tunisie-europe

تحيي تونس خلال شهر مارس من العام القادم الذكرى الستين لاستقلالها في وضع داخلي وإقليمي يتسم بتصاعد التهديدات الإرهابية الى مستويات غير مسبوقة والتدهور المتواصل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية بفعل الأزمة المتفاقمة منذ اندلاع الثورة، وهذا فضلا عن تنامي المخاطر ذات الصلة بالأوضاع الأمنية المتردية والحروب الأهلية في عدة دول عربية وخاصة ليبيا وسوريا باعتبار تحولهما الى حاضنتين لأخطر المجموعات الإرهابية التي تهدد أمن تونس واستقرارها وحتى سلامتها الترابية.

إلا أنني سأتطرق في هذا المقال الى المخاطر الناجمة عن الاتفاقيات والمعاهدات غير المتكافئة القائمة مع الإتحاد الأوروبي ومجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى وما يتصل بها من تمويلات وقروض مشروطة من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المالية الدولية وما يترتب عنها من قيود وضغوط ساهمت الى حد كبير في تعميق أزمة المديونية وتكريس حالة شبه الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه تونس وفقدانها لاستقلالية قرارها السيادي في رسم خياراتها الدبلوماسية وتوجهاتها الاقتصادية .

قد يبدو من الغرابة بمكان ان يقع تقديم علاقات تونس بشركائها الاستراتيجيين بهذه الصورة السلبية في أعقاب انطلاق المفاوضات المفترض أن تفضي الى ادماج الاقتصاد التونسي في الفضاء الأوروبي ومنح تونس مرتبة ” الشريك المميز ” للإتحاد الأوروبي .

لكن الحصيلة الرقمية والإحصائية للشراكة وللتبادل الحر مع الإتحاد الأوروبي تبين أن فشل التجربة التنموية التونسية والخلل الهيكلي في التوازنات الكبرى للدولة وتفاقم العجز المالي والتجاري وارتفاع المديونية الى مستويات خطيرة يعزى بالأساس الى انعدام الحد الأدنى من التوازن في العلاقات والمبادلات التونسية الأوروبية وتنكر مجموعة السبعة لتعهداتها بإغاثة الاقتصاد التونسي وبتيسير الانتقال الديمقراطي والاقتصادي بتونس بعد الثورة من خلال برنامج ضخم للمساعدات المالية بشروط ميسرة وتمكين تونس من استرداد أموالها المنهوبة.

ومع ذلك ما انفك الإتحاد الأوروبي يضغط على تونس لتسريع الخطى باتجاه استكمال الانفتاح الكلي للاقتصاد التونسي أمام أوروبا دون مراعاة لانعدام التكافى بين الجانبين و التفاوت الشاسع في مستويات التنمية وضعف المنظومة الانتاجية بتونس بما يجعلها عاجزة عن الاستفادة من التبادل الحر مع أوروبا .

شراكة غير متوازنة ومثيرة للجدل

تجدر الاشارة الى أهمية الرهانات الجيوسياسية والاقتصادية المرتبطة بالشراكة والتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والى ما يثيره هذا الملف بتونس من جدال لدى شريحة هامة من المجتمع المدني وفي الدوائر السياسية والإعلامية التونسية ، وذلك نظرا لمساسه بالخيارات الكبرى للسياسة الخارجية والاقتصادية وبالمصالح العليا لتونس .

وفي هذا الخضم يسعى الطرف الأوروبي الى تسريع الخطى باتجاه الانفتاح الاقتصادي الكلي لتونس وأسواقها أمام كل أشكال السلع والأنشطة التجارية والاستثمارية الأوروبية، مدعيا أن الاقتصاد التونسي سيستفيد في المقابل بإمكانية النفاذ لسوق أوروبية واسعة لترويج بضائعه دون قيود .

لكن تجربة اتفاقية التبادل الحر للسلع الصناعية المبرمة سنة 1995 أثبتت أن هذا النفاذ يبقى شكليا وضعيفا، بل يكاد يكون وهميا لأن تونس ،بصفتها بلد من بلدان العالم الثالث ،تفتقر الى قطاع انتاجي صناعي ،فلاحي وخدماتي تنافسي ،قادر على منافسة نظيره الأوروبي لا في الأسواق المحلية ولا في الأسواق العالمية . وهذا ما تبينه البيانات الاحصائية المؤكدة على فقدان تونس لنسبة هامة من نسيجها الصناعي فضلا عن الخسائر الفادحة في مماطن الشغل و الموارد الجبائية و الديوانية .

و في المقابل استحوذت السلع الصناعية الأوروبية المستوردة وحتى المصنعة محليا على نصيب الأسد من الأسواق التونسية النظامية وهي تتصارع على ما تبقى منها مع منظومة التهريب و الإقتصاد الموازي المتحكمة في أكثر من نصف الدورة الاقتصادية للبلاد في حين يخوض ما تبقى من النسيج الصناعي التونسي الهش معركة البقاء ازاء هذه المنافسة غير العادلة التي تزداد شراسة بفعل التسهيلات و الإمتيازات الحصرية والمتزايدة المقدمة للمستثمرين الاجانب في القوانين التونسية بحجة الحفاظ على الإستثمارات الموجودة بتونس و إستقطاب المزيد منها لتوفير الشغل و مقاومة البطالة.

و يجدر التذكير بأن قانون المالية لسنة 2015 سمح للصناعات الاجنبية غير المقيمة “المصدرة كليا” ببيع نصف إنتاجها بتونس كما ان مشروع قانون الاستثمارات الجديد سيرفع كافة القيود امام المستثمر الأجنبي للنشاط في كافة القطاعات و سيسمح له أيضا بتصريف منتجاته بكامل الحرية بتونس .

لكن الأخطر أن الإختراق الأوروبي للأسواق التونسية تعدى قطاع السلع الصناعية ليطال منذ سنوات في ظل النظام السابق عدة مجالات حساسة و مستنزفة للعملة الصعبة مثل قطاع التجارة الداخلية و الخدمات كالبنوك والإقتصاد الرقمي والحال ان المفاوضات حول توسيع منطقة التبادل الحر يفترض انها ما تزال في مراحلها الأولى، وتم ذلك بصفقات مشبوهة لصالح اطراف متصاهرة او مقربة من السلطة و من عائلة الرئيس السابق مع الإشارة إلى استمرار نفس هذا التوج بعد الثورة.

و هكذا أصبح النسيج الإنتاجي التونسي في القطاعات المذكورة مهددا بالإنقراض بفعل هذه السياسات الإنفتاحية العشوائية المتخذة تحت ضغط المديونية و الصعوبات الإقتصادية الخانقة الناجمة عن الخضوع لشروط المؤسسات النقدية و المالية الدولية الخاضة بدورها لتعليمات الإتحاد الأوروبي و مجموعة السبعة.
لكن بقية القطاعات الإستراتيجية المستهدفة بالتحرير، ومنها خاصة خدمات الكهرباء و الماء و الأراضي الفلاحية و غيرها ليست بمنأى عن سطوة رؤوس الأموال الأجنبية و الشركات متعددة الجنسيات المتربصة بتونس حتى و ان تأخرت المفاوضات حول توسيع التبادل الحر خاصة اذا تم التسريع باعتماد القانون الجديد لجلب الإستثمارات الخارجية كما حصل بالنسبة لقانون الشراكة بين القطاعين العام و الخاص المثير للجدل.

وهذا ما يفسر الانتقادات الحادة الموجهة من فئات واسعة من المعارضة ومن المجتمع المدني التونسي للسياسة الحكومية الماضية باتجاه الانفتاح والتحرير الكلي لكافة أشكال التبادل والأنشطة الاقتصادية مع أوروبا رغم الطبيعة اللامتوازنة واللامنصفة للعلاقة بين المجموعة الأوروبية التي تمثل إحدى أبرز القوى الاقتصادية في العالم من جهة وبين تونس،البلد النامي والضعيف ذو الاقتصاد البدائي والمفكك ،والرازخ تحت ضغط التداين العدمي المفرط ،وانعدام القدرة على مواجهة أعتى وأخطر الأزمات الاقتصادية في تاريخه.

الطبيعة التجارية الصرفة للشراكة مع الإتحاد الأوروبي

في ضوء ما سبق ذكره يتضح ان مشاكل تونس الاقتصادية وتبعيتها الخانقة تجاه أوروبا ودول مجموعة السبعة و صندوق النقد الدولي و البنك العالمي، هي نتيجة حتمية لهذا التبادل غير المتوازن والعلاقات المختلة التي يطغى عليها منذ الاستقلال الطابع التجاري والمالي الصرف والذي استفاد منه حصريا الاتحاد الأوروبي، وتحديدا شركائنا الأساسين صلبه و هم فرنسا ،ألمانيا وايطاليا .

وبالتالي لا يجوز الادعاء بأن تونس والاتحاد الأوروبي يرتبطان منذ 1995 بشراكة صناعية مثمرة تعود بالنفع على الطرفين إذ أن هذه العلاقات لم ترتق يوما منذ الاستقلال الى مرحلة التعاون المجدي و المتكافئ ،الذي كان من المفترض ان يشمل مساعدة أوروبية لبرامج تونس التنموية ومساعدتها على بناء آلة انتاجية صناعية ،فلاحية وخدماتية تنافسية ،تسمح لها فعلا بالاستفادة من التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي .

ضرورة اقرار برنامج انقاذ للإقتصاد التونسي

هذا أهم ما خلصت إليه ،من خلال قراءة تاريخية للسياسة الاقتصادية التونسية وللخيارات الدبلوماسية ذات الصلة ومنها خاصة الاتفاقيات المبرمة بين تونس والمجموعة الأوروبية منذ الاستقلال ،وقد حاولت من خلال هذا المقال ابراز هذه الحقائق المسكوت عنها سعيا لإثارة حوار وطني حول الموضوع تمهيدا لمراجعة جذرية ،أعتقد أنها ضرورية ،للأطر الاستراتيجية للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي و للقوانين الإنفتاحية غير مدروسة العواقب بما يراعي مصلحة تونس وذلك في إطار الجولة الجديدة للمفاوضات التي انطلقت في أكتوبر الماضي.

ولتحقيق هذا الغرض يتعين إعطاء الأولوية لفتح حوار ومفاوضات ثنائية مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة واليابان ومجموعة السبعة للاتفاق معها على برنامج انقاذ للاقتصاد التونسي وسبل معالجة أزمة المديونية و الأزمة الهيكلية التي تتخبط فيها تونس من خلال مراجعة الاتفاقيات والأطر التنظيمية المنظمة للعلاقات بين الجانبين على أسس أكثر واقعية وبما يراعي التفاوت في مستويات النمو ويؤدي الى ارساء شراكة حقيقية لا تنحصر في الجانب التجاري بل تشمل كافة الجوانب الاقتصادية والأمنية والسياسية وتقوم على التبادلية في احترام الالتزامات والتنمية والمنفعة المشتركة
و في هذا الصدد يتعين على تونس ان تطالب بتنفذ الالتزامات المتمخضة عن قمة دوفيل لمجموعة السبعة لسنة 2011 خاصة فيما يتعلق باسترداد الاموال المنهوبة بما قد يِؤدى الى التخفيف من أعباء ازمة المديونية الخانقة التي تعاني منها تونس، غير ان التجربة اظهرت عدم جدية موقف الدول الاوروبية المعنية بهذا الملف.

الخلفيات والجوانب الخفية للتبادل الحر الشامل والمعمق

من المفترض أن تؤدي المفاوضات الى توسيع منطقة التبادل الحر للمنتوجات الصناعية ،التي أنشأها الاتفاق المبرم سنة 1995 لتشمل الانفتاح على كافة أشكال السلع والخدمات والأنشطة الاقتصادية والاستثمارية وذلك دون مراعاة للحصيلة السلبية لهذا الاتفاق بالنسبة لتونس .

وتجدر الاشارة هنا الى أن هذا الاتفاق يندرج في إطار مسار برشلونة المعلن سنة 1995 بين دول جنوب وشمال المتوسط ،والذي تضمن لأول مرة مصطلح ” شراكة أورومتوسطية” partenariat EUROMED ) ( ،وهو يكتسي أبعادا ثلاثة : سياسية واقتصادية وأمنية ،ويهدف الى السعي المشترك لإنشاء فضاء متوسطي للسلم ،والأمن والتنمية المتبادلة بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط .

لكنه تبين بعد عشر سنوات من انطلاقه فشل مسار برشلونة في تحقيق هذه الأهداف السامية وذلك بسبب تجاهل الجانب الأوروبي للقضايا السياسية والأمنية التي تشغل دول جنوب المتوسط مع اصراره على حصر المسار في أبعاده التجارية البحتة المتجسدة في اتفاقيات التبادل الحر للسلع الصناعية المبرمة سنة 1995 التي يسعى اليوم جاهدا الى توسيعها .

و هكذا ،نستخلص أن المفهوم الصحيح لشراكة فعلية مجدية ونافعة للطرفين ،يفترض سعي الشريكان لتحقيق مشروع مشترك ذو بعد إقليمي أو ثنائي يخدم المصلحة المشتركة .وهذا المشروع ،لن ينجح اذا لم يأخذ بعين الاعتبار فوارق التنمية بين طرفي الشراكة وكذلك متطلباتهم الخصوصية قيما يتعلق بالتنمية والأمن الجماعي والاستقرار السياسي والاقتصادي .

إلا أن مفاوضات الشراكة المتقدمة (ALECA) ،لا تستجيب لهذه المعايير ،لأنها تتسم بطابعها التجاري البحت ،في تواصل و استمرار مع اتفاقية 1995 علما انها انطلقت منذ سنة 2006، و تم إستئنافها بعد الثورة على أساس شراكة دوفيل DEAUVILLE المشار إليها ،المقترحة من مجموعة الثمانية في إعلانها حول الربيع العربي في موفى القمة التي عقدت يومي 26 و27 ماي 2011 بفرنسا .

الأهداف الحقيقية لشراكة دوفيل لمجموعة السبعة

هذه الشراكة الجديدة إرتبطت بالإعلان عن الإرادة السياسية للمجموعة لإنجاح الإنتقال الديمقراطي بتونس و دول الربيع العربي عموما و ذلك من خلال الوعود المذكورة بتقديم تمويلات ضخمة بشروط ميسرة الى هذه البلدان و مساعدتها على إسترداد أموالها المسروقة كما ذكر حرفيا بنص البيان الختامي ، لكن هذه التعهدات سرعان ما تبخرت وظلت العلاقات مع تونس منحصرة في إطارها التقليدي التجاري المحض ، دون مراعاة للتدهور الحاصل بعد الثورة في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية على المستوى الاقليمي وفي بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط.

ويجدر التذكير في هذا الصدد بفشل إعلان برشلونة وما رافقته من تعهدات أوروبية و غربية بحل القضية الفلسطينية و إقامة شراكة سياسية و اقتصادية و امنية متوازنة و مفيدة لدول الضفتين الشمالية و الجنوبية للمتوسط ، و على خلاف ذلك سعى الغرب الى ضمان استمرارية مصالحه الإقتصادية و هيمنته في المنطقة العربية باللجوء الى كافة الأساليب بما فيها التدخل العسكري في ليبيا واليمن و سوريا و العراق مما أدى الى ضرب مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة العربية فضلا عن تصاعد الارهاب والصراعات الدموية التي ساهم الموقف الغربي في تغذيتها و استفحالها.

و هكذا يتضح ان هدف مجموعة الثمانية في قمة دوفيل لم يكن اقتراح شراكة جديدة و متوازنة و مفيدة للطرفين بل ان هدفها الحقيقي كان و ما يزال ،المحافظة على المصالح السياسية و الاقتصادية الحيوية للغرب في شمال افريقيا و المنطقة العربية و محاولة احتكارها كمنطقة نفوذ حيوية و حصرية للحيلولة دون انفتاحها على فضاءات اقتصادية و سياسية اخرى ، و قد تم ذلك من خلال ضمان استمرار سياسة الانصهار الاقتصادي لدول الجنوب في العولمة ،وتواصل خياراتها الدبلوماسية المتلائمة مع هذا الانصهار و تحديدا توسيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وذلك بالرغم من التحفظات التي تثيرها هذا الخيار بحكم نتائجه الكارثية بالنسبة لتونس و جنوب المتوسط .

صحيح أن اعلان مجموعة الثمانية تضمن الرغبة في مراجعة الإطار الإستراتيجي للعلاقات بين الضفتين لتحقيق التنمية المتبادلة وخلق الظروف الملائمة لانتقال ديمقراطي واقتصادي ناجح بدول الربيع العربي لكن الخطوات العملية لتجسيد هذه النوايا السابق ذكرها ظلت حبرا على ورق.

و مع ذلك تمكنت مجموعة الثمانية من تحقيق اهدافها و الحفاظ على نفوذها و مصالحها من خلال فرض استمرارية الصبغة التجارية الصرفة لعلاقاتها بتونس المرتبطة بمواصلة السياسات الاقتصادية للدكتاتورية بما فيها الاستمرار في تسديد ديون النظام السابق و توسيع التبادل الحر و ذلك بحجة التزام الحكام الجدد بضمان استمرارية الدولة التونسية في احترام تعهداتهاالدولية .
في هذا الصدد نصت الفقرة 11 المفتاحية لبيان قمة دوفيل :
” … يبادر الاتحاد الأوروبي في إطار الشراكة من أجل ديمقراطية والتنمية المتبادلة مع بلدان جنوب المتوسط ،خاصة من خلال اتفاقيات تبادل حر معمقة وشاملة ، وتنمية الإستثمارات …. ”
و تؤكد هذه الفقرة أن الهدف الاستراتيجي الاسمى والعميق لقمة دوفيل هو توسيع العلاقات التجارية المميزة لدول مجموعة الثمانية مع دول جنوب المتوسط ،التي تعتبر منطقة تأثير ومصالح حيوية للمجموعة الغربية وخاصة منها القوة الاستعمارية القديمة.

و هكذا يتضح ان الغاية القصوى لهذه المجموعة هو تجنب كل تغيير جوهري و اساسي للتوجهات الاقتصادية لتونس ودول شمال افريقيا ،وخاصة تجنب انفتاحهم على شراكات أخرى على حساب علاقاتها الاقتصادية والتجارية المميزة و التقليدية مع الاتحاد الأوروبي و خاصة فرنسا والمانيا و ايطاليا ،المحتكرة للنصيب الأوفر لتعاونهم وتبادلهم الاقتصادي والتجاري على المستوى الدولي منذ الاستقلال.

و يتأكد ذلك من دراسة تطور المبادلات التجارية مع الشركاء الرئيسيين لتونس في اوروبا و مضمون الاتفاقيات التي ابرمتها تونس مع المجموعة الأوروبية في 1969 و1976 و 1995، كما تبينه دراسات أكاديمية تونسية و مراجع جامعية اهتمت بتطور علاقات تونس بأوروبا ونتائجها السلبية عموما على تجربة تونس التنموية.

و خلاصة القول ان محاولات بناء علاقات شراكة حقيقية و متوازنة بين تونس و الاتحاد الاوروبي فشلت بسبب اختزال هذه العلاقات في البعد التجاري البحت و تنكر الجانب الاوروبي و مجموعة السبعة للتعهدات التي اتخذها على نفسه قبل الثورة في اطار مسار برشلون و بعد الثورة قي اطار شراكة دوفيل بارساء فضاء متوسطي للسلم و الامن و التنمية المتبادلة و تيسير الانتقال الدمقراطي بتونس، وبالتالي يتعين النظر في سبل مراجعة هذه العلاقات بصفة جذرية على أسس أكثر واقعية ،تراعي مصالح تونس الاقتصادية و التباين في مستويات التنمية بين الجانبين و التحولات الجيو استراتيجية على الصعيد الاقليمي و الدولي في الحاضر و المستقبل.