حول قضيّة الفتاة التي قام أعوان أمن بإغتصابها و على ضوء مستجدّات الموضوع حاورنا الدّكتور يسري الدّالي الرئيس السّابق لخلية علم النفس التطبيقي بالإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية الذي أكّد أنّ جريمة إغتصاب الفتاة وصمة عار على جبين المؤسّسة الأمنية.

أشار الخبير الأمني و الأخصّائي النفسي أنّ جرائم الإغتصاب المقترفة من طرف أعوان أمن كانت عادة شائعة منذ فترة حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، و خصوصا إغتصاب النشطاء السياسيين و زوجاتهم، و وصف الدكتور الدّالي ذلك بالإغتصاب المُمنهج و أماط اللّثام عن تفاصيل ما كان يقع في زنزانات أمن الدّولة حيث يروي محاورنا أنّ ضبّاط أمن الدولة كانوا يغتصبون الرجال أمام نسائهم و النساء أمام رجالهنّ.

من جهة أخرى أكّد الدكتور الدّالي أنّ الديكتاتورية أنتجت سلوكيّات مرضيّة لدى أعوان الأمن، منها العقلية الإجرامية و التستّر على بعضهم بعضا، في ظلّ ديناميكية إداريّة مختلّة و متواطئة، كما أكّد أنّ التحرّش الجنسي مرض إجتماعيّ قائم في الشارع و في كلّ الإدارات التونسية و منها وزارة الدّاخليّة و ذكر أمثلة لذلك.

أكّد كذلك الخبير الأمني أنّه رغم تقييم واقعة الإغتصاب بأنّه عمل فرديّ، إلّا أنّ جذورها تعود لإخلالات في المنظومة الأمنيّة تمّ تكريسها طيلة عقود من الديكتاتورية، حيث أنّ عقلية رجل الأمن كانت تجعل من الصبغة الأمنية مرادفا للحصانة و للإفلات من العقاب.

تناول الدكتور الدّالي أيضا بالتّحليل تصريحات النّاطق الرسمي باسم وزارة الدّاخليّة خالد طرّوش و دعاه للإستقالة و تعجّب من إبقاء وزير الدّاخلية له في منصبه رغم تتابع أخطائه التي انعكست سلبيّا على الرأي العامّ و على نفسيّة الفتاة المُغتصبة، حيث اعتبر الأخصّائي النفسي أنّ تصريح خالد طرّوش كان بمثابةإغتصاب آخر للفتاة، و حلّل الحالة النفسية للمجتمع التونسي الذكوريّ و الذي يحمل بطبيعته نظرة دونيّة للمرأة، ممّا جعل جزأ من النساء ينظرن لأنفسهنّ نظرة دونيّة، كما أكّد على غياب السند القانوني و الإداري للتهمة الموجّهة للفتاة.

من ناحية أخرى نلفت إنتباه القُرّاء أنّ رئاسة الجمهورية أصدرت اليوم بيانا ورد في نصّه :

استقبل السيد رئيس الجمهورية اليوم بعد رجوعه من الخارج الفتاة التي تعرضت لعملية الاغتصاب من قبل ثلاثة أعوان أمن مصحوبة بخطيبها وبرفقة السيدة سهام بن سدرين. وقد استمع رئيس الجمهورية لتفاصيل القضية المؤلمة التي شغلت بال الرأي العام مؤخرا. وقد عبر للشابين عن تعاطفه الكامل معهما واعتذار الدولة جرّاء ما تعرّضا له من أذى بالغ الخطورة مسّ كل التونسيين والتونسيات.

كما أبدى رئيس الجمهورية أسفه البالغ وإدانته الشديدة لتصرفات لم تمسّ إلا من شرف مرتكبيها وحيّا أعوان الأمن الأمناء الذين رفضوا التستّر على زملائهم مما يعتبر دليلا على أن الخلل ليس في المؤسسة الأمنية وإنما في عقلية بعض أفرادها الذين لم ينتبهوا إلى أنه قد حصلت ثورة في البلاد من أجل أن يعيش كل أبناء وبنات تونس أحرارا ومكفولي الكرامة.

وبهذه المناسبة تؤكّد رئاسة الجمهورية على أنه وإن كانت مثل هذه الأحداث المشينة تقع في كل بلدان الأرض، فإنه لم يعد هناك في بلادنا من مجال للتسامح لا مع المغتصبين ولا مع من يتسترون عليهم أو من يريدون قلب الحقائق. وستتابع رئاسة الجمهورية هذه القضية عن كثب حتى لا تطغى أية اعتبارات سياسية فوق اعتبار سيادة القانون وردّ الحق لأصحابه وثقة التونسيين في مؤسسات دولتهم.

بعد قراءة البيان عدّة مرّات السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يُحاول رئيس الجمهورية في كلّ مرّة تغطية عين الشّمس بغربال ؟ ألم تُصرّح الفتاة هي و خطيبها على قناة التونسية أنّ المؤسّسة الأمنية حاولت التستّر على الأعوان المُغتصِبين ؟ ألم يُجبروها على التّنازل ؟

إضافة إلى ذلك فإنّه خلال سماع الفتاة المُغتصبة كمتّهمة يوم 2 أكتوبر الماضي أساء معاملتها أعوان الأمن بالمحكمة و وضعوها في نفس المكان مع عائلات المتّهمين ممّا تسبّب لها في ضغط نفسي إضافيّ.

جدير بالذكر أيضا أنّ الدوريّة التي اقترفت جريمة الإغتصاب هي “دوريّة إرشاد”، لكنّ فرق و مكاتب الإرشاد كانت تنشط قبل 14 جانفي 2011 ضدّ الحقوقيين و المعارضين السياسيين، فما هو موجِب بقاء فرق الإرشاد في هيكلية المؤسّسة الأمنيّة لو تمّ فعلا إصلاح المنظومة الأمنيّة ؟