تعتبر “ميراث” أبرز فرق الروك التونسية المتواجدة على الساحة منذ سنة 2001. فقد سعت منذ البداية إلى التعريف بهذا النمط الموسيقي وانطلقت في إعادة أغاني بعض الفرق المشهورة مثل “سامفوني إكس” لتصل في مرحلة ثانية إلى إنتاج وتلحين أغانيها الخاصة التي لاقت إقبالا جماهيريا لافتا. ورغم محاولات التجديد التي حاولت “ميراث” أن تستثمرها، فإنها سقطت في فخ الإستشراق الذي جعل جل أغانيها لا تخرج عن دائرة النمطية.

من مدينة الزهراء إلى العالمية

إنطلقت الفرقة سنة 2001 بمبادرة عازف الغيتار مالك بن عربية (13 سنة آنذاك) الذي كون مجموعة “إكستازي”  صحبة أصدقائه فهمي شقرون (عازف درامز)، وليد عيساوي (عازف غيتار) ليلتحق بهم فيما بعد زاهر بن حمودية (عازف غيتار باس) والمغني طارق عدواني. وربما كان الإسم الذي إختاره هؤلاء المراهقون في ذلك الوقت ذو دلالة قوية، فقد اهتمت الفرقة بإعادة مجموعة من أغاني البلوز (إيريك كلابتون)، الميتال والداث ميتال وذلك إيمانا منهم أن الموسيقى يمكن أن تحقق نشوة تضاهي أو تتجاوز تأثيرمادة “الأكستازي”المدرة. لقد سعى بن عربية صحبة أصدقاء الطفولة إلى نقل موسيقى الميتال من دائرته الضيقة نحو آفاق أرحب.

وهو ما سيتأكد بعد سنتين، ففي 2003 – ومع قدوم عازف البيانو الإلكتروني والمغني إلياس بوشوشة الذي عوض طارق عدواني – ستحدد الفرقة الطريق الذي ستسلكه وتركز كل طاقاتها على إعادة أغاني فرقة الميتال بروغريسيف الأمريكية  “سامفوني أكس”. والمتمعن في السنوات الأولى من نشأة هذه الفرقة يلاحظ أنها كانت تبحث عن توازنها وتناغم أعضائها، فقد حصلت العديد من التغييرات وإمتدت فترة المخاض الذي سيحدد ملامحها ويُثَبِّتُ مرجعياتها الموسيقية.

كان صدور ألبومهم الأول في مارس 2005 “دوبل فايس” (وجه مزدوج) بمثابة صفعة لمحبي الميتال في تونس نظرا لحرفية التقنيات المستعملة وجودة الصوت والتسجيل. وقد إحتوى الألبوم على 8 أغاني تميزت أساسا بحسن توظيف التأثيرات الصوتية  وهزات أوتار الغيتار الكهربائي بنسق منتظم مع الإيقاعات الصاخبة للدرام

 “مون لايت” ( ضوء القمر ) : تفتتح الأغنية بنوتات خفيفة ومتكررة للبيانو الكهربائي مع خلفية للغيتار باس، ثم يأتي صوت المغني إلياس بوشوشة منخفضا مسايرا للعازفين ليأخذ الأسبقية فيما بعد وينطلق الباس والدرامز في نسق سريع ومتصاعد مع أسطر غيتار متكررة تعطي طابعا مختلفا عن بداية الأغنية.

 “فانتازي وورلد” ( عالم خيالي ) : لعل ما يميز هذه الأغنية هو الدخول القوي وصوت بوشوشة الصاخب إذ نشهد منذ البداية نسقا مرتفعا لكن مع فسح مجال أكبر لعازفي الغيتار اللذان ينطلقان منفردين تارة ومصحوبين بإيقاعات الدرامز ونوتات البيانو الحادة والمتسارعة تارة أخرى.

منذ 2006، سيتغير إسم الفرقة ويصبح “ميراث”. وفي العديد من المقابلات أكد الأعضاء أن المقصود من الإسم هو توظيف الإرث الموسيقي التونسي المتنوع والذي يحتوي على مخلفات العديد من الحضارات التي تتالت على البلاد التونسية عبر السنين، أي أن الميتال سيمتزج مع أنماط موسيقية أخرى وسيكون ذلك علامة فارقة وخاصية تتميز بها الفرقة التي ستقدم أغاني ميتال بروغريسيف مستشرق. وهو ما نلاحظه في أربع ألبومات “هوب” (أمل) سنة 2007، “نداء الصحراء” سنة 2010، “قصص الرمال” سنة 2011 و”ميراث” سنة 2016.

 

 

فخ الإستشراق

لقد نجحت “ميراث” في جلب الإنتباه بأول ألبومين “دوبل فايس ” (وجهين) – الذي وزع في تونس فقط سنة 2005 – و”هوب” (أمل) سنة 2007. هكذا تمكنت الفرقة   توظيف النسق الشرقي البطيء والتركيزعلى التناغم بين الكلمة واللحن مع موسيقى الميتال بصخبها وإيقاعاتها التي تطغى في أغلب الأحيان على الكلمة.

في ألبوم “أمل” نلاحظ التأثر بفرقة “سامفوني إكس” كما أن عازف الغيتار يتحرك ضمن مرجعياته الموسيقية المتعددة والتي تحيلنا على أسلوب عازف الغيتار العالمي “جو ساترياني” خاصة في أغنية “إعتراف”.

كما أن المتمعن في أعمال “ميراث” يستنتج الحضور القوي للجمل الموسيقية لفرقة الميتال بروغريسيف الفرنسية “أداجيو” ذلك أن المنتج ومهندس الصوت في الفرقة التونسية “كيفين كودفار” هو عضو في “أداجيو”. وقد مكن دخول مالك بن عربية الأكاديمية العالمية للموسيقى بمدينة نانسي الفرنسية سنة 2005 وإلتحاق زاهر زرقاطي سنة 2007 بالفرقة من تطوير تقنيات الفرقة وتحسين الأداء غير أن مشاركة هذا الأخير في ستار اكاديمي 6 قد أثارت جدلا في أوساط المتابعين لموسيقى الروك في تونس وفي العالم العربي.

إن ما يميز أداء “ميراث” هو إستنباط جمل موسيقية مع بث نفس شرقي يجعل المستمع في حالة نشوة فهو يتأرجح بين الألحان الصاخبة المميزة لعالم الميتال والإيقاعات المستوحاة من الشرق. وقد سقطت الفرقة في نمطية الإستشراق ذلك أنها ظلت وفية لنمط موسيقي محدد وهو ما يدل على عجز عن البحث الموسيقي. وهو ما يؤكد خروج “ميراث” من دائرة الموسيقى البديلة وإنصهارها في الثقافة المهيمنة.