الحقيقة هي أن نبحث دائما عن الحقيقة. رومان رولان

بدأت منذ أيّام جلسات الإستماع العلنيّة التي تنظّمها هيئة الحقيقة و الكرامة برئاسة سهام بن سدرين. حدث تاريخيّ سيؤثّر حتما على مسار العدالة الإنتقاليّة في تونس. و قد جاءت مجموعة من الإنتقادات – التي كانت في أغلبها موجّهة لشخص رئيسة الهيئة – من طرف مجموعة يدّعون الدفاع عن الديموقراطيّة ليصل الأمر إلى التّشكيك في مصداقيّة الجلسات و إعتبارها مجرّد مسرحيّة و ”شو“ إعلامي لا أكثر. و رغم هذه الآراء التي تعمل بمقولة ”خالف تُعْرَفْ“ و التي تغلّب مصالحها الشخصيّة على المصلحة الوطنيّة، يبقى الرأي السّائد و الإنطباع العام متمثّلا في الإعتراف بجديّة الجلسات و تأثيراتها الإيجابيّة في المراحل القادمة من تاريخ البلاد.

البحث عن الحقيقة


إنّ البحث عن الحقيقة و محاولة الكشف عن التجاوزات و الإنتهاكات التي حصلت في الماضي تعدّ من أهمّ المراحل التي يكون المرور بها ضروريّا لتحقيق العدالة و إرجاع الحقوق إلى أصحابها. و هي نقطة محوريّة في تاريخ كلّ الشعوب التي قامت بثورات و أرست أنظمة ديموقراطيّة. و هذا ما تكرّسه جلسات الإستماع العلنيّة، فالأبحاث الأمنيّة و التّحقيقات التي مازالت متواصلة إلى اليوم لكشف تجاوزات العهدين السابقين لا يمكنها أن أن تكشف الحقيقة كاملة و إنّما في وجه من وجوهها. الإستماع إلى شهادات مناضلين عُذِّبُوا خلال فترتي حكم بورقيبة و بن علي يمكننا من الإطّلاع على حيثيّات تحيلنا إلى أحلك فترات تاريخ البلاد. كما تبقى هذه التسجيلات كشهادات حيّة للأجيال القادمة لمزيد التحرّي و البحث و الإتّعاظ في مرحلة أخيرة من أخطاء الماضي. و بعيدا ن كلّ التجاذبات السياسيّة و الإتهامات المتبادلة، تبقى جلسات الإستماع وسيلة للإعتراف بالجميل لمجموعة من المواطنين الذين إختاروا أن يرفضوا الخضوع، و هي أيضا فرصة لنعلم أنّ الوقت حان للتصالح مع ماضينا.

التّصالح مع الماضي

الحقيقة دائما ثوريّة. جيلبار النّقاش

لا يعني التصالح مع الماضي – كما يريد أن يوهمنا الكثيرون – التخلّي عن حقوق المظلومين و تبييض الفاسدين و من أجرموا في حقّ الشّعب. و إنّما المصالحة تعني الوقوف على حقيقة ما جرى و البحث و التأنّي في إصدار الأحكام. إنّ المتابع لجلسات إستماع ضحايا الديكتاتورية يلاحظ أنّ شهادات المتدخّلين هي خطوة مهمّة نحو فتح مجموعة من الملفّات القديمةبأدقّ تفاصيلها. إستدعاء الضحايا يمكن أن يحقّق أمرين :

  1. الأوّل يدخل في إطار عمليّة تحسيس للمشاهد بخطورة الإنتهاكات التي حصلت و هو ما يؤدّي إلى مزيد الإقتناع بضرورة طيّ صفحة الماضي نهائيّا و التركيز على المستقبل.
  2. أمّا الأمر الثاني – و يبدو أنّه الأهم – يتمثّل في ردّ الإعتبار للضحايا و إحياء ذكرى الشّهداء الذين سقطوا طيلة 50 سنة من الديكتاتوريّة.

إنّ التمشّي اٌلمُتَّبَعَ للمصالحة مع الماضي ينأى بنا عن كلّ التجاذبات السياسيّة و الصراعات الإيديولوجيّة، لحظات تاريخيّة تنتفي فيها كلّ الإختلافات لنستمع – في جوّ يسوده الخشوع – إلى المناضل وهو يروي معاناته خلال سنوات طويلة.

إنّ شهادات الضحايا أو عائلاتهم و بمجرّد الإنتهاء منها تخرج من بعدها الذاتي الضيّق لتتوسّع و تصبح تجربة جماعيّة يتشارك فيها كلّ مستمع/ متعاطف مع أدقّ تفاصيل الأحداث. لقد أمدتنا هذه الجلسات بلحظات نادرة كان التونسيون فيها مُوَحَّدِينَ على إختلاف رؤاهم و إنتماءاتهم السياسيّة.

إنّ شهادات ضحايا التعذيب في إطار هذه الجلسات العلنيّة أكبر من كل الخلافات، لحظةٌ تاريخيّة تُرَسِّخُ ما حصل و تنصف من عانوا خلال عقود لتمنحهم فرصة للمساهمة في وضع بصمتهم في هذا المسار كما تضيف مجموعة من الوثائق التي تنضاف إلى تاريخ البلاد.