kafon

“ذكر إن نفعت الذكرى” هو القول الذي نهتدي إليه ونستند عليه لإستحضار ذرة من تاريخنا الفني الذي يرمي بظلاله على حاضرنا فنقول الآتي:

أغاني الشيخ إمام التي تمثل منبع الوطنية لوثت إحداها صوفية صادق بتوهمها أنها تغني لهذا العملاق فتولد عن محاولتها شيء مشوه ومنبوذ…الشاعر إمرؤ القيس كسر القاعدة بتمكنه من إيجاد قاسم مشترك بين المكر والمفر والمقبل والمدبر لكن أي محاولة لإيجاد وجه شبه بين الخالد الشيخ إمام وصوفية صادق من المؤكد سيبوء بالفشل.

لكل نظام حاشية تطبل وتزمر وتبيض وتناشد في السر والعلن من أجل تجذره وبسط سيطرته. في حقبة حكم زين العابدين بن علي برزت صوفية صادق كأهم بوق لنظامه البوليسي، حيث برعت في التسويق لأمن وأمان مصطنع ومزيف. حينها جاء رد الأيقونة المبدعة بيرم الكيلاني “بندرمان” على مغالطات التضليل لصوفية صادق بأغنية “أحنا في بندر لاند”. آنذاك كانت أغنية “العباد في تركينة” لمغني الراب فريد المازني تعكس الواقع التونسي لكنها كانت تُسمع خلسة.

ظننا أن زمن التملق والنفاق المتعارف عليه في مجتمعنا التونسي “بالتبندير وهزان القفة” ولى دون رجعة، لكننا شاهدنا في فترة الإنتخابات الرئاسية لسنة 2014 بمرحلتيها إستنساخ صوفية صادق الذي تمخض عنه كافون. لعنة الإنتخابات حلت على الراب التونسي الذي تخيلنا بأنه عصيّ على أي طرف سياسي أن يستميله ويستغله لصالحه بحثا عن صورة تسوق للإعلام تلتقطها عدسات الكاميرات والتي تتضمن تجمهر الشباب حول مرشح تخوله أن يحاججنا إذا قلنا الحقيقة عن مقاطعة الشباب لإنتخابات عربد فيها المسجلون تملق.

لن نستند في هذا الحدث الفني التاريخي إلا لقول “لا حياء في الراب” و من هذا المنطلق يمكن أن نعتبر مغني الراب كافون قد تعرى في الإنتخابات الرئاسية مرتين وصدمنا بعورته الفكرية التي إغتصبت وإستباحت الراب التونسي حين غنى ضمن الحملة الإنتخابية لرجل الأعمال والسياسي سليم الرياحي. إنتظرنا رد من زملاءه على شكل عمل فني “كلاش” لكنه لم يكن وبقينا على نفس الحال.

صوفية صادق المستنسخة قررت في المرحلة الثانية من الإنتخابات الرئاسية أن ترتمي في أحضان حزب نداء تونس كي تساند الباجي قائد السبسي الذي رأى في المستنسخة الجديدة حزام أمان شبابي لحملته الإنتخابية. بقينا ننتظر “كلاش” لأن الرد على كافون المتحول الذي ألحق العار بالراب التونسي وجعله مداس لرجال السياسة أصبح ضروريا. لم يهاجمه أحد من مغني الراب بعمل فني يعبر عن رفضهم لتدنيس الراب التونسي. كنا نصبوا لبلوغهم الإحتراف وبقائهم ممثلين لصوت الشعب، لكننا ننصدم بسقوطهم الواحد تلو الأخر مؤكدين أن إستنساخ صوفية صادق صالح لكل زمان وقابل للتكرار ما دام هناك نظام يوسوس لهم ببريق المال و يمتلك ترسانة إعلامية كان ردها “دع كافون يعمل دع كافون يمر”.

مؤشرات الإنتكاسة الفنية للراب تتلاحق حيث فرحنا وتوسمنا خيرا في أغنية مغني الراب بي بي جي كلاي “لسنا للبيع” لكن سرعان ما سرق فرحتنا الصحفي أمين المطيراوي فأي منطق يجعلنا نستوعب تناقضه، فقد شاهدنا مشاركته في أغنية “لسنا للبيع” ثم إنتهى به الأمر في أحضان حزب نداء تونس والأكيد أن له كامل الحرية في دعم من يشاء من الأطراف السياسية ويقفز فرحا لفوزها، المهم ألا يعتدي ويشوه الراب التونسي. مغني الراب “الجنرال” هو سجين نجاح أغنية “رايس البلاد” بعدها لم يهتدي لنجاحات تحسب له والأكيد أن مساندته لمحمد منصف المرزوقي في حملته الإنتخابية مثلت ربطة عنق خنقت الراب التونسي.

إنتكست ثورة تونسية برجتها الفكرية ووهج أرواح شهداءها الطاهر ولم تقدر على تطهير ما تجذر في مجتمعنا من النفاق ورواسبه. مساندة مغني الراب لأي طرف سياسي يكون أمرا بديهيا عندما يؤمنان ويقدسان علوية تمثيل صوت التونسي المثقل ليومنا هذا بهموم الفقراء والأغنياء والمبدعون… لكن هذه الفسيفساء المكونة لصوت النسيج التونسي لا تكتمل دون تمثيل صوت “من لا صوت لهم”. على سبيل الذكر لا الحصر شهداء ثورة قتلهم شبح وصحفيان مخطوفان في ليبيا “سفيان الشورابي ونذير القطاري” تمثلهما نقابة لا حيلة لها إلا أن تتعايش وتتكيف مع وضع متعفن سائد في البلاد “ويبقى الحال على ما هو عليه”.