iskat-enizam

بقلم محمد السعود

تبادلنا الإبتسامات في مقهى صغير حيث تعرفنا على عجل.. قال لي: “أنا كريستيان من ألمانيا”, قلت له: “أنا محمد.. من سوريا” فبادرني بـ “واو” لا إرادية.. قلت له: “هذا جزء من قصتنا, كثير ما يواجه السوريون الذين اضطروا لمغادرة بلدهم إثر الثورة ردات فعل كهذه من أشخاص مختلفين”. كانت جملتي هذه كفيلة بفتح نقاش دام ساعتين بعدها.

كريستيان ناشط في حركة “Occupy” في ألمانيا وهي جزء من حراك عالمي ضد الرأسمالية وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية, شارك في عدة أنشطة هناك ضد ما أسماه “النظام الرأسمالي العالمي” أبرزها كان في فرانكفورت عندما قرروا في شهر ماي 2012 إغلاق وسط المدينة التي تعتبر مركزاً للبنوك في ألمانيا. حينها قام البوليس الألماني بآلاف من عناصره بإغلاق المدينة خوفاً من المتظاهرين ولكنه لم يدرك أنه حقق هدف التظاهرة بنفسه دون أن يكلف الحركة أي عناء وذلك عندما قام هو بإغلاق الشوارع.

شكل الربيع العربي مصدر إلهام لكريستيان إن لم يكن لحركة “occupy” عالمياً ككل على حد تعبيره. ففكرة احتلال مكان عام والبقاء فيه حتى تحقيق مطالب معينة تجلت في معظم الثورات العربية كميدان التحرير في مصر أثناء ثورة 25 يناير وفي تونس في اعتصامي القصبة 1 و 2 وطبقت بشكل مشابه في نيويورك في الولايات المتحدة في 17 سيبتمبر 2011 حين قام آلاف من المتظاهرين بالبقاء في منتزه “زوكوتي” القريب من المنطقة المالية “وول ستريت” لعدة أسابيع وتحولت الاحتجاجات على إثرها إلى حركة عالمية عمت أكثر من 95 مدينة حول العالم في 15 أكتوبر 2011.

سأل كريستيان نفسه عدة مرات: “ما الذي أفعله هنا؟! ما أؤمن به في مكان آخر.. يحدث الآن”. حزم أمتعته ومضى يبحث عن مصدر إلهامه.. ذهب أولاً إلى إيطاليا حبث تتبع أوضاع المهاجرين غير الشرعيين ومن ثم قدم إلى تونس “التي بدأ منها كل شيء” على حد تعبيره. تونس التي سمع عنها وتخيلها كثيراً وها هو الآن يتمشى في شارع الحبيب بو رقيبة المرتبط بثورة 14 جانفي يتحدث إلى ناشط من الثورة السورية عن الربيع العربي. كان يبتسم ابتسامة خفية ويخبرني أنه يحس في هذه اللحظة بالضبط لماذا قطع كل تلك المسافة.

حدثته عن الربيع العربي وتحدياته, حدثته عن قصص البطولة العظيمة والفساد الأحمق في الثورات, عن الدمعة والابتسامة. وحدثني هو بدوره عن التحركات التي تشهدها أوروبا في الفترة الأخيرة.

ما لفت نظرنا في وقت واحد, أنني كنت أصف دور وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصا “فيسبوك” و “يوتيوب” و “تويتر” في الربيع العربي وأنه لولاها لما قامت معظم الثورات وخصوصاً التونسية والسورية والمصرية وكم قدمت هذه المواقع من تسهيلات للناشطين لاستخدامها بشكل أفضل, في الوقت الذي كان هو يصف فيه كيف قامت وسائل التواصل الاجتماعي بحجب وتعطيل التحركات في أوربا وعدم تقديم أي دعم أو تسهيل لها. أخبرني أن “فيسبوك” قام بإلغاء إحدى تلك الصفحات التي كانت تدعو لاعتصام ضد الرأسمالية أمام منطقة البنوك في فرانكفورت 2012.

توقفنا.. نظرنا إلى بعضنا.. وأطرقنا قليلاً..

لماذا تدعم هذه الشركات حراكات الشعوب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتعطله في أوربا؟
بادرني كريستيان بقوله: “ما أعرفه أن الربيع العربي ليس بمؤامرة.. ولكنني أعتقد أن مستوى الأهداف بين الحراكين العربي والأوربي مختلف, ففي الربيع العربي تطالبون بإسقاط أنظمة سياسية قمعية وتطلبون مزيداً من الحريات والعدالة الاجتماعية. في الوقت الذي تهاجم فيه الحراكات الأوربية الرأسمالية و النظام العالمي ككل”.

نعم, نحن لانزال نصارع في قاعدة الهرم. نصارع الأنظمة السياسية الديكتاتورية التي ما هي في الحقيقة إلى إحدى تجليات النظام العالمي الحقيقي. نصارع أعراض المرض لا الفيروس بعينه. وكلما حاربنا الأعراض أكثر, نغوص في القاعدة أكثر ونبتعد عن قمة الهرم. وحربنا مع الأعراض تضعفنا وتضعف أرضنا لذا عليها أن تكون متجددة في جوهرها لتضمن ابتعادنا وانشغالنا عن النظام الحقيقي بخبز يومنا. هذا الخبز الذي لطالما كان أداة استعبادنا كبشر.

لقد تبدلت المسميات الوظيفية فقط وبقي المضمون على حاله.. تحول الاسم من عبد إلى عامل أو موظف بأجرة شهرية لا يستطيع التخلي عنها لأنه محكوم بقرض لمدة عشرين سنة أخذه من بنك ما ليشتري سكناً له ولأسرته.. في الوقت الذي يعتبر المسكن من حقوق الإنسان الأساسية وينص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
تذكرت وقتها زيارتي الأخيرة لمصر, حيث كنا نتمشى أنا وصديقي “أحد مؤسسي حركة 6 أبريل” على كورنيش الإسكندرية وسألني وقتها: “تخيل معايا إيه كان حيحصل لو مافيش حاجة اسمها إخوان في مصر.. وبعد الثورة ابتدينا نبني ونصلح.. احّيييه!”

مصر التي يعيش ما يقارب 69% من سكانها تحت خط الفقر وأكثر من نصف سكانها يعيشون في مناطق عشوائية معظمها غير مخدم بالماء والكهرباء والصرف الصحي كمنطقة الهجانة في القاهرة والتي يقطنها حوالي مليون انسان أكثر من ثلثيهم لا يملكون ماء أو صرف صحي في منازلهم.. تحتوي الهجانة على مدرستين فقط ولا يوجد فيها مركز صحي.

بدأت أستوعب الآن لماذا يتم الآن زرع تنظيمات ارهابية في سوريا كجبهة النصرة وترويجها على أنها جزء من الثورة ضد الظلم. بدأت أستوعب لماذا تم دعم الإخوان بكل الطرق الممكنة في مصر بعد الثورة وأول إنجازات رئيسهم هو الإعلان الدستوري الذي جمع كل السلطات بيده ليضمن صلاحيات أوسع من صلاحيات حسني مبارك ومن ثم مسودة الدستور التي تضمن للعسكر صلاحيات أكبر من التي ضمنها دستور 1956 والذي وضعه العسكر بأنفسهم.
لماذا تداعى اتحاد الدول الخليجية لتنفيذ المبادرة السعودية في اليمن وإيقاف الثورة في البلد الذي تشكل الأمية فيه ما يزيد عن 60%. وتدفع السعودية فيه رواتب أكثر من 45 ألف رجل دين وإمام مسجد. وتم تسليم الخزينة العامة للدولة إلى الحكومة الانتقالية فارغة!

لماذا يتم دعم المد السلفي في تونس والذي أثار القلاقل في بداية موسم سياحة 2012؟ ونمد الأمثلة قليلاً لنرى ما حال بقية الثورات. ثورات شعوب تزامنت مع مصالح عالمية.

في كل ثورة نجد الجدران التي تبنى في وجهها مقدماً والتي تحتاج لسنين طوال حتى نستطيع تجاوزها والانتقال إلى الثورة الحقيقية والتحرر الفعلي. سنين طوال كفيلة بخلق جدران أخرى وديكتاتوريات جديدة تدخلنا في “دولاب الهامستر” من جديد.

فلا البنوك ولا الشركات متعددة الجنسيات ولا أجهزة المخابرات ولا الحكومات ولا مجلس الأمن كـ “أنظمة” تشكل جزءاً من النظام العالمي لها المصلحة في إكمال ثوراتنا. الشعب يريد إسقاط النظام… لطالما هتفنا. ولكن قلة منا فقط فكروا بحقيقة النظام الذي يتوجب علينا إسقاطه.

الثورة عملية مستمرة طويلة الأمد لا تنتهي أبداً بسقوط حاكم أو نظام سياسي. ثورة الإنسان هي للتحرر, للانعتاق من أي قيد قد يحد أفكاره أو قرارته أو أفعاله الحرة المسؤولة التي لاتؤذي محيطه. أنا وكريستيان.. من جغرافيا مختلفة.. بلغات مختلفة.. بجوازات سفر “كاذبة” مختلفة.. أنا وهو إنسانان غير مختلفان اتفقا على أن النظام العالمي سيتحول من أنظمة تحكم الناس إلى أناس يحكمون أنفسهم.