rafik-abdessalem

بقلم محمد حمدان،

فجرت الفة الرياحي قنبلة اعلامية اصبحت تعرف بقضية الشيراتون قايت وتبعتها قضية المليار قايت و استأثرت المعلومات التي نشرتها هذه الاعلامية في مدونتها بطليعة الجدل في الفضاء االعمومي التونسي . وبعيدا عن المهاترات الفايسبوكية والتوظيفات التسويقية لوسائل الاعلام لهذا الحدث لكسب المزيد من الجمهور ولردود الفعل السياسية المتشنجه التي اثارها الموضوع لدى وزير الخارجيه وحزب النهضه الذي ينتمي اليه فان القضية تطرح بكل جدية طبيعة العلاقة بين الاعلام والحياة الخاصة للافراد بصفة عامه وللشخصيات العمومية بصفة خاصة. وتكتسي القضية ابعادا قانونية واخلاقية وسياسية واعلامية مهنية

الابعاد القانونية

من الناحية القانونية اوردت الفة الرياحي معلومات تتعلق بالتصرف المالي في وزارة الشؤون الخارجية وقد كانت المعلومات المتعلقة بالدولة وبالادارة تحظى غالبا بالسرية وبالحصانة في ظل منظومة سياسية كليانية .اما ونحن نعيش مرحلة تحول ديمقراطي فان المرسوم الشهير 41 أقر مبدأ حرية النفاذ للمعلومة الادارية لضمان الشفافية الادارية والتصدي لكل انحرافات السلطة ولذلك لا يمكن في نظري مواجهة الاعلامية المذكورة بناءا على سرية الوثائق الادارية .

أما بالنسبة للمعلومات الواردة بخصوص الحياة الخاصة لوزير الخارجية فانها بالتأكيد تخضع لطائلة القانون ولا يمكن للاعلامي قانونيا اثبات صحة المعلومات المنشورة للتنصل من جريمة الثلب فما قامت به الفة الرياحي جريمة في نظر القانون سواء تعلق الامر بفرد او بشخصية عمومية ولكن وخلافا لما صرح به القاضي مختار اليحياوي والمحامي فتحي العيوني فان المرسوم 115 المتعلق بحرية الصحافة ألغى عقوبة السجن في جريمة الثلب واكتفى بالخطية حماية للصحفي من الضغوط المختلفة واقرارا بان الصحفي يمكن ان يخطئ وهو يمارس وظيفته في البحث عن الخبر

الابعاد السياسية

وبقطع النظر عن اهمية الجدل القانوني فان القضية تكتسي ابعادا سياسية أخطر. وهناك ضمنيا تخوف من ان ننساق في هذا الظرف الانتقالي الصعب الى توظيف الحياة الخاصة لتصبح سلاحا يرفع ضد الخصوم السياسيين وعوض ان يرتقي الحوار السياسي ليهتم بأمهات الامور فان الصحفي يمكن أن يوظف عن دراية او بحسن نية من قبل الاطراف السياسية لينشر الغسيل الوسخ لاطراف سياسية اخرى ويصبح العمل السياسي والاعلامي متسما بالقذارة

وقد تعرضت الفة الرياحي لاتهامات من هذا القبيل فهناك من ابرز انتماءها لحزب المِؤتمر وأدرج القضية في صلب التجاذبات السياسية بين هذا الحزب وحليفه في الترويكا حزب النهضة . وهناك من ذهب الى اكثر من ذلك ليربط الاعلامية بشبكات دولية صهيونية او ماسونية او بقوي خارجية مخابراتية امريكية او فرنسية تبعا لمواقف هذه الدول من حزب النهضة الحاكم.

ولكن التوظيف السياسي للحياة الخاصة اصبح من ادوات التسويق السياسي للشخصيات العامه وظهرت العديد من البرامج الاذاعية والتلفزية التي يقبل عليها السياسيون ويقبلون ضمنها بنشر معلومات عن حياتهم الخاصة لمزيد التقرب للجمهور وقد رأينا وزير الخارجية نفسه في برنامج الصراحة راحة وفي غيره من البرامج يقبل بتقديم معلومات عن حياته الخاصة لذلك يصعب في هذا الحالة للسياسي ان يطالب بحماية حياته الخاصة اذا كانت هناك جوانب من حياته الخاصة لا تخدمه سياسيا , وقد رأينا في الغرب سياسيين يصلون الى حد الانتحار عند نشر معلومات تتعلق بحياتهم الخاصة لذلك فان الاعلام حول الحياة الخاصة للسياسيين يكتسي خطورة اكبر

الابعاد الصحفية المهنية

وبالنسبة للصحفيين فان القضية تطرح من الزاوية المهنية البحته المتعلقة بهذا الصنف الجديد من الاعلاميين المدونين وبهذا الشكل الجديد من الكتابة الصحفية الاستقصائية فهناك من يعتبر الفة الرياحي مجرد مدونة لاتنتمي للاسرة الصحفية ولا يمكن لكتاباتها ان تراعي ضوابط واخلاقيات العمل الاعلامي المهني وهناك من يعرج الى تكوينها الاصلي في العلوم التجارية والى نشاطها في المجال الاشهار وفي مجال الترجمه ليحط من القيمة المهنية لكتاباتها ,لذلك فان المهنه تتعرض اليوم الى مراجعة لهويتها لتحديد من يمكن له ان يحمل صفة الصحفي خصوصا وان عديد المدونين دخلوا بقوة المجال الاعلامي وابرزوا نضاليتهم في الدفاع عن حرية التعبير ومقدرتهم على تفجير قضايا اعلامية هامه وخطيرة

وتبرز القضية شكلا جديدا للكتابة الصحفية لم يكن رائجا في الصحافة التونسية وهو الصحافة الاستقصائية وقد تابعنا الفة الرياحي وهي تتحدث عن الوقت الطويل الذي أمضته في جمع معلومات القضية وعن الشبكة الواسعة من العلاقات التي اعتمدت عليها لاستقاء المعلومات وعن التحريات القانونية التي قامت بها قبل النشر كما لاحظنا المجهود الكبير الذي يتطلبه مثل هذا العمل مما لا يجعله في متناول كل اعلامي وكل مؤسسة اعلامية ولعل تفكير معهد الصحافة في بعث ماجستير خاص بالصحافة الاستقصائية سيساعد على التكوين المختص في هذا المجال

ويطرح الاعلام حول الحياة الخاصة صعوبة في التمييز بين العمل الاعلامي الجاد وما اصبح ينعت اليوم بصحافة المجاري فالنبش الاعلامي في الحياة الخاصة اصبح اليوم اداة ميديامترية هامه لاستقطاب الجمهور التلفزي ولترويج الصحف كما ان هذا الصنف الاعلامي يمكن استغلاله لابراز اسماء صحفية كانت مغمورة وهو يمثل اداة لكسب المزيد من الموارد الاشهارية وهذا ما يطرح على المهنة الاعلامية قضايا اخلاقية خطيرة تستوجب التفكير المتعمق والمواقف الموحدة

محمد حمدان -استاذ بمعهد الصحافة