maroc-mustapha-Ramid-roi-mohamed

الملك محمد السادس ووزير العدل الإسلامي مصطفى الرميد صاجب مشروع القانون الجنائي الجديد

بقلم علي أنوزلا،

بعد ثلاث سنوات على تنصيبها طرحت الحكومة المغربية التي يقودها حزب إسلامي هو “العدالة والتنمية” مشروع قانون جنائي مثير للجدل بسبب العقوبات الشديدة التي حملها خاصة فيما يتعلق بالحريات السياسية والفردية وتعاليم الدين الإسلامي وأمن الدولة وشخص الملك وولي العهد وأفراد أسرته، وهو ما يؤشر لتراجعات خطيرة تهدد حرية التعبير والاعتقاد، بالإضافة إلى احتفاظه بقوانين قديمة تتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان مثل عقوبة الإعدام المخالفة حتى لمقتضيات الدستور المغربي الذي ينص على الحق في الحياة.

المشروع الجديدة يحدد كل الجرائم المعاقب عليها وفق القانون، والعقوبات الخاصة بكل جريمة. وما أثار الرأي العام المغربي هي تلك العقوبات القاسية ضد ما يعتبره المشروع جرائم تتعلق بالدين والملك والحريات الفردية. وحتى قبل بدء مناقشة المشروع أطلق نشطاء على المواقع الاجتماعية حملة واسعة للاعتراض عليه تحت “هاشتاغ#‏القانون_الجنائي_لن_يمر.

المشروع الجديد يرى فيه البعض تقدما ملحوظا مقارنة مع القانون الحالي، فقد تم تقليص عقوبات الإعدام مثلا من ثلاثين عقوبة في القانون الحالي إلى عشرة عقوبات حملتها المسودة الجديدة. كما تم التنصيص لأول مرة على العقوبات البديلة، التي تنقسم إما إلى العمل لأجل المنفعة العامة، أو الغرامة المالية، أو تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير علاجية أو رقابية أو تأهيلية. ومن الإيجابيات الأخرى التي تضمنتها مسودة القانون الجديد تجريم مجموعة من الأفعال مثل التعذيب والاختفاء القسري والاتجار بالبشر والإثراء غير المشروع والجريمة المنظمة العابرة للحدود والتمييز والتحرش الجنسي.

لكن رغم تسجيله لكل هذا التقدم، إلا أن سلبياته غلبت على إيجابياته. فتحت عنوان “الجنايات والجنح ضد أمن الدولة” حمل المشروع الكثير من العقوبات التي قد تصل إلى الإعدام تتعلق بالملك وولي العهد وأفراد الأسرة الملكية. فالمشروع ينص على أن “الاعتداء”، دون تحديد معنى دقيق لهذه الكلمة، على الملك أو ولي العهد أو أحد أفراد الأسرة الملكية يعاقب عليه بالإعدام. وفي حالة أن هذا “الاعتداء” لم ينتج عنه مساس بحرية المعتدى عليه أو يسبب له إراقة دم أو جرحا ولا مرضا، فإن العقوبة تتراوح ما بين السجن خمسة عشر سنة وعشرين سنة عندما يتعلق الأمر بأفراد الأسرة الملكية، وثلاثين سنة عندما يتعلق الأمر بولي العهد، والمؤبد عندما يتعلق الأمر بالملك.

وخطورة هذه الفصول تتعلق بتوسيع دائرة أفراد الأسرة الملكية، فالمشروع الجديد يعتبر أعضاء الأسرة الملكية “أصول الملك وفروعه وزوجاته وإخوته وأولادهم، ذكورا وإناثا، وأخواته وأعمامه”، والمفروض أن أغلب هؤلاء هم مجرد مواطنين، وبعضهم يمارس أنشطة خاصة تجعلهم في احتكاك مباشر مع المواطنين، وبالتالي فإن تحصينهم بهذه الترسانة من العقوبات المخيفة في مشروع القانون الجديد يجعلهم مواطنين من درجة استثنائية فوق القانون نفسه.

خطوط حمراء

وفي الوقت الذي يعرض فيه مشروع لقانون الصحافة خال من العقوبات الحبسية فيما يتعلق بما يوصف في المغرب بـ “الخطوط الحمراء”، وعلى رأسها الملك، ينص مشروع القانون الجنائي الجديد في المادة 179 على عقوبة بالسجن من سنة إلى خمس سنوات، وغرامة من 5 آلاف (نحو 500 دولار أمريكي) إلى 50 ألف درهم (نحو 5000 دولار أمريكي)، لكل “من ارتكب إهانة موجهة إلى شخص الملك أو شخص ولي العهد”. وفي حال كانت الإهانة موجة إلى أعضاء الأسرة الملكية كما يحددها نفس القانون تكون العقوبة هي الحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من ألفين إلى 10 آلاف درهم. ولا يحدد القانون المقصود بمفهوم الإهانة.

وفي حالة كانت العقوبة المقرر في هذه الجرائم، المرتبطة بالملك وولي عهده وأفراد أسرته الكبيرة، جنحية ينص القانون على أنه “يجوز علاوة على ذلك، أن يحكم بالحرمان من ممارسة حق أو أكثر من الحقوق المدنية طبقا للمادة 1 ـ 39 من هذا القانون، كما يمكن الحكم بالمنع من الإقامة من سنة إلى خمس سنوات”.

وحسب المادة 39 من نفس القانون فإن مدة الحرمان قد تصل على عشر سنوات، ويشمل العزل من جميع الوظائف العمومية والفصل من كل الخدمات والأعمال العمومية، والحرمان بصفة عامة من سائر الحقوق الوطنية والسياسية.

وبخصوص المٌحَرَّم الثاني داخل ثالوث المحرمات المغربية، الملك والإسلام، وقضية الصحراء، حمل مشروع القانون الجديد ترسانة من العقوبات القاسية تجرّم كل الأشكال التي يعتبرها القانون مسيئة للأديان، بما فيها الإفطار العلني في رمضان، إذ يحتوي المشروع على نصوص تعاقب بالحبس والغرامة المادية كل من أساء إلى الله أو الأنبياء أو الرسل، وكل من استعمل وسائل الإغراء لتحويل مسلم عن ديانته إلى ديانة أخرى، وكل من عُرف باعتناقه الإسلام وأفطر علنًا في رمضان.

وفي المادة 219 من نفس المشروع، يعاقب القانون بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية قد تصل 20 ألف درهم مغربي (نحو 2000 دولار أمريكي)، كل من استهزأ أو شتم الذات الإلهية عبر كل الأشكال التعبيرية المعروفة.

وفي المادة 220، يعاقب المشروع بالحبس لمدة تصل إلى سنتين وغرامة مادية تصل إلى 20 ألف درهم مغربي، كل من حوّل مسلمًا عن دينه سواء عبر العنف والتهديد أو عبر الإغراء، ومن ذلك استغلال المؤسسات التعليمية. كما تعاقب المادة 222 بالسجن إلى ستة أشهر والغرامة المالية كلّ مسلم جاهر بالإفطار العلني في رمضان دون عذر شرعي.

حصار المجتمع المدني

وتبقى أخطر مادة في مشروع هذا القانون هي المادة 206 التي تنص على ما يلي: “يعد مرتكبا لجريمة المس بالأمن الداخلي للدولة، ويعاقب بالحبس من سنة إلى عشر سنوات وغرامة من 2.000 إلى 100.000 درهم، من تسلم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من شخص أو جماعة أجنبية، بأي صورة من الصور هبات أو هدايا أو قروضا أو أي فوائد أخرى مخصصة أو مستخدمة كليا أو جزئيا لتسيير أو تمويل نشاط أو دعاية، من شأنها المساس بوحدة المملكة المغربية أو سيادتها أو استقلالها أو زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي.”. فهذه الفقرة تكاد تكون قد صيغت خصيصا لمحاصرة نشاط المجتمع المدني المستقل. فهي تأتي في وقت تشدد فيه السلطة في المغرب مضايقاتها ضد جمعيات المجتمع المدني المستقل، وعلى رأسها “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” التي تعتبر أكثر الجمعيات استقلالية ومصداقية في المغرب، تتعرض حاليا لتدقيق مالي لمزانيتها من طرف الدولة على إثر الاتهامات التي وجهها لها وزير الداخلية بتلقي أموال من الخارج لخدمة أجندة تمس استقرار المغرب.

سياق مخيف

مشروع القانون الجديد يأتي في سياقي داخلي وإقليمي سمته الأساسية هي التراجع على مستوى الحريات والعودة القوية للتحكم والتسلط في المغرب والمنطقة عموما على إثر الانتكاسات التي شهدتها الثورات العربية في أكثر من بلد. وفي ظل هذا السياق المخيف يخشى فعلا أن يمرر هذا المشروع وتتم المصادقة عليه من طرف البرلمان المغربي.

فعلى المستوى الإقليمي أدت الانتكاسات التي عرفتها ثورات الربيع العربي، وتعثرات الانتقال الديمقراطي، إلى تشجيع السلطة في المغرب إلى العودة إلى أسلوبها القديم في التحكم والتسلط، وهذه المرة تريد السلطة أن تقنن قمعها لشرعنته. وما يشجعها أكثر على هذا النكوص عن وعودها بالإصلاحات الديمقراطية وتوسيع مجال الحريات كما سبق أن وعدت بذلك في عز الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب عام 2011، هو وجود مناخ سياسي داخلي ملائم، ناتج عن عودة الهدوء إلى الشارع، وضعف الأحزاب السياسية الموالية والمعارضة للحكومة، وضعف مؤسسة التشريع الممثلة في البرلمان بغرفتيه، والحملة القمعية القوية ضد المجتمع المدني المستقل والقضاء على الصحافة المستقلة. وأهم من ذلك كله هو وجود حزب إسلامي محافظ على رأس الحكومة، تريد السلطة من خلاله تمرير قوانين لم تكن تجرأ على طرحها في السنوات السابقة خاصة فيما يتعلق بالعقوبات المتعلقة بما هو أخلاقي. وبسبب الضعف الذي أبان عنه هذا الحزب في مواجهة الدولة العميقة، وتنازلاته الكبيرة لها، تسعى السلطة الحاكمة في المغرب إلى تشديد قبضة التحكم في مجال الحريات عموما، بما فيها حرية الرأي والصحافة وحرية العقيدة والحريات الفردية. فما لم تستطع السلطة في المغرب أن تحققه طيلة أكثر من نصف قرن من الاستقلال السياسي للمغرب عبر القمع والتخويف تريد أن تشرعنه اليوم عبر قانون سيبقى وصمة عار في جبين وزير العدل والحريات وحكومة الإسلاميين التي طرحته للعموم للنقاش قبل المصادقة عليه. وفي حالة تمت هذه المصادقة، ولا شئ يمنع اليوم من أن تتحقق، يكون المغرب قد أغلق آخر قوس فتحه “الربيع العربي” للعودة مجددا إلى شتاء الاستبداد الطويل.