tunisie-carte-map

بقلم احمد بن مصطفى،

إن المتأمل في المسيرة الاقتصاديّة والسياسيّة لتونس في تاريخها المعاصر يدرك مدى تأثير الخيارات المتبعة في مجال السياسة الخارجيّة والتنمويّة على المصالح الاستراتيجيّة العليا لتونس وأمنها الوطني السياسي والاقتصادي وذلك لعدّة اعتبارات لعلّ أهمّها الموقع الجغرافي الحساس لتونس ومحدوديّة مواردها الطبيعيّة وتوجّهاتها الاقتصاديّة المتبعة منذ السبعينات القائمة على جلب الاستثمارات الخارجيّة والسياحة المرتبطة بالأسواق الخارجيّة والتعويل المتزايد على الاقتراض من الخارج لتمويل الميزانية.

الحصيلة السلبية لسياسة الانفتاح على منظومة اقتصاد السوق وضرورة تقييمها ومراجعتها

ودون العودة الى الماضي البعيد، يمكن التذكير بالظرفيّة التاريخيّة المحيطة بفرض الحماية على تونس حيث كان التداين الخارجي المفرط مقدمة لإفلاس الدولة التونسيّة وإخضاعها للاستعمار ،وفي المقابل كانت الاستراتيجيّة التنمويّة المتبعة بعد الاستقلال للفترة 1961 ــ 1972 مقدمة لتحقيق خطوات هامّة باتجاه استرداد تونس لمقومات استقلالها الاقتصادي من خلال قانون تأميم الأراضي الفلاحيّة وإحكام سيطرتها على دواليب الاقتصاد وتحقيق مكاسب تنمويّة حقيقيّة في العديد من القطاعات الحيويّة، والتقليل أيضا من التبعيّة الاقتصاديّة إزاء الخارج وفرنسا تحديدا رغم بقاءها على رأس الشركاء الاقتصاديين لتونس.

وكما سبق بيانه في عديد البحوث و الدراسات، كان لتبنى تونس خيار الانفتاح الاقتصادي على الخارج والانخراط في اقتصاد السوق والعولمة الاقتصاديّة ،تأثيرات مباشرة على استقلاليتها الاقتصاديّة والتنمويّة ،وتجسد ذلك في خضوع تونس لأول مرة بعد الاستقلال سنة 1986 لشروط البنك العالمي وصندوق النقد الدولي في إطار ما سمّي ببرنامج الاصلاح الهيكلي علما أن هذا الخيار هو الذي فتح الباب لسياسة التداين الخارجي لتغطيّة العجز المزمن في الميزانيّة وميزان المدفوعات الخارجيّة لاسيما بعد تكريس النظام السابق لخيار ما يسمى بسياسة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بإمضائه على اتفاق 1995 الذي تمّ بموجبه إحداث منطقة للتجارة الحرة تتعلق بالسلع الصناعيّة مع التزامه بتوسيعها الى القطاعات الاقتصاديّة الأخرى ولاسيما منها قطاع الخدمات والقطاع الفلاحي.

ضرورة احداث مرصد السياسة الخارجيّة والاقتصاديّة و المهام الموكولة اليه

واعتبارا لمواصلة الحكومات المتعاقبة على السلطة بعد الثورة لهذه الخيارات، دون اهتدائها لضرورة تقييم نتائجها الاقتصاديّة السلبيّة ،ومدى مساهمتها في زيادة تأزيم الأوضاع وتكريس تبعيّة تونس والمساس بأمنها القومي السياسي و الاقتصادي، فإني أعتقد أن الحاجة تدعو إلى استحداث مرصد وطني للسياسة الخارجيّة والاقتصاديّة يعنى برصد وتقييم العمل الدبلوماسيّ بكافة ابعاده ا السياسية ولامنية و الاقتصاديّة وكذلك السياسات والخيارات المتبعة قبل الثورة وبعدها في ما يتصل بالأمن القومي التونسي و بالتعاون الدولي والشراكة والتحوّلات السياسيّة الاقتصاديّة العالميّة ومدى تأثيرها ايجابا أو سلبا على الامن الوطني و الأوضاع الاقتصاديّة بتونس ،وكذلك محاولة الوقوف على مدى تطابقها مع مقتضيات المصلحة الوطنيّة والحفاظ على أمن تونس واستقرارها السياسي والاقتصادي ،وسيادتها على ثرواتها الوطنيّة وفقا لبنود الدستور.

وسيعنى هذا المرصد أيضا بتقييم مدى تطابق الخيارات والسياسات والالتزامات الدوليّة لتونس مع مضامين الدستور الجديد وما يحدّده للدولة التونسيّة من مسؤوليات اقتصاديّة هامّة ،ومنها اعطاء الأوّليّة للمناطق والطبقات المهمشة والدفاع على سيادة الشعب التونسي على أراضيه ومقدراته وموارده وثرواته الطبيعيّة.

ومن ضمن المهام الأخرى الموكولة لهذا المرصد ــ الذي يفترض أن يتكون من كفاءات وطنيّة مستقلّة ومختصة في الشؤون الدبلوماسيّة والاقتصاديّة و الامنية ــ تشخيص المخاطر السياسيّة والاقتصاديّة و التهديدات الامنية المحدقة بتونس والمضرة بمصالحها جراء الخيارات الكبرى المتبعة قبل الثورة وبعدها ،وإعداد حصيلة موضوعيّة لهذه التوجهات واقتراح السياسات البديلة الكفيلة بتصويبها والتوقي من مضارها وتبعاتها السلبيّة في الحاضر والمستقبل ،لاسيما وقد تبيّن أن الطبقة السياسيّة في تونس الحاكمة أو المعارضة لم تعر في مجمّلها الأهميّة المطلوبة لمثل هذه القضايا الحيويّة وكذلك الشأن بالنسبة لوسائل الاعلام الوطنيّة التي لم تخصص التغطيّة الكافية لهذه المحاور مما جعلها بعيدة عن أنظار الرأي العام والحال أنه يفترض أن تكون ،بحكم أهميتها الحيويّة ،في صلب اهتمامات الحوار الوطني السياسي والاقتصادي وكذلك في صميم الحملة الانتخابية المقبلة خاصة في ظل هذه الأجواء التي تستعد فيها تونس لخوض استحقاقات انتخابية مصيريّة.

المخاطر والتهديدات السياسيّة و الامنية والاقتصاديّة المحدقة بتونس

ولعله من المفيد التذكير في نقاط موجزة بأهم المخاطر أو التهديدات الامنية و السياسيّةوالاقتصاديّة المرتبطة بالسياسة الخارجيّة لتونس أو بالتطورات الاقليميّة والدوليّة أو بالخيارات السياسيّة والاقتصاديّة المتبعة من قبل تونس بعد الثورة ومن بينها : ــ المخاطر والتهديدات الناجمة عن مواقف تونس من ملفي سوريا وليبيا والمقصود بذلك الأضرار التي تطال مصالح تونس السياسية والأمنية والإستراتيجية والاقتصادية وكذلك الانعكاسات السلبيّة لهذه الخيارات على الصعيد الاقليمي والداخلي لاسيما منها تحول ليبيا الى مصدر اساسي لتهديد امن تونس واستقرارها و و الدعم الخارجي للإرهاب بتونس و علاقته بعودة المقاتلين التونسيين من سوريا.

ــ المخاطر الناجمة عن تكريس خيارات النظام السابق في مجال الانفتاح الاقتصادي والتجاري المفرط وغير المدروس من حيث عواقبه الوخيمة على الميزان التجاري وميزان المدفوعات وعلى القطاعات الاقتصادية الحيوية بتونس ، ويمكن أن نستشهد في هذا المجال باتفاقيّة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي المبرمة سنة 1995 التي ترتب عنها فقدان تونس لموارد جبائية وديوانية قدّرت بـ 20 الى 25 مليار دينار وفقا لدراسة حديثة قام بها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجيّة . وهذا فضلا عن اتفاقيّة الشراكة المبرمة بعد الثورة بتاريخ 22 نوفمبر 2012 مع الاتحاد الأوروبي لنيل مرتبة الشريك المميز علما ان الحكومة الحاليّة كرست هذا الخيار بإمضائها على برنامج العمل للفترة 2013 ــ 2017 وهو ما سيفتح المجال أمام تحقيق الاندماج الكلي لتونس في الفضاء الأوروبي من خلال أحداث ” فضاء اقتصادي مشترك ” مرورا بإبرام ” اتفاقية تبادل حر كاملة ومعمقة ” ALECA والمعلوم أن هذا الخيار مثير للجدل من حيث مدى جدواه وتطابقه مع المصلحة الوطنيّة خاصة في ظل الظروف الاقتصاديّة الحاليّة الهشة بتونس التي ستؤدي الى هيمنة الجانب الأوروبي على كامل مفاصل الاقتصاد الوطني غير المؤهل لتحمل المنافسة الأوروبيّة.

ــ المخاطر الناجمة عن سياسة تكريس خيارات النظام السابق في موضوع لتداين الخارجي المفرط والخضوع للشروط المجحفة للاتحاد الأوروبي ولمؤسسات النقد العالميّة والمقصود هنا الاتفاقيات المبرمة مع صندوق النقد الدولي القاضية بحصول تونس على قروض مشروطة مقابل ادخال اصلاحات هيكليّة تقشفيّة ومن بينها بعض التدابير المثيرة للجدل التي تم اتخاذها في ميزانية 2014.

ــ المخاطر الناجمة عن استمرار حكومة التكنوقراط الحالية على نفس هذا المنهج من خلال التوسع في سياسة التداين الخارجي وفقا لتصريحات وزير الماليّة والاقتصاد المؤكدة على ضرورة اقتراض 13 مليار دينار بعنوان 2014 منها 10 مليار دينار كقروض خارجيّة .

ــ المخاطر الناجمة عن الشروط المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي لتقديم القروض المتفق عليها مع تونس بعنوان 2014 ومن بينها الضغوط التي مارسها لحمل تونس على الإمضاء على برنامج العمل المشار إليه الموقع في افريل 2014 والإسراع بتوسيع منطقة التجارة الحرة الى كافة القطاعات الاقتصادية والتجارية والخدمية و فتح المجال لامتلاك الاجانب للاراضي الزراعبة وتكريس خيار الاندماج في العولمة واقتصاد السوق بالنسبة لبلادنا بقطع النظر عن مدى قدرتها لتحمل تبعات هذه الخيارات.

ــ المخاطر الناجمة عن مواصلة سياسات النظام السابق في مجال استغلال وإدارة الثروات الطبيعية وكذلك سياساته في مجال التفويت بصفقات مشبوهة في قطاعات استراتيجية من الاقتصاد الوطني ومنها خاصة قطاع الاسمنت والبنوك والاتصالات والتجارة الداخلية والخارجيّة.

ــ المخاطر الناجمة عن فشل سياسة مقاومة الفساد واستعادة الأموال التونسية المنهوبة المهربة الى الخارج (38,5 مليار دولار) واستفحال الجرائم الاقتصادية ذات الصلة بالاقتصاد الموازي الذي اتسع الى درجة استحواذه على قرابة نصف المعاملات الاقتصادية اضافة الى تنامي مخاطر تهريب السلع والأسلحة وجرائم تبييض الأموال والتهرب الضريبي وتعاطي بعض الأجانب بحجة الاستثمار لأنشطة محرمة خاصة في بعض القطاعات الخدميّة.

ــ المخاطر الناجمة عن الحوافز المفرطة المقدمة الى المستثمرين الأجانب في مشروع مجلة الاستثمارات الجديدة ومن بينها فتح المجال أمامهم لإمكانية اقتناء الأراضي الفلاحية وهو ما يمكن أن يؤدي الى تهديد مقومات السيادة الوطنيّة والأمن القومي السياسي والاقتصادي التونسي لاسيما اذا أدركنا أن هذه الحوافز تلتقي في مضمونها مع اتفاقية الشراكة الجديدة المبرمة مع الاتحاد الأوروبي لنيل ما يسمى مرتبة الشريك المميّز.

ــ المخاطر الناجمة عن التدخل الأجنبي والفرنسي والأوروبي في وضع الاستراتيجيّة التنمويّة المستقبليّة لتونس وهو ما ثبت من خلال ما نشر بخصوص تكليف معهد المتوسط المتفرع عن معهد مرسيليا بإعداد دراسة استراتيجيّة لإعادة بناء تونس للفترة 2015 ــ 2020 مع الإشارة الى أن اللّجنة المكلفة بإدارة هذه الدراسة تضمّ في عضويتها سفير فرنسا ومدير الخزينة الفرنسي الى جانب محافظ البنك المركزي ووزير الماليّة والاقتصاد التونسي.

هذا ومن الأهداف الأساسيّة المعلنة لهذه الدراسة ،مواصلة انفتاح تونس على الاقتصاد السوق والعولمة والاندماج في الفضاء الأوروبي وهو ما يلتقي مع برنامج العمل وخيار توسيع الشراكة المرغوب من قبل الاتحاد الأوروبي كما سبق بيانه.

أهميّة إحداث المرصد الوطني للسياسة الخارجيّة والاقتصاديّة

وعلى ضوء ما تقدم ذكره ،تتبيّن الحاجة الى استحداث هذه الآليّة لتكون ــ بحكم تشكلها من كفاءات وطنيّة مستقلّة بعيدة عن الضغوط والقيود المترتبة عن اعباء الحكم والانتماءات السياسيّة والعقائديّة ــ قوة توعيّة للرأي العام وللطبقة السياسيّة بغرض دفعها لايلاء العناية المطلوبة لهذه القضايا الوطنيّة ذات الأبعاد الاستراتيجيّة والتوصل بشأنها الى وفاق وطني يكون أساس لبلورة الخيارات المستقبليّة للسياسة الخارجيّة و الامنية والاقتصاديّة التونسيّة التي يفترض أن تكون محل اجماع وطني بقطع النظر عن القوى السياسيّة التي ستتولى ادارة شؤون البلاد بعد الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة القادمة.

لقد اظهرت التجربة في الدول الديمقراطيّة العريقة أن التداول على السلطة بين الأحزاب اليمينيّة أو اليساريّة أو الوسطيّة لا يفضي حتما الى تغييرات جوهريّة في السياسات الخارجيّة والاقتصاديّة التي عادة ما تكون قد وضعت في اطر مؤسساتية ديمقراطية وحظيت بتزكيّة القوى والأحزاب السياسيّة الفاعلة في الحكم والمعارضة ولا يمكن بالتالي مراجعتها إلاّ لأسباب تتعلق بالمصالح العليا ووفقا لآليات ديمقراطيّة محددة.

اما في تونس ،فإن خياراتها الاستراتيجيّة الكبرى السياسيّة والاقتصاديّة وضعت من قبل الديكتاتوريّة ولم تكن محل مشاورات أو حوار وطني أو استفتاء شعبي لا قبل الثورة ولا بعدها ،ويعزى هذا الأمر في تقديري الى أن الدبلوماسيّة التونسيّة في ظل النظام السابق وكذلك في ظل المؤسسات الوقتية المتعاقبة بعد الثورة ،كانت فاقدة لأي رؤية شاملة ولأي مشروع استراتيجي مستقبلي قائم على التشخيص الصحيح والدقيق لمصالح تونس العليا وسبل الحفاظ على امنها و مقومات استقلالها والحد من تبعيتها السياسيّة والاقتصاديّة لشركائها السياسيين والاقتصاديين الرئيسيين أي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

كما تعاني الدبلوماسيّة الامنية والسياسة الاقتصاديّة التونسيّة من قصور واضح في تحديد حجم المخاطر والتهديدات والأطماع المحدقة بتونس بفعل التطورات الجيواستراتيجية في المحيط العربي والإقليمي والمتوسطي ومنها خاصة الأوضاع المتفجرة في ليبيا المجاورة وسوريا والعراق ومصر والساحل الافريقي ،هذا الى جانب دور الاسلام السياسي والإرهاب السلفي التكفيري المسلح كعامل جديد ومؤثر على الأمن والاستقرار بتونس وبالمنطقة المغاربية والعربية عموما.

وبالتالي فإن أهم استخلاص يمكن الخروج به من هذا التحليل هو ضرورة القطع مع هذه الأساليب الباليّة في ادارة الشأن العام في القضايا الاستراتيجية الكبرى وبلورة رؤية جديدة ومشروع اصلاحي جديد للدبلوماسيّة التونسيّة ــ يكون محل وفاق وطني ويقع تبنيه من قبل القوى السياسيّة الكبرى ــ ليتحول الى ركيزة ثابتة من ركائز السياسة الخارجيّة والاقتصاديّة المستقبليّة لتونس ما بعد الثورة.

ولعل من أبرز ملامح هذا المشروع أن تتزعم تونس فكرة اقامة علاقات جديدة أكثر توازنا وأكثر تكافئا بين الضفتين الجنوبيّة والشماليّة للمتوسط قوامها استحداث فضاء مشترك للسلم والأمن والاستقرار والتنمية المتبادلة لشعوب المتوسط بما يتلاءم مع الأهداف السامية لمسار برشلونة.

ولا شك في أن المرصد الوطني للسياسة الخارجيّة والاقتصاديّة سيكون لبنة أساسيّة باتجاه التوصل الى بلورة هذه الرؤية المستقبليّة الضروريّة للسياسة التونسيّة في القضايا الاستراتيجية الكبرى التي يفترض أن تكون محل توافق وطني يجعلها بعيدة عن التجاذبات وتقلبات الحياة السياسيّة.