nidaa-tounes-marzouk-elloumi-Mohamed-Ennaceur

بقلم وائل بنجدو،

تَفتح الثَّورات الكبرى أفقًا رحبًا لتغييرات جذريَّة على كافَّة الصُّعد الإقتصاديّة و الإجتماعيّة و السّياسيّة. و تخُوض قوَى الثَّورة قبل و بعد إستيلائها على السُّلطة صراعًا مُضنيًا و قاسيًا للقضاء على البنيان الإجتماعي القديم و لتقليص نفوذ و تأثير القُوى المُضادَّة للثَّورة في كلّ المواقع داخل المجتمع و الدّولة. و في خضمّ مسار الهدم/البناء هذا تنتشر أخبار إنتصارات الثّورة، فتُصَوَّب أبصار أصدقائها و أعدائها في العالم و داخل البلد المَعْنيّ لقرارات كبرى و مشاريع إقتصادية و إجتماعية قصيرة و بعيدة المدى مثل قوانين للإصلاح الزّراعي و تأميم لقطاعات إستراتيجيّة و رصد إعتمادات ماليَّة هامَّة لتطوير البنية التَّحتيّة و بناء المؤسّسات و المصانع و مراجعة موقع البلد في خارطة السّياسة الدّوليّة و تحالفتها بما يعود بالنّفع و الفائدة على الجماهير الثَّائرة.

يحدُث كلّ هذا إذا حدثت الثَّورة.

لكن الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام في هذه الفترة عن تونس، التي من المُفترض أنّها تعيش على وَقْع ما أجمع كثيرون على توصيفه بالثّورة، هي أخبار مُغايرة تمامًا لما يَتَنَاهى لمسامع العالم عن الثّورات. و هي تتركّز أساسًا على الصّراع القائم داخل الحزب الحاكم “نداء تونس”. و لا يعني ذلك أنَّ الإعلام العالمي يتعمّد تجاهل إنجازات الحزب الحاكم أو أنَّه يعمل بخبثٍ على إلقاء الضّوء على ما هو هامشي، إذْ لا يملك حزب حركة نداء تونس ما يُقدّمه للنّاس و ما يُسوِّقه للعالم عن نفسه غير صراعاته الدّاخليّة. فبعد أكثر من عام على فوزه في الإنتخابات البرلمانيَّة و إعتلائه سدّة الحُكم مع بقيّة شركائه خاصَّة حركة النَّهضة الإسلاميَّة، لم يتحقَّق شيء من الوعود الإنتخابيَّة، و لا يبدو أنَّ الإئتلاف الرّباعي الحاكم يملك أيّ رؤية لإنقاذ تونس من الأزمة التي باتت تحاصرها على كلّ المُستويات. بل إنّ الحكومة و الأحزاب الدّاعمة لها تسير بسرعة كبيرة بالبلاد نحو القَاع من خلال حزمة القوانين الإقتصاديَّة التي صادقت عليها أو تعتزم المصادقة عليها ( قانون المصالحة الإقتصادية، قانون الشراكة بين القطاع العام و الخاصّ، رهن بعض المنشآت العموميّة، قانون الميزانية لسنة 2016، الترفيع في سن التّقاعد، قانون الشَّراكة الشاملة مع التّحاد الأوروبي…). حيث تهدف كلّ هذه القوانين ذات الطابع الليبيرالي إلى مزيد ربط الإقتصاد التونسي بالرّأسمال العالمي، و فتح الأبواب على مصراعيْها أمام المصالح الإقتصادية للمراكز الرّأسمالية الكبرى في العالم خاصَّة أوروبا و الولايات المتّحدة الأمريكية. يحْضى هذا التّوجّه بدعم و مباركة من كلّ القوى اليمينيَّة المُسيطرة على مجلس نواب الشّعب. و رغم ما يبدو في هذه الفترة من صراع بين جناحَيْ حزب “نداء تونس” (جناح حافظ قايد السّبسي و جناح محسن مرزوق) و قياداته فإنّ الجميع يقف على نفس الأرضيّة الليبيراليّة، و يُجمعون على برنامج إقتصادي و إجتماعي عنوانه الرّئيس “الإنحياز لرأس المال على حساب الطّبقات الشعبية”.

إنّ هذا الصّراع، الذي وصل حد تقديم 32 نائب من نُوَّاب حزب “حركة نداء تونس” إستقالتهم من الكتلة البرلمانية للحزب قبل تعليقها بعد أيَّام، لا يَعدو كونه صراع على المواقع في المُؤتمر القادم للحزب خاصّةً أنّه يضمّ في صفوفه كوكبةً من الوُصُوليّين و الإنتهازيّين. و لا علاقة له، من بعيد أو قريب، بالصّراعات المَبدئية التي قد تعيشها كلّ الأحزاب الديمقراطية. لا علاقة لهذا الصّراع بما تعانيه البلاد و لا علاقة للبلاد بأجنحة الصراع و رموزه، فكلّهم حاملون لمشروع سياسي و إقتصادي سيساهم في مزيد تأزيم الأوضاع.

و من النقاط التي يجب الوقوف عندها هي الأساليب المُعتمدة في هذا الصراع، حيث لم يجد أحد شقَّي هذا الصراع حرجا في الإستنجاد بالعِصيّ و الهراوات لفرض سياسة الأمر الواقع و منع إنعقاد إجتماع المكتب التنفيذي للحزب بالقوّة. فهل أنّ حزبا حاكما يعتمد العنف لحسم خلافاته الدّاخلية هو حزب ديمقراطي و مدني مثلما يدّعي ؟ أليس هذا هو أسلوب الميليشيات ؟ و إذا كان هذا هو الأسلوب المعتمد لحسم الخلافات الدّاخلية، فكيف سيكون الحال مع قوى المُعارضة ؟ رغم كلّ المبادرات التي تتقدّم بها أطراف من داخل “نداء تونس” لتقريب وجهات النّظر و النداءات المُتعدّدة ليكون للرئيس “الباجي قايد السبسي” الكلمة الفصل لحسم هذا الصّراع، فإنَّه بات من الصّعب أن تعود وضعيّة الحزب إلى ما كانت عليه قبل إنتخابات 2014. و هو ما سيكون له تداعيات على توازنات المشهد السّياسي الحالي و في المحطّات السّياسيّة القادمة. و من الطّبيعي جدّا بل من الواجب أن تسعى القوى الوطنيّة و التّقدميّة للإستفادة من الصّراعات و التّناقضات في صفوف الرّجعيّة الحاكمة. لكنّ إستفادة القوى اليسارية من هذا الإنقسام ليست حتميّة لأنّه في حالة حصل خلط للأوراق فسيتصدّر الحزب الأكثر تماسكًا و وحدة و جماهيريّة مسرح الأحداث. و هو ما تتميّز به، نسبيًّا، حركة النّهضة الإسلاميّة، الوجه الآخر للرجعيّة، عن غيرها من الأحزاب. حيث أنّها تتجنّب أن تتصدّر مشهد الحُكم رغم مشاركتها فيه حتّى لا تتحمّل أعباء هذه الفترة و نتائجها التي يبدو أنّها ستُضعِف من شعبيّة حزب حركة نداء تونس. و بالتّالي ترجيح فرضيّة فوز الإسلاميّين بالإنتخابات البلديّة القادمة و ربّما في حالة إجراء إنتخابات برلمانية مُبكّرة، خاصّة و أنّ القوّة اليساريّة الأكثر تأثيرًا و هي الجبهة الشَّعبيّة لم تضع خطّة واضحة لاستثمار و تأطير الحركات الإحتجاجية المُتوقّع إندلاعها بالنَّظر للظّروف الإقتصادية و الإجتماعيّة الخانقة التي تعيش فيها الأغلبيّة السّاحقة من الشّعب التّونسي، كما لم تركّز الجبهة هياكل قادرة على إستيعاب المُتَغيِّرات السياسية المُحتملة و مختلف الفئات و الطبقات الشعبيّة.

حين تجري سُيُول الثّورات في عروق الأوطان و أوصالها فإنّها تُزيح من أمامها الأسباب التي أدّت إلى إندلاعها، و تقتلع كل الشّوائب التي تعرقل حركة التّقدّم. لكن تونس اليوم تغرق يومًا بعد يوم في مستنقع لا نجاة منه إلّا بثورة حقيقية تُحدث التّغيير الذي من أجله إنتفض أهالي محافظة سيدي بوزيد ذات شتاء من سنة 2010، أهالي سيدي بوزيد الذين قدّموا الشهداء ضدّ الإحتلال الفرنسي و في عهد حكم “بورقيبة” و في عهد “بن علي” و في عهد حكم حركة النّهضة ثمّ في عهد التّوافق بين “نداء تونس” و “حركة النهضة” و لم تقدّم لهم هذه الدّولة غير الوعود و السّراب.