيها هذه المهنة في الفلكلور الجماعيّ فشريحة المعلّمين تعتبر نبراسا لبقيّة القطاعات كون عدد هام من المواطنين على إحتكاك مباشر بهم، سواءا التلاميذ و الأولياء. إذا فتناول الإضراب يجب كذلك أن يعيّر و يقاس حسب مدى إستجابته للإرادة الشّعبيّة و الثّوريّة القائمة.

ملاحظة بسيطة للخيارات الشّعبيّة و المعادلة السّياسيّة تبرز إختيار مسار التّأسيس منذ رفض ” إعتصامي القصبة” الأوّل و الثّاني لحكومة الغنّوسي. و خير تجلّ لذلك هو المجلس التّأسيسي و مقاربة إدارة الأعمال بشرعيّة إنتخابات 23 أكتوبر وكتابة أمّ القوانين و أهمّها، وثيقة الدّستور خلال الفترة التّأسيسيّة.

و المفترض أن تكون النّخب المثقّفة ،و القطاعات التّربويّة قائدة لهذا المسار و معينا للجماهير. و للأسف فهذا الإضراب ليس مثالا على إلتزام الهياكل الممثّلة للمعلّمين و الكوادر النقابيّة بالمسار الثّوري التّأسيسي.

فالمطالب السّبعة للنّقابة لا ترقى لمستوى التّأسيس و التّغيير قطعا مع النّموذج التّربويّ للدّكتاتوريّة التّي قطع رأسها و بقيت أدبيّاتها تدرّس لتلاميذ ما بعد الثّورة. و على خلاف المطلب الأوّل و المتعلّق بتقنين وضع المدرسة الإبتدائيّة و الإعتراف بها على غرار الثّانويّات و غيرها إلّا أنّ بقيّة المطالب تتعلّق جلّها بمنح و منافع. و توحي المطالب برغبة كاتبيها في إبتزاز الشّعب و محاولة إستهلاك الثّورة آنيّا. فسلطة الإشراف قدّمت تنازلات كانت محلّ نضالات دامت أعواما خلال العهد البائد. لكّن الهياكل النّقابيّة التّي أنتخبت في مناخ من القمع و الملاحقة السّياسيّة و الفساد في النّقل و المعاملات البيروقراطيّة لا تزال ترتهن مصير آلاف من المربّين يكابدون من أجل ضمان الحدّ الأدنى المعرفي و التّربوي لأبناء هذا الشّعب في أقصى أقاصي الوطن.

إنّ المعلّمين مناط بهم أهمّ المهام و أنبلها. و تعرّضوا خلال هجمة النّظام الدّستوري إلى الإحتقار و الحيف في إطار الحرب الشّاملة على كلّ ما هو جميل و نبيل. كلّ تونسيّ يتذكّر معلّما غيّر نظرته للحياة و كان قدوة له في التّفاني و الإخلاص. لذلك نطلب من المعلّمين أن يطهّروا الهياكل النّقابيّة الممثّلة لهم و الوزارة و الإدارات الجهوية من بقايا الفساد والإستبداد و أن يضغطوا حتّى تبدأ مشاوات “الحلّ النهائيّ” ليولد من رحمها نظام دراسيّ نافع للنّشأ مكوّن للإنسان المواطن الجديد. يجب في هذا الإطار أن يناضل المربّون و غيرهم من العمّال بالفكر و السّاعد من أجل دفع الهياكل النّقابيّة المهترأة و المسيّسة إلى حدّ النّخاع إلى الإنكفاء لتأخذ حجمها الحقيقي و تفسح المجال أمام تمثيل حقيقيّ للمعلّمين و العمّال عبر مؤتمرات شفّافة في إطار المكتسبات الثّوريّة من حريّة و حياد سلطة الإشراف.

أمّا أهداف الإضراب فهي في باطنها تكريس للثّورة المضادّة و رفض للتّغيير. فكلّ المنح و الإمتيازات المطلوبة سترفع من كلفة أيّ تغيير و تمثّل أرضيّة مجحفة للحوار حول التّأسيس لنظام تربويّ جديد. فالمفاوضات التّي ستجري عاجلا أم آجلا ستكون مقيّدة باتفاقيّات مسبقة مكبّلة. كما تمثّل إنحرافا باهتمام المعلّمين عن الأهداف الحقيقيّة و جرّهم إلى صراعات آنيّة على المدى القصير. أمّا على المستوى الشّعبي فالإضراب في هذا التّوقيت سيبرز المعلّمين في ثوب المبتزّين و الطّامعين في زيادات و منافع ماديّة ممّا يهدّد رصيد الإحترام الشّعبيّ لهذا القطاع. إنّها في الحقيقة دعوة مغرضة تحمل بين طيّاتها فتنة مبطّنة تقحم المعلّمين في خلاف مع الأولياء و من ورائهم أغلب شرائح المجتمع.

أين نحن من إعادة هيكلة التّعليم؟ أيعقل مثلا أن يكون الطّالب و الدّارس بالثّانوّية قد أكمل الدّراسة و يبقى الأطفال في السّنة الأولى و الثّانية في الحرّ و الأرياف يدرسون؟ أيعقل أن ندرس في تونس عاما كاملا زائدا عن السّويد و الدّانمارك و أمريكا؟ كلّ هذه الأمور و أدهى حول طبيعة النّظام الدّراسيّ و هدفه و فلسفته العامّة و التّفصيليّة يجب أن يطالب أصحاب المهنة بمراجعتها كأولويّة قصوى لا تحتمل التّأخير و الإنتظار.

لنقاوم التّمييع و الفساد و البيروقراطيّة في الإتحاد و الإدارة.

لنكن صفّا واحدا من أجل نظام تربويّ ديمقراطي حديث.

“واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا” صدق الله العضيم