“لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.”
“لا يُعرّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.”
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادّة 2 و 5)

بعد مُعاينة تفاصيل ملفّ عبد الرؤوف الخمّاسي فإنّ سؤالا محيّرا يتبادر إلى الذهن : كم من ضحيّة للتعذيب سننتظر في تونس حتّى نطالب الدولة بالإصلاح الفعلي ؟

إلى الآن لم يتمّ إصلاح حقيقي للمنظومة الأمنيّة، فأساليب إنتداب و تكوين الأعوان و الضّباط مثلا هي نفسها لم تتغيّر بعد 14 جانفي و لا تزال مُختلّة.

إلى الآن هنالك تداخل و محاباة بين المنظومة العدلية و نظيرتها بوزارة الدّاخلية .

تُوفّي أوّل أمس السبت 08/09/2012 ربّ العائلة عبد الرؤوف الخمّاسي في مستشفى شارل نيكول إثر تعرّضه للتعذيب بمقرّ الشرطة العدليّة بسيدي حسين في منطقة السيجومي.

تعود الأحداث إلى يوم 28/08/2012 حيث تعرّض المواطن التونسي عبد الرؤوف الخمّاسي إلى التعذيب و الضرب المبرح بمقرّ الشرطة العدليّة بالسيجومي أثناء إستنطاقه من أجل جريمة سرقة ملفّقة حسب محاميه الأستاذ عبد الحقّ التريكي، و كان السيّد الخمّاسي قد اختُطف في نفس اليوم من طرف أعوان الأمن أمام معهد صالح عزيّز الطبّي عندما كان يُرافق زوجته المريضة بالسّرطان للتداوي.

إثر لجوء محامي الضحيّة إلى الإعلام مساء الوفاة و تصريحه على إذاعة راديو موزاييك سارع الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية بنفي خبر الوفاة معترفا بخطورة حالته، و أشار أنّه منذ “وقوع الحادثة” فتحت النيابة العمومية بحثا في الغرض و أنّه فور ذلك قامت الإدارة بتوقيف المسؤول عن “الحادثة” عن العمل و وضعه على ذمّة التحقيق.

إتّصلت إثر ذلك هاتفيّا بالأستاذ عبد الحق التريكي فأفادني بأنّ تصريح السيّد خالد طرّوش الناطق الرسمي باسم وزارة الداخليّة مجانب للحقيقة و يحمل مغالطة فيما يخصّ وفاة عبد الرؤوف الخمّاسي، حيث أشار محامي الضحيّة أنّ منوّبه توفي عشيّة السّبت و أنّ الموت الدماغي موثّق حينها ثمّ نزعت عنه الآلات الطبيّة و حُرّرت شهادة الوفاة بتوقيت 20:05 و أضاف الأستاذ التريكي أنّ إدّعاء السيد طرّوش و نبرة تصريحاته تميل إلى محاولة تقزيم خطورة الإعتداء الذي حصل ضدّ منوّبه، كما أبلغني الأستاذ التريكي أنّ هنالك 4 موقوفين على ذمّة التحقيق في القضيّة.

في المقابل أصدرت وزارة الداخليّة اليوم بيانا “وضّحت” فيه أنّه :

“مساء السبت 8 سبتمبر 2012 توفّي بمستشفى شارل نيكول المواطن عبد الرؤوف الخماسي من مواليد سنة 1972 الذي تم إيقافه يوم 28 أوت الماضي بمقر فرقة الشرطة العدلية بسيدي حسين على خلفية تتبع عدلي في قضية جنائية.
وقد تعرّض الموقوف في ذات اليوم لحالة إغماء شديدة فتم نقله إلى قسم الاستعجالي بمستشفى شارل نيكول حيث تبيّن أنه تعرّض لارتجاج في المخ مما استلزم إبقاءه تحت المراقبة الطبية بقسم الإنعاش بذات المستشفى.
وقد تولت وزارة الداخلية فتح بحث إداري في الإبّان، كما قامت بإعلام النيابة العمومية التي تعهدت بالقضية وتولت فتح بحث تحقيقي منذ يوم 30 أوت 2012. وإثر وفاة المواطن المذكور مساء السبت الماضي أذن السيد قاضي التحقيق بالاحتفاظ بعدد 04 أعوان من الفرقة التي باشرت البحث مع المتوفي على ذمة الأبحاث التي لا تزال متواصلة للكشف عن ملابسات هذه الوفاة”

اللّافت للإنتباه مبدئيّا تضارب الأقوال بين بيان وزارة الداخلية و تصريحات النّاطق الرسمي باسمها من ناحية حصول الوفاة و عدد الأعوان المتّهمين.

لمزيد الإستفسار حول الموضوع زرت اليوم محامي الضحيّة الأستاذ عبد الحقّ التريكي فأفادني أنّ قرار النيابة العمومية توجيه تهمة “قتل نفس بشريّة” لم يصدر إلّا البارحة الأحد 09/09/2012 أي بعد وفاة منوّبه و بعد إعطاء المحامي للقضيّة بُعدا إعلاميّا، و في ما يلي نصّ قرار النيابة العموميّة :

“الأحد 09/09/2012 تطلب النيابة العمومية من قاضي التّحقيق توجيه تهمة قتل نفس بشرية عمدا مع سابقيّة القصد و المشاركة في ذلك طبق الفصول 201 و 202 و 32 من المجلّة الجزائيّة على المتّهمين :
1) محمّد بن علي خميلة
2) بلال بن عبد المجيد عبّاسي
3) عمر بن حسين العاتي
4) وليد بن رضا اللّموشي
و كلّ من سيكشف عنه البحث و تطلب النيابة العموميّة إصدار البطاقات القضائيّة اللّازمة.

تدّعي وزارة الدّاخليّة في بيانها الصّادر اليوم أنّ هنالك بحثا تحقيقيّا فُتح يوم 30 أوت 2012، و هذا صحيح، لكن ما “تغفل” الوزارة عن ذكره هو موضوع البحث و عنوانه، فقد فُتح “بحث تحقيقيّ حول حالة الإغماء التي تعرّض إليها عبد الرؤوف الخمّاسي عند إستنطاقه بمقرّ الشرطة العدلية بالسيجومي” ممّا يُخالف المعمول به قانونا حيث كان من المُفترض أن تُحدّد النيابة العموميّة التهمة و المشتبه بهم منذ البداية، لا أن تنتظر وفاة الضحيّة و تقييم حجم انتشار الخبر إعلاميّا.

ممّا يزيد الطّين بلّة أنّه حسب الأستاذ عبد الحقّ التريكي فقد تمّ سماع أعوان الشرطة العدلية بالسيجومي في البحث التحقيقي كشهود و كمتضرّرين، في حين أنّه حتّى محتوى أقوالهم يشير أنّهم مُعتدون بالعنف الشّديد.

الأخطر من هذا هو محتوى برقيّة أرسلها رئيس فرقة الشرطة العدليّة بسيدي حسين، محافظ شرطة أوّل حُسين التواتي يوم 28/08/2012 إلى كلّ من المدير العامّ للأمن العمومي، الوكيل أوّل لدى محكمة الإستئناف بتونس، وكيل الجمهورية لدى المحكمة الإبتدائية بتونس 02، مدير إقليم الأمن الوطني بتونس، مدير إدارة الشرطة العدلية، رئيس منطقة الأمن الوطني بسيدي حسين و رئيس قاعة العمليّات بالإقليم :

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم يُتّهم رئيس الفرقة حاليّا بالتستّر على القتلة ؟ و لكن قبل ذلك لماذا لم يُحرّك أيّ من المسؤولين الذين تلقّوا البرقية ساكنا للتثبّت من رواية رئيس الفرقة الغير منطقيّة ؟ لماذا لم يتحرّك أيّ منهم لمعاينة الضحيّة فور وقوع الإعتداء ؟

واضح إذا موضوعيّا محاولة تستّر رئيس الفرقة و كلّ متلقّي البرقيّة عدد 622 بتاريخ 28/08/2012 على قتلة عبد الرؤوف الخمّاسي.

لا أجد وصفا للسلبيّة التي حصلت تجاه الواقعة من طرف رئيس الفرقة و كلّ من تلقّى البرقيّة غير : محاولة تستّر المنظومة الأمنيّة و العدليّة على مقتل مواطن على أيدي قوّات الأمن و تواطئهما في محاولة تمكين القتلة من الإفلات من العقاب.

إضافة إلى ذلك نضع بين أيدي القُرّاء نصّ التقرير الأوّلي للطبيب الشرعي، حيث أقرّ الدكتور بن مراد الطبيب المباشر بقسم الإنعاش المركّز بمستشفى شارل نيكول أنّ:

“النّزيف الحادّ الذي أصاب الهالك يُرجّح أن يكون سببه تعرّضه إلى إصابة على مستوى الجمجمة و ذلك بواسطة جسم صلب من قبيل عصا غليظة أو ما شابه ذلك، ممّا يستبعد فرضيّة أن يكون سبب الإصابة سقوطا”

ختاما فقد أفاد الأستاذ عبد الحقّ التريكي محامي الضحيّة منذ قليل أنّ هنالك مواجهات عنيفة بين أهالي مدينة الجريصة بولاية الكاف و قوات الشرطة و إستعمال مفرط للقنابل المسيلة للدموع و للرّصاص المطّاطي في محيط مستوصف المدينة و ذلك عقِب موكب دفن منوّبه عبد الرؤوف الخماسي المقتول بفعل إعتداءات الشرطة على حرمته البدنية بمقر فرقة الشرطة العدلية بسيدي حسين بتونس.