much-loved-

لعلّ أكبر ضجّة فنيّة عرفها المغرب منذ أعوام كانت تلك التي تسبّب فيها فيلم “اُلزِّينْ إِلِّي فِيكْ” للمخرج المغربيّ نبيل عيّوش، مع العلم أنّه تمّ عرض مقتطفات فقط لم تتعدّى 4 دقائق كانت كافية لإطلاق حملة شرسة إستهدفت الفيلم، المخرج و الممثّلون ليتقرّر بعدها منع عرض الفيلم في دور السّينما المغربيّة.

عُرِضَ الفيلم خلال“أسبوعيْ المخرجين” في مهرجان كان الفرنسيّ لسنة 2015 وهو ما أثار حفيظة مناصري نظريّة المؤامرة الذين سارعوا للمطالبة بمقاطعة الفيلم و إتّهام المخرج بالعمالة للغرب بهدف الشّهرة و الأضواء. ووصل الأمر إلى المطالبة بتجريد الممثّلة لبنى أبيدار – إحدى بطلات الفيلم – من الجنسيّة المغربيّة. لقد إعتبر هؤلاء أنّ الفيلم كان وسيلة لتشويه المجتمع المغربيّ المتشبّث بالقيم و المبادئ الإسلاميّة (و كأنّ الإسلام لم يُحلّل الجواري و الغلمان !) وقرّروا إصدار حكمهم و حسم الأمر نهائيّا من خلال مشاهدة 4 دقائق فقط بل إتّهام من يشاهده بالزّندقة و الكفر !

مرّة أخرى، يُثبِتُ “العقل العربي المسلم” عدائه التّاريخيّ للفنّ، فمنذ العصور القديمة نذكر إعدام “الحلاّج” مرورا بالتّاريخ المعاصر مع فتوى إهدار دم الكاتب سلمان رشدي وصولا إلى 2012 في تونس و الشّغب و عمليّات التّخريب التي كانت تعبيرا عن رفض عرض فيلم “برسيبوليس” على قناة نسمة. و قد كانت ردّة الفعل مشابهة في المغرب مع فيلم “اُلزِّينْ إِلِّي فِيكْ”!

نبيل عيّوش يكشف المسكوت عنه !

إنّ السّينما هي إنعكاس للواقع وهي الوسيلة التي يمكن من خلالها أن نكشف عن القضايا الحارقة في مختلف المجتمعات. إنّها بمثابة المرآة التي تعكس صورنا دون زيف أو تجميل، فالسّينما تمكّننا من «الخوض في جميع المواضيع و الوصول إلى كلّ شيء» على حدّ تعبيرالمخرج الفرنسيّ جون لوك غودار.

نهى، رندة، سكينة و حليمة، الشّخصيّات الرّئيسيّة في الفيلم، بائعات هوى (أقدم المهن على الإطلاق) في مدينة مرّاكش المغربيّة يصارعن الظّروف و يتصدين للفقر و الحرمان بأجسادهنّ. إنّها الوسيلة الوحيدة لتوفير مستلزمات الحياة. يطرح الفيلم مسألة الدّعارة من خلال تسليط الضّوء على 4 نساء جمعتهن مهنة واحدة و لكن لكلّ منهن قصّة مختلفة : نهى مثلا كانت الدّعارة وسيلتها الوحيدة للخلاص من الفقر فهي التي تُعيل أمّها و أخوها. ما نلاحظه هنا هو أنّ مثل هذه الأفكار متكرّرة و مُسْتَهلَكة في الكثير من الأفلام و حبكة السّيناريو لا يوجد ما يميّزها عن أيّ فيلم آخر يتطرّق لمثل هذه المواضيع. فما الذي يُميّزُ هذا الفيلم ؟

جرأة المشاهد و الحضور المكثّف لِلُغَةِ الشّارعِ المغربيّ بكلّ ما تحتويه من معجم بذيء تصدم المشاهد و تدخله في جوّ الفيلم دون مقدّمات و كأنّها إعلان أو إشارات تنذره أنّ عمليّة المشاهدة ليست مجرّد فسحة بل على العكس هي تورّطه و تجعله مضطرّا لمواجهة الواقع القبيح !

و من المشاهد التي تؤكّد ذلك ظهور “الشّخصيّات الخليجيّة” في حفلة مليئة بالمومسات وهو مشهد إعتبره الكثيرون صادما و لكنّه يمثّل ظاهرة موجودة و هي إقبال أثرياء الخليج على “السّياحة الجنسيّة” في المغرب ففي دراسة نشرت في هافينغتون بوست تتراوح نسبة الخليجيّين بين 0،8 و 6% فالفيلم إذا يكشف عن نفاق شيوخ البيترودولار و عن المبالغ الطّائلة التي تُصرف في سهرات المجون و اللّهو. فالشّخصيّات في الفيلم تظهر متشبّثة بالأصالة و العروبة (لباس خليجيّ، مسبحة في اليد … ) كلّها مجرّد صور خادعة تنهار و تضمحلّ أمام شهوة الجسد و نشوة “الوسكي” !

إنّ ما يُحسَبُ للمخرجِ نبيل عيّوش هي شجاعته و تجرّأه على نقل حقيقة المجتمع المغربيّ (و العربي بصفة عامّة) فالدّعارة ظاهرة منتشرة في البلدان العربيّة و لكنّ السّلطات و المجتمعات ترفض مواجهتها و إيجاد الحلول الجذريّة لها لأنّ العديد من أصحاب النّفوذ يمارسون خفيةً ما يصرّحون بعدائه جهرًا، وهي سكيزوفرينيا تعاني منها المجتمعات العربيّة التي ما إن يتجرّأ أحد على تحليل و تشخيص أسباب هذه الحالة حتّى يُتَّهَمَ بالزّندقة و يُهَدَّدَ بالقتلِ و هي ردّة فعل طبيعيّة لأنّنا صدّقنا فعلا أنّنا “خير أمّة أُخْرِجَتْ للنّاسِ” !