لا تكن موهوبا، فهذا زمن التافهين! محمد الماغوط

كانت موسيقى الراب قبل الثورة أهم التعبيرات الفنية التي يلجأ لها الشباب للتعبير عن مشاكلهم وحالة الاختناق التي يعانون منها. ولئن كانت الديكتاتورية قد فرضت الرقابة على فناني الراب فإن أغلبهم تمكن من الاستعانة بالتلميح عوضا عن التصريح للخروج من سجن السلطة والإفلات من الرقيب. وهو ما جعل العديد من النصوص تنطلق من الواقع الإجتماعي لتعبر عن مشاكل أبناء الشعب واهتماماتهم. ومحمد صالح البلطي أو باختصار بلطي هيروشيما أو بلطي فقط هو من فناني الراب الذين إتبعوا هذه الإستراتيجية و من الذين برزوا قبل الثورة لا بل لعله الأبرز والأكثر شهرة.

مجموعة “أولاد بلاد” ونوستالجيا البدايات

يعتبر محمد صالح بلطي – المولود يوم 10 أفريل 1980 – من أعمدة موسيقى الراب في تونس، ولكن هذه الشهرة لم تات من فراغ. فمن العاصمة وتحديدا سيدي حسين بدأ بلطي الراب منذ المراهقة لتستمر التجربة مع كل منSton, Kanide, M2O, Tshibo . كانت مجموعة أولاد بلاد من أول مجموعات الراب في تونس والتي بدأت مسيرتها سنة 1997 بمجموعة من الأغاني التي كانت بمثابة مرآة عاكسة لليومي الذي يقضي على طموحات واحلام الشباب كما نلاحظ شجاعة في طرح المشاكل الاجتماعية دون خوف من الرقابة البوليسية في تلك الفترة.

*تيقيرو: على أنغام موسيقى بطيئة وموقعة تشير كلمات هذه الأغنية إلى أحد مواضيع الراب التي تتكرر  وهي الوضعية التي يعاني منها المهاجر في “بلاد الغربة” أين يتحول النص إلى مناجاة وشكوى للأم التي يتوجه لها صاحب النص  بالخطاب منذ البداية إلى النهاية. أما المقطع الذي يتكرر مع خلفية إيقاعية يصاحبها  مزج مع هزات أوتار الغيتار الكهربائي الصاخبة فهو عبارة عن صرخة إستغاثة ونفاذ صبر ” تيقيرو ما ماما ”

أهم اغاني مجموعة اولاد بلاد

لقد تفرق أفراد هذه المجموعة وأصبح بلطي ينتج أغانيه منفردا، كما أن سنة 2002 تعد الانطلاقة الحقيقية لهذا الرابور الذي فرض الراب على الساحة الفنية – التي لم تعتد على هذا النوع من الموسيقى – عبر تسجيله لثلاث اغاني في فيلم “الأمير” للمخرج محمد الزرن منها أغنية الجينيريك. بداية سيستغلها بلطي في التعريف بموسيقى الراب في تونس وفي كسب واستقطاب عدد اكثر من المستمعين والمهتمين بهذا الفن.

2009 … أول البوم وبداية الشهرة

لا يمكن أن نتحدث عن بلطي دون أن نتعرض لأول البوماته. فمن فرقة اولاد بلاد سنة 2000  إلى 2009، تعددت التجارب  وتطورت الكتابة فأصبح لنصوصه طابع       خاص من خلال إعتنائه أكثر بالتراكيب والقوافي كما تغير الأداء وتحسنت تقنيات الإلقاء ليندمج ويصبح في قلب الكتلة اللحنية للأغاني.

*صغري انا : يروي بلطي قصة طفولته وينقل المستمع إلى جو نوستالجي من خلال استعراض الذكريات. والموسيقى الهادئة في الخلفية تضفي رونقا خاصا وتترك أثرا على المستمع. ولعل سر نجاح هذه الأغنية هي بساطة الموسيقى وإنخفاض نسقها مقارنة بصوت بلطي الذي يتحول إلى رابور-حكواتي يشد المستمع لأدق تفاصيل طفولته التي تكاد تكون نفس التجربة التي عاشها اولاد “الحوم الشعبية” في كامل تراب الجمهورية.

*ليام : تفتتح هذه الأغنية على أنغام نوتات بيانو متتالية، ثم يشرع بلطي في إلقاء نصه الذي يبدو قاتما في بعض الأحيان متسما بالطابع الوعظي في أحيان اخرى مشيرا إلى تأثير الزمن على تصرفات البشر ومصيرهم. وهذه الأغنية – مثل جل اغاني الألبوم – نقلت الراب من دائرة المستمعين الضيقة إلى آفاق أوسع عبر إجتناب الكلام الصادم والتركيز على مواضيع تهم الجميع. أنجزت هذه الأغنية مع الفنان مهدي “آر تو آم” الذي يفتتح الأغنية بتكرار عنوان الأغنية على ألحان نوتات بيانو حادة تذكرنا بأجواء موسيقى الريغي التي اعتمدها مهدي في العديد من أعماله.

*رايح وين : على أنغام وإيقاع أغنية “رايح وين” للفنانة التونسية أماني السويسي، يلقي بلطي نصه بأداء رائع في هذا العمل. بهذا الثنائي الذي تفرد بالمزج بين الوتري وموسيقى الراب، إنتقل بلطي إلى مرحلة متقدمة جعلته أول وأشهر فناني الراب التونسيين في تلك الفترة، فقد عمل بذكاء على إيجاد الوصفة الناجحة والطريقة الناجعة لإقحام موسيقى الراب للإعلام والصحافة والمهرجانات الصيفية.

2010 … تأكيد النجاح بألبوم “لوجورنال”

*حياتي : هذه الأغنية هي مواصلة لعرض بلطي لذكريات وتفاصيل حياته ما يلاحظ هو الإيقاع السريع للأغنية مع خلفية لنوتات بيانو محتشمة تتكرر مع دخول بلطي وإلقائه الذي يبقى في خط مستقيم دون أي تغييرات مما يضفي على الأغنية القليل من النمطية.

*مزطول : أشهر الأغاني التي أحدثت ضجة ووقع تداولها بكثافة في تلك الفترة. تفتتح الأغنية باصوات سيارات الشرطة ثم يبدأ بلطي بإلقاء نصه بصوت منخفض لمدة ثواني معدودة “هارب من الحاكم في جرة سواقر تتبرم ناس تشري في السم صاحبي وتجري فيه في الدم ” ثم يعود الصوت متفجرا – كما اعتدناه – للتعبير عن وضعية الشباب الذي يعيش على الهامش نتيجة لتجاهل أصحاب السلطة لمطالبه.  ويسعى بلطي من خلال نصه إلى إبراز المخاطر التي يتعرض لها مستهلك الزطلة كما يؤكد على وحشية المعاملة من قبل البوليس “تقوا عليك البارتي تجبد لعطيتو والي عطاك”

اغاني الالبوم لم يتعرض خلالها بلطي لمواضيع جديدة وإنما كانت نصوصه تتمحور حول المشاكل الاجتماعية وضعية الشباب دون أي إشارة لاستبداد النظام، موقف سيكون سببا في موجة غضب مع بداية الثورة التي لم يحسب لها بلطي اي حساب.

الثورة ورياح التغيير

*ماتلومونيش : حملة الاستهجان واللوم التي طالت بلطي ومقاطعة أغانيه خاصة مع موجة الحرية التي جاءت بها الثورة كانت سببا في ظهور هذه الأغنية في جانفي 2011 والتي كانت بمثابة اعتذار بلطي من الجمهور وهي بطريقة أو بأخرى محاولة للعودة على الساحة بعد الثورة خاصة مع اشتداد المنافسة وظهور فناني راب جلبوا الانتباه وكانوا محط أنظار الجميع حتى خارج تونس كالجنرال مثلا والذي اعتبر رمزا للثورة بعد اغنية سيدي الرئ
عودة البلطي من خلال هذه الأغنية كانت سببا في إثارة سخرية البعض من فناني الراب ومن أبرزهم كوستا الذي رفض اعتذار بلطي ورد عليه بكلاش “متلومونيش كيف غنيت في شعبة ”

لكن ومع تراجع الزخم الثوري، قدم بلطي العديد من الأعمال التي حقق بها نسب مشاهدة مرتفعة وعاد إلى الواجهة رغم اشتداد المنافسة. كما سعى إلى تكرار التجارب الثنائية التي لاقت نجاحا في أغاني مثل “شافوني زوالي” مع اكرم ماغ، “قالولي ما تجي” مع الفنانة الشعبية زينة القصرينية. لقد نجح بلطي في إيجاد طريقة لدمج موسيقى الراب والفن الشعبي فقد قام بأداء اغنية جينيريك المسلسل “من أجل عيون كاترين” صحبة الفنان الشعبي سمير الوصيف ( رمضان 2012 )

من أعماق أحياء سيدي حسين السيجومي، إنطلق بلطي ليعرف بالراب ويتحول تدريجيا إلى أيقونة الهيب هوب في تونس. فبثلاث ألبومات منذ 2009 يبقى هو الأكثر نجاحا وجماهيرية رغم إشتداد المنافسة وظهور أسماء عديدة. لقد بيد أنه سقط في فخ البحث عن الشهرة وتحطيم الأرقام القياسية في أعداد المشاهدة على اليوتيوب فضاعف من عدد الاغاني دون أي بحث لا على مستوى الموسيقى ولا على مستوى النص لا بل إنه توجه في آخر أغانيه إلى الاستعراض على أنغام موسيقى إلكترونية مملة مع نصوص خاوية دون أي معنى.