essebsi-BCE

بقلم عزيز عمامي،

“السبسي في نسمة” نموذجا

تنويه يندرج هذا المقال ضمن سلسلة من المقالات غير المنتظمة عن الخطاب السياسي في تونس المعاصرة، كان أولها هنا حين كان السبسي رئيس وزراء انتقالي.

الاستبلاه، هو اعتماد “حمق الآخر” كمبدئ وثوقي، و كمنطلق أولي. وهو كذلك اطمئنان إلى اقتناع الآخر بخطئه و بعلوية المستبله، و هو ما يشكل أحد أعمدة منطق الحاكمين الحاليين، كما غيرهم ممن سبقتهم لعنة ركوب السلطة بتونس. عقلهم الباطن لم يقبل بعد واقع نشوء “مواطنين” بهاته البلاد، يستحقون درجات دنيا من الإحترام حين التعامل.

لن أتأخر في شكليات ما ورد في الحوار الصحفي للسيد الباجي قائد السبسي بقناة نسمة “الشقيقة”، فالبساط الأحمر هو أقل ما تقتضيه “الپروتوكولات” في زيارات الدول و قادتها لبعضهم، خصوصا بعد “رياح الشمال” الصيفية اللتي هبت بين القائد و النبيل. أما عن البرهان، فلا عجب أن يحاور صحفي البلاط، شبح قصر قرطاج. أما عن الغرض و التوقيت، فقد كان ذاك مفهوما و واضحا : زيارة صلح لدعم مشروع قانون لم ينزلق كما أريد له في صمت، مما جعل من الضروري استعمال أقوى الأسلحة : رابع الحرمين و ثاني الشيخين.

كمعترض على مشروع القانون [عادي، فقد قرأته، و أدعوكم جميعا لذلك]، انتظرت هذا الحوار، كي أستمع إلى الحجج الجديدة “الدامغة”، بعد أن تم إسقاط تلك المعتمدة من قبل. لكن سيادة القائد للأسف، لم يختلف عن عادته في إعادة ما قاله مستشاروه، كما لو كانوا جميعهم شغالين بـ”مركز نداء تليفوني” يعيدون نفس “السكريپت” مرة بعد مرة، في محاولة يائسة لبيع منتوج بائس لعجوز فرنسية في إحدى قرى مرسيليا. نفس الحجج، نفس العبارات، بل و نفس المزحات أيضا، نفس الكذبات، نفس المتناقضات، إلى درجة نزعت البصيص عن المقدم المبتسم دوما، اللذي كان يمني النفس بحوار القرن، فوجد نفسه وحيدا أما نسخة باهتة من عمله القديم.

لم تكن هناك سوى حجة واحدة جديدة، انتبه المقدم لوهنها فحاول تمريرها بعجل لغيرها من المواضيع. ففي سياق حديثه عن المصالحة و “وجوب العفو و السماح”، قال السبسي بأن “الشعب سامح التجمعيين بدليل أنه سمح لوجوه بارزة منه بالترشح للإنتخابات الرئاسية”.

الإشكال الأول أن السبسي سبح إلى القصر على ظهر موجة من الكره اللغوي الموجه لكلمة “شعب”. فأبناؤه هم نفسهم اللذين أمضوا ثلاث سنوات من الصراخ و السخرية السمجة من “جربوعستان” و سكانها، و هو نفسه اللذي اعتمد على حجة “شعبوية كل من استعمل كلمة شعب”. فكيف يتحول نفس اللفظ من دال ذو معان سلبية إلى حجة سياسية؟؟؟

الإشكال الثاني، أن هؤلاء المذكورين لم يسامحهم أحد. لم يكن “الشعب” هو من رشح كائنا من كان، بل سمحت “استمرارية الدولة” لهم بذلك، و تواصل نفس منطق المنظومة الإدارية. و كان ذلك بعد أن أقام “النداء” و حواريه الدنيا و لم يقعدوها كي “لا يقصى أحد” ما لم يحمل بوجهه لحية و على جسده قميصا، و إن “أراد الشعب ذلك، فالشعب الجاهل ليس القانون” على حد التعابير المتكررة أثناء الحديث عن “تحصين الثورة”.

الإشكال الثالث أن هؤلاء المذكورين (و هوم منذر الزنايدي و كمال مرجان و عبد الرحيم الزواري المنسحب) و إن كان مجموع عمرهم يقارب عمر أحد سكان الضاحية الشمالية، فإن مجموع ما أحرزوه من أصوات لا يبلغ 2% في الإنتخابات الفارطة، من ضمن 63 % من المسجلين (بعدم احتساب اللذين قاطعوا العملية برمتها منذ عملية التسجيل)، تاركين صافي السعيد أو سليم الرياحي أمامهم. فإن كانت هاته المصادقة و العفو، فكيف هو إذن الركل في المؤخرة؟؟

آخرا، و ليس أخيرا (فأمام مثل هاته الحجة المتهاوية لا ينضب الحجاج)، فإن هؤلاء ليسوا معنيين بمشروع القانون اللذي تكبد الرئيس عناء السفر للدفاع عنه. فإن فرضنا حقيقة أن الشعب عفا عنهم بدليل مشاركتهم في الإنتخابات، فإن ذلك لم يكن ليكون ممكنا لو كانوا متورطين في إحدى قضايا الفساد المالي، ذاك كان شرطا أوليا. و اجترارهم كدليل كمثل اللذي يطهو الجراد ليثبت لذة لحم الخروف.

شخصيا، أصبت بالإحباط. فقد انتظرت أن يكون مستشارو الرئيس و معمروه، أصحاب الخبرة الأمريكية في السياسة، أذكى من ذلك، على الأقل. و ألا يكون دفاعهم متلخصا في صبيانيات من قبيل “هذا الكرسي لي، و أنا أحكم في حديقتي، أياه” …