الصورة الأصلية لسيف الدين بن منصور، ويكيميديا، تحوير نواة

الصورة الأصلية لسيف الدين بن منصور، ويكيميديا، تحوير نواة

مقدمة

بدأ اهتمام العديد من المنظمات الدولية والإقليمية وحكومات الدول بإدماج النوع الاجتماعي في عملية التنمية عموما والميزانية خصوصا منذ الثمانينات. وتعاظم هذا الإهتمام بعد انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة الدولي الرابع حول قضايا المرأة في بكين سنة 1995 وكذلك لاعتبار نفس الهيئة قضايا تمكين المرأة والمساواة بين والجنسين كثالث هدف ضمن أهدافها للألفية، واختارت مؤشرات محدّدة لقياس مدى التقدم في تحقيق هذا الهدف من بينها رفع حصة النساء في المشاركة في العمل وزيادة حصتهن في البرلمانات ومراكز اتخاذ القرار.

ويعرف النوع الاجتماعي على انه الفرق بين المرأة والرجل في العلاقات والأدوار والمكانة الاجتماعية. كما يعبر عمّا يمكن أو لا يمكن للمرأة أو الرجل أو الشباب القيام به أو فعله أو قوله (أي التصرفات والسلوك والمهام والمسؤوليات المتوقعة من كل منهما).

تعتبر الميزانيات هي الأداة التي تتخذ عبرها السلطات العمومية الوطنية او المحلية قراراتها و هي بالنسبة للمجتمع المدني الأداة الأكثر أهمية لضمان أن يكون الشعب جزءا من هذا المسار في إطار مقاربة تشاركية ما انفكت تعرف رواجا منقطع النظير منذ سنوات (الميزانية التشاركية).

ولا تأخذ المنهجيات المتبعة في إعداد وتنفيذ الميزانيات التقليدية الفوارق الموجودة بين النساء والرجال والشباب وذوي الحاجيات الخصوصية على مستوى الحقوق والاحتياجات والمسؤوليات والإمكانات بعين الاعتبار ، حيث تنبني هذه المنهجيات بالأساس على غرار النماذج الاقتصادية الأخرى المتعلقة بالتخطيط ورسم السياسات العامة على تماثل احتياجات جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن مواقعهم الاقتصادية والاجتماعية.

الإطار المفاهيمي

برز مفهوم الميزانية المجندرة أو المبنية على النوع الاجتماعي لإبراز تبعات مختلف القرارات المتعلقة بالميزانية على كل من الرجال والنساء في مراحل العمر المختلفة والفئات الاجتماعية المختلفة والتوزيع الجغرافي في مناطق الدولة المختلفة وعملا على اعادة بناء الميزانية المعتمدة حاليا بعد الأخذ بعين الاعتبار احتياجات النوع الاجتماعي سابقة الذكر. و تركز الميزانية المستندة للنوع الاجتماعي على تقييم آثار تلك الموازنات على أوضاع المرأة والرجل والشباب وذوي الحاجيات الخصوصية وظروفهم المعيشية طيلة دورة عمر الميزانية بداية من الإعداد إلى التنفيذ وحتى المراقبة والختم.

و تهدف هذه الآلية بالأساس إلى بيان الفرق الشاسع بين السياسات العمومية المقترحة ضمن الميزانيات والموارد التي يتم تخصيصها لتنفيذ المشاريع والخطط التنموية. كما تعمل كذلك على ضمان إنفاق الموارد العمومية بشكل يراعي العدالة الاجتماعية والمساواة حسب النوع الاجتماعي.

تعتبر التجربة الأسترالية التجربة الأولى عالميا في هذا المجال وكان ذلك في أواسط الثمانينات وهو ما ساهم في بروز المزيد من المبادرات الدولية والإقليمية والوطنية التي تسعى إلى استبدال المنهج التقليدي في إعداد الموازنات المستند إلى التفكير الاقتصادي التقليدي لصالح منهج آخر يعطي عامل النوع الاجتماعي وزناً أكبر في الإدارة المالية العمومية.

وبذلك فهي ميزانية مـحـايدة وليست ميزانية خاصة بالنساء بل هي ميزانية تحاول تحديد حجم الموارد التي تخصصها السلطة العمومية للإنفاق على البرامج والمشاريع التي تخصّص للأطفال والنساء و الرجال و للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. و لا يعني صياغة ميزانية عمومية تراعي النوع الاجتماعي أن يتم الفصل بين نصيب الرجال والنساء أو زيادة مبالغ إضافية للنفقات لصالح المرأة أو تقليص النفقات المخصصة للرجال.

أهمية ميزانية النوع الاجتماعي والفلسفة القائمة عليها

تستمد الميزانية حسب النوع الاجتماعي أهميتها من كونها تنصهر ضمن مبادئ الحوكمة المحلية على اعتبار أنها تحفظ حقوق الفئات الأقل حظا، وتسعى إلى الأخذ بعين الاعتبار لوضعياتهم الخاصة بشكل يحقق تكافؤ الفرص والعدالة بين مختلف فئات المجتمع وأفراده رجالاً ونساءً وأولاداً وبناتا. و يكون ذلك من خلال إعادة ترتيب الأولويات على صعيد النفقات ومصادر الإيرادات من أجل دفع هذه العدالة الاجتماعية إلى الأمام. ويتجلى ذلك بالأساس من خلال :

  • تحديد وفهم احتياجات كل فئة مجتمعية.
  • تحقيق توزيع عادل للموارد المالية المتاحة حسب احتياجات وتوقعات وطموحات كل فئة مجتمعية.
  • إعادة ترتيب الأولويات أكثر من الزيادة في الإنفاق العمومي في مجمله.
  • التركيز على إعادة توجيه البرامج داخل القطاعات أكثر من إحداث تغير في الموارد المخصصة لقطاعات بعينها.
  • تقييم ومتابعة مدى الإلتزام بالمبدأ المؤيد لأخذ احتياجات المرأة والشباب والأطفال في الحسبان في رسم السياسات العمومية.
  • التأكد من تكافئ الفرص للجميع للوصول إلى الموارد والمصادر المتاحة في المجتمع وما تقدمه الدولة من إمكانات.

لا تختلف مراحل إعداد الميزانية المبنية على النوع الاجتماعي عن المراحل المتبعة في الميزانية التقليدية غير أنها تستند إلى منطق وفلسفة مغايرة يعبر عنها عادة بمنطق التحليل المبني على النوع الاجتماعي أو التحليل المجندر.

إن التحليل المبني على النوع الاجتماعي هو منطق و فلسفة نجدها في كافة مراحل دورة حياة الميزانية من حيث الإعداد والتنفيذ والمتابعة والتقييم. وفي الحقيقة، ليس هناك وصفة جاهزة يتم من خلالها تحليل المعطيات ولكن هناك تساؤلات تعنى بالنوع الاجتماعي يتوجب ان تكون حاضرة في الذهن عند إجراء عملية التحليل على غرار :

  • هل المشاريع والبرامج المقترحة ضمن الميزانيات تتحدى معوقات وقيود تطبيق النوع الاجتماعي أم تعززها؟
  • هل تعمل المشاريع والبرامج المقترحة على استهداف النساء والشباب وأصحاب الحاجات الخاصة وإدماجهم أو تهميشهم وإقصائهم؟

يهدف التحليل إلى تشخيص الحاجات التنموية القائمة على أساس النوع الاجتماعي بالاستناد الى بيانات مفصلة حسب الجندر في القطاع المعني ،حيث تقوم الجهة المكلفة بذلك بتحليل وصفي للبيانات المفصلة حسب النوع الاجتماعي حتى يتم التعرف على الاحتياجات الخصوصية قبل إعداد الميزانية. ويتم خلال ذلك الإجابة على الأسئلة التالية :

  • ما هي قواعد النوع الاجتماعي السائدة في هذا القطاع (أي تقسيم أدوار النوع الاجتماعي)؟
  • ما هي اهتمامات كل من الرجل والمرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة في هذا القطاع؟
  • ما هي احتياجات كل من الرجل والمرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة في هذا القطاع؟
  • ما مدى التحكم والوصول للموارد المخصصة لكل من الرجل والمرأة والشباب وذوي الحاجيــات الخاصة ؟

مجال لتطبيق الميزانية حسب النوع الاجتماعي في الميزانية المحلية في تونس

يكتسي موضوع دراسة جندرة الميزانية المحلية أهمية كبرى تبعا لقرب الإدارة البلدية من المواطن وعلى اعتبار البلدية أولى فضاءات الممارسة السياسية و محور الاهتمام بالشأن المحلي.

من جهة أخرى، تتكرس هذه الأهمية عبر الدور الريادي الذي تلعبه البلديات في جميع مجالات الحياة (الرياضية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية…) وخاصة في مجال إحداث وصيانة البنية الأساسية من الطرقات والإنارة والمنشات الاقتصادية والثقافية والرياضية ومختلف المرافق الأخرى.

وكمثال على اهمية تطبيق منهجية النوع الاجتماعي على الميزانية المحلية فإن تخطيط البنية الأساسية وبرمجتها على المستوى البلدي لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المرأة وخاصة البعد الإنجابي لها (غالبا تتحرك النساء برفقة الأطفال). من ذلك حاجتها الملحة إلى الشعور بالأمان والطمأنينة في مختلف تنقلاتها من حيث جودة الطريق ووجود إنارة عمومية جيدة. كما ينطبق نفس المنطق بالنسبة لإحداث وتنظيم الأسواق داخل المدينة بما ان المرأة هي اكثر الرواد على مثل هذه المنشات باعتبارها مسؤولة أكثر من الرجل على قضاء حوائج المنزل. ونفس الشيء ينطبق ايضا بالنسبة للخدمات ذات الطابع الاجتماعي باعتبار تكفل النساء في تونس وفي المجتمعات العربية عموما بالمرضى وكبار السن وذوي الاحتياجات الخصوصية. كما لا يمكن غض النظر في السياق نفسه عن خصوصية فئة الشباب كلما تعلق الامر بالمنشآت والمرافق الرياضية والثقافية والترفيهية على اعتبارها موجهة في الاصل لهذه الفئة العمرية فضلا عن مختلف التدخلات البلدية في هذه المجالات.

رغم الأهمية التي حظيت بها المرأة في تونس ورغم منسوب الحريات والحقوق التي تمتعت بها منذ الاستقلال، فلا توجد إجراءات خاصة بالميزانية المبنية على النوع الاجتماعي سواء بميزانية الدولة أو ميزانية الجماعات المحلية رغم وجود عدد من الدراسات التي اهتمت بالمشاركة السياسية للمرأة وتموقعها ضمن دائرة اخذ القرار من خلال وزارة المرأة او مركز كوثر او عدد من المراكز البحثية الاخرى منذ التسعينات.

وفي ظل التحولات التي تعرفها البلاد إبان ثورة 14 جانفي 2011 وخاصـة بعد سن دستور سنة 2014، برز توجه جديد في المنظومة القانونية التونسية يكرس اعتماد النوع الاجتماعي في تدبير شؤون الدولة والجماعات المحلية من حيث رسم السياسات والتخطيط والبرمجة وغيرها رغم عدم ذكر لفظ النوع الاجتماعي في كافة فصول الدستور.

وفي هذا الاطار يتوجب على صناع القرار مستقبلا اشراك كافة شرائح وفئات المجتمع في رسم السياسات التنموية وتدبير الشؤون المحلية من خلال اعتماد مقاربة تشاركية تجمع كل الاطياف والفئات وهو ما أكدته مقتضيات الفصل 139 من الدستور من خلال وجوب اعتماد الجماعات المحلية لآليات الديمقراطية التشاركية.

كما نص الفصل 34 من الدستور على ان الدولة تسعى الى ضمان تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة حرصا منها عى ان تكون في اماكن اخذ القرار لإتاحة الفرصة لها قصد الدفاع على حقوق نظرائها. وهو ما تم التأكيد عليه في مستوى الفصل 46 من نفس المصدر والذي نص على وجوبية ضمان الدولة تكافئ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات.

من جهة أخرى، أكد الفصل 133 من الدستور على أن يضمن القانون الإنتخابي تمثيلية الشباب في مجالس الجماعات المحلية وهو نفس التوجه الذي كرسه الفصل 8 من باب المبادئ العامة والذي نص صراحة على أن:

تحرص الدولة على توفير الظروف الكفيلة بتنمية قدرات الشباب وتفعيل طاقاته وتعمل على تحمله المسؤولية وعلى توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

ويتطلب تكريس هذا التوجه الدستوري المحمود صدور النصوص التطبيقية المتعلقة بمختلف المجالات المذكورة عملا على ترسيخ هذا التوجه على غرار ما سبقتنا اليه بعض الدول المجاورة كالمغرب الشقيق.

و تبعا لخصوصية الفترة الحالية والتي تشهد بداية الورشات المكلفة بصياغة مختلف النصوص المتعلقة بالعمل البلدي على غرار القانون الانتخابي المحلي والقوانين الأساسية للبلديات و للميزانية المحلية فنقترح تقديم بعض المقترحات والتي يمكن ان تتضمنها مشاريع النصوص المذكورة على غرار:

  • تعزيز الحوار حول قضايا النوع الاجتماعي داخل أروقة البلديات وعلى مستويات مختلفة عبر إحداث لجنة قارة ضمن المجلس البلدي تعنى بالنوع الاجتماعي تضاف الى بقية اللجان المنبثقة عنه، على أن تسند لها صلاحيات تقييم مدى احترام مشروع الميزانية السنوية ومخططات الاستثمار البلدية لمشغل النوع الاجتماعي.
  • إحداث قسم إحصاء ضمن التنظيم الهيكلي للبلدية يعني بتجميع الإحصائيات المختلفة مبوبة حسب الجنس والفئة العمرية والشريحية الاجتماعية والاقتصادية وغيرها بالتعاون مع المؤسسات الوطنية المختصة في الميدان على ان يشرف عليها اطارات متخصصة في الميدان.
  • إعداد تقرير سنوي يعرض على أنظار المجالس البلدية حول مدى احترام السياسات العمومية التنموية في المدينة ومختلف القرارات المتخذة في الغرض لمشغل النوع الاجتماعي.
  • تكوين لجنة النوع الاجتماعي على الصعيد المحلي تضم التمثيليات الجهوية للوزارات المكلفة بالمرأة والشباب والشؤون الاجتماعية وتكون بذلك قوة اقتراح في مجال رسم سياسات والبرمجة.
  • تشجيع إبرام شراكات بين السلطة المحلية وجمعيات المجتمع المدني المهتمة بالموضوع عبر التمويل ومختلف آليات التحفيز الأخرى.

خاتمة

لقد تبين مما سبق أن الميزانية البلدية هي مجال رحب لتطبيق منهجية النوع الاجتماعي بما يمكّن من اعتماد مقاربة تشاركية تضم الجميع بشكل يضمن الأخذ بعين الإعتبار للحاجيات الخصوصية لمختلف فئات المجتمع ونبذ الإقصاء والتهميش لأي طرف من الاطراف وذلك في تناسق مع المبادئ التي كرسها الدستور الجديد للجمهورية التونسية والتي ينبغي ترسيخها على مستوى النصوص التطبيقية التي ستصدر في أطار الباب السابع من الدستور والمتعلق بباب السلطة المحلية.