justice-tans-illustration

بقلم بسام بونني،

المشهد الأول … علي لعريض وزيرا للداخلية يقول في حوار تلفزي إنه لا نية لحكومة حمادي الجبالي فتح أرشيف الأمن السياسي وبقية الملفات التي تلقي الضوء على حقيقة الأنظمة السابقة.

المشهد الثاني … لطفي زيتون مستشار الجبالي في حوار تلفزي آخر يعبر عن حرصه الشديد على “مشاعر عائلات المتورطين” ويعرب عن استعداد الحكومة عدم الخوض في ملفات السابق.

المشهد الثالث … لطفي بن جدو وزير الداخلية الحالي يقولها صراحة: إن فتح الأرشيف سيثير فوضى في البلاد.

ثلاثة مشاهد تلخص موقف النخبة الحاكمة من ملف من المفترض أن يكون الأكثر رمزية، منذ الرابع عشر من جانفي 2011. في المقابل، يقبع في السجون تونسيون شاركوا في تحركات الفترة الفاصلة بين 17 ديسمبر 2010 و18 جانفي 2011. بل إنّ بعض المشاركين في تحركات تعود لسنوات خلت كانتفاضة الحوض المنجمي لعام 2008 يصطدم بين الفينة والأخرى بتفعيل “الإجراءات القانونية” ضده أو يكتشف – بمحض الصدفة في معظم الأحيان – أنّ التهم الكيدية التي ألصقت به لم تسقط بعد. هذا إلى جانب كمّ هائل من القضايا التي سُجلت في الأشهر الأخيرة ضدّ كلّ من “سوّلت” له نفسه الدفاع عن حقه في العمل، على سبيل المثال، وآخر هذه القضايا تلك التي وجد فيها خمسة من أبناء المظيلة أنفسهم في قفص الاتهام بعد اعتصامهم بشكل سلمي أمام معتمدية مدينتهم.

ليس غريبا، إذا، أن يخرج علينا زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، ليضع مشروع قانون العدالة الانتقالية محلّ شكّ، في خطوة لطمأنة خصومه السياسيين بل وبعض من أبناء حركته والمقربين – و/أو المتزلفين – لها الذين تحوم حولهم شكوك التورط في قضايا تخابر وفساد مالي وسياسي زمن بن علي.

الغنوشي ذهب إلى حدّ إعلان تخليه عن مشروع قانون تحصين الثورة الذي ولد مشوّها لطابعه المشخصن إضافة للثغرات التي تشوبه، وليس أقلها أنه، من حيث المبدأ، لزوجة الرئيس السابق، ليلى بن علي، الحق في الترشح للانتخابات، حتى بعد إصدار القانون … والمثير للانتباه أن الغنوشي يتخلى عن مشروع حوّلته حركته إلى عمود فقري لثوريتها الزائفة.

لكن، من المغالطة تحميل النهضة لوحدها مسؤولية التلاعب بملف العدالة الانتقالية وتحويله إلى ورقة للضغط. فزعيم حركة نداء تونس، الباجي قائد السبسي، شكّك في وجود قناصة – بصرف النظر عن مختلف الروايات المتعلقة بالجهات التي تقف وراء هذا الملف الأكثر خطورة وغموضا في شتاء 2010-2011 الساخن -، بينما سارعت حكومته، ليلة انتخابات المجلس التأسيسي، إلى إصدار قانون يسقط تهم التعذيب بالتقادم، ضاربة بذلك عرض الحائط كلّ المواثيق والمعاهدات الدولية.

القوى السياسية الأخرى لم تُبد بدورها أيّ التزام بواجب المحاسبة، لا من حيث الخطاب ولا من حيث الممارسة – في المجلس التأسيسي، على سبيل المثال -. بل على العكس تماما، توافقت معظم مكوّنات المشهد، سلطة ومعارضة، على عدم فتح ملفّات الماضي التي لا تُجنّب أيّ طرف مع الاختلاف في مستويات التورّط. كما اشتركت في استقطاب وجوه ثبتت عليها قضايا فساد أو كانت جزء من الأنظمة السابقة بل وتحالفت معها، في كثير من الأحيان.

ملفّ العدالة الانتقالية حين يتحوّل إلى ملفّ سياسي للترهيب والترغيب، تارة، وللمساومة من أجل تخفيف وطأة الأزمات أو كسب ميدان جديد، تارة أخرى، لا يُفرَغ من مضمونه فحسب بل يصيب مرحلة البناء – وإن كانت عسيرة متقلّبة – التي تعيشها بلادنا في مقتل. انتشال هذا الملفّ الذي يلخص قسطا كبيرا من رمزية المرحلة من حسابات السياسة ليس أمرا حيويا للدفع بالمرحلة نحو التبلور بشكل أكثر وضوحا يتماشى مع شعارات “شغل – حرية – كرامة وطنية” بل هو إنقاذ لهذه الشعارات التي فقدت بريقها ! والعكس يعني تكريسا لثقافة “يستوي من أجرم ومن وقع عليه الجُرم” !