labes-terrorisme-drout-de-homme

الاستحمار هو طلسمة الذهن وإلهائه عن الدّراية الانسانيّة والدّراية الاجتماعيّة و إشغاله بحقّ أو بباطل، مقدّس أو غير مقدّسعلي شريعتي، النّباهة والاستحمار

في الحلقة 11 من الموسم الخامس لبرنامج “لاباس”، كان ضيف المنشّط نوفل الورتاني المحامي حسن الغضباني. و منذ البداية أعلن الورتاني أنّ الأزمة التي تشهدها تونس و الإرهاب الذي يهدّدها لا يمكن أن نفهم أسبابه و الحلول الممكنة لمقاومته إلا من خلال الإستماع إلى أصوات الحكمة “كبَارْ اٌلحُومَة” على حدّ تعبيره. و قد كان من المنتظر أن يكون حوارا تُفسّر من خلاله ظاهرة الإرهاب، فهل نجح الحوار في توضيح الصّورة للمشاهد ؟

بدأ الغضباني كلامه بالإشارة إلى أنّ الإرهابيّين يعلّمونهم الإسلام “في بيت مظلم” و الحلّ الذي يقترحه هو تلقينهم تعاليم الإسلام البسيط الذي لا يعو للقتل و الإرهاب. و الحقيقة أنّ ما جاء على لسان الغضباني هو إعتراف ضمنيّ بأنّ النّص واحد و التّأويلات متعدّدة و منه فإنّه من المستحيل الجزم بأفضليّة خطاب دينيّ على خطاب ديني آخر فهم تقريبا يشتركون في نفس المقوّمات و الأسس (الحاكميّة و النّص) كما فسّر ذلك نصر حامد أبو زيد في كتابه “نقد الخطاب الدّيني”. فالقرآن يضمّ مجموعة من الآيات المتضاربة في المعنى و القابلة لعديد التّأويلات لذلك فإنّ مواجهة الإرهاب بالخطاب المعتدل لن يوصل إلى نتيجة.

و في جزء آخر من الحوار، لام حسن الغضباني نقابات الأمن بسبب تدخّلها في عمل القضاء، هنا إنطلق المنشّط في الدّفاع عن الممارسات المنافية لحقوق الإنسان في حالة تمّ القبض على إرهابي بل إنّه و في نفس السّياق إستمرّ في خطاب شعبويّ “الشّعب معايا” مصرّا على أنّ الأمني من حقّه أن يعتدي على الإرهابي في حالة الإيقاف وهو خرق واضح لحقوق الموقوف. ويتواصل التّحريض على خرق القانون من خلال الإستشهاد بما حصل في فرنسا من مداهمات (و كأنّنا أن نقلّد فرنسا في خرقها للقانون !) و الغريب أنّ الورتاني أشار إلى أنه لو حصلت مداهمات مماثلة في تونس لشاهدنا حملات إستنكار و دفاع عن حقوق الموقوفين. أي أنّ عدم مراعاة حقوق الإنسان أصبح ضرورة لمواجهة الإرهاب و أنّ التّحمس المفرط للمدافعين عن دولة المؤسّسات أصبح مُدانًا لا بل إنّ منشّط بارز في برنامج يحقّق نسب نجاح عالية يُعطي الحقّ للأمنيّ في حالة الإعتداء الجسديّ على الموقوف “فتقو بطريحة” كما قال الورتاني ثمّ يجيبه الضّيف ضاحكا “إذا عصيتم فإستتروا” و هو إستهزاء واضح بحقوق الإنسان و تشجيع على ممارسة العنف و لكن بشرط عدم التّصريح بذلك في وسائل الإعلام.

تعليق الغضباني على صور عمليّة المداهمة بفرنسا و التي يظهر فيها الإرهابيّ عاريًا : “أهوكة فمّة نساء عرايا” و هي زلّة لسان تبرز موقفه من الحريّات و هو الذي أشار في أوّل البرنامج إلى سماحة الإسلام. فالدّين يتدخّل في الحياة الخاصّة للأفراد و يجعل المتديّن مستعدّا لإخضاع الآخر لقواعد معتقده كلّما سنحت له الفرصة. و لكنّ الغضباني إستدرك بعد فوات الأوان : “أنا لست صاحب وصاية على العباد”. و لتبرئة الإسلام من جرائم الإرهاب، لابدّ من حضور نظريّة المؤامرة فالإسلام مهدّد و هناك تدخّل قوى أجنبيّة و إسرائيل لها مصلحة و غيرها من الحجج المتهافتة. أمّا عن حكم الإعدام، فقد أُتِيحَت الفرصة – مجدّدا – للغضباني ليهاجم المدافعين عن حقوق الإنسان “أندّد تنديدا لا نظير له بجماعة حقوق الإنسان” و هو تنديد يُسقِط القناع مرّة أخرى عن فكره و توجّهه. فحجّته على ضرورة تنفيذ حكم الإعدام هي حجّة دينيّة فقد قال أنّه تشريع إلاهي و لا يحقّ لنا مخالفته. و الحقيقة أنّ العقل الدّيني كثيرا ما يصبغ حججه بالديّن ليضفي عليها نوعا من القداسة بهدف التّأثير في العقول و إستمالة الغير. و لم يُفوّت حسن الغضباني الفرصة لمهاجمة مجموعة الأكاديمييّن بقسم الحضارة بجامعة منّوبة وهو أكبر دليل على أنّ العقل الدّيني يخاف و ينفر من كلّ خطاب رافض للدوغمائيّة، مجدّد و ناقد للموروث الإسلاميّ.