AP Photo/Christophe Ena

سوية مع الهواء، الأرض و الماء و النار، المال هو القوة الطبيعية الخامسة التي وجب على الإنسان تقديرها في أغلب الأحيان جوزيف برودسكي، كاتب روسي

عادة ما ينظر إلى الديمقراطية على أنها حرية الكلام و التجمع و التنظم و الإنتخاب إلى غير ذلك من الممارسات “الشكلية” المرافقة للفعل الديمقراطي. و لكن  دون النظر إلى الدور الحاسم للمنظومة القيمية و المرجعية التي يمكن من خلالها النظر إلى العلاقة بين السياسة و الحزب و الشعب في سياق تكوين مجال سياسي ديمقراطي حديث، و الأهم دور رأس المال كلاعب “ديمقراطي” حداثي في حقبة ما بعد الإستبداد و العهد “الديمقراطي الجديد” .

الإسقاط الأنثروبولوجي و الإستقواء “بالجماهير”

لا يمكن فهم السياسة بعد الثورة في ثلاثية الدولة و الحزب و الشعب إلا من خلال قولة كلود ليفي شتراوس “لا شيئ يشبه الأسطورة أكثر من الآيديولوجيا السياسية المعاصرة “. لم تفهم السياسة في تونس نظرا لافتقار أو لنقل الإفقار الذي تعانيه المدونة السياسية على أنها صراع وفق معايير “مدنية” و سلمية في علاقة بالخصوم و السلطة، و لكنها فهمت من منظور الإستدعاء المشحون للعناصر الأسطورية المكونة لوعي النخبة الحاكمة على أساس أنها ممارسة العنف الجماهيري ضد الخصوم. أوصلت الممارسة الإنتخابية في أكتوبر 2011 قوى سياسية ذات معايير أخلاقية و سياسية مختلفة تقوم ممارستها على ثنائية الأسطورة و الجماهير. ما قام به النظام القائم هو ممارسة عسف شديد على الجمال السياسي حديث التشكل عبر ممارسة إسقاط أنثروبولوجي سافر عبر رمي المناوئيين بالعداء لله !

من الطبيعي أن يتم نقل هذا التصور العنيف للسياسة للجماهير التي منحت بكل حماسة تفويضا للإسلاميين للحكم. هناك صورة شديدة الرمزية لهذا تجلت عندما صرح قيادي بارز في حركة النهضة في شارع الثورة -الحبيب بوڨيبة- أن من يناوئ شرعية الإسلاميين في الحكم سوف يُستباح في الشوارع و سط تهليل و صيحة ” الله أكبر” مع رفع السبابة كرد رمزي صاخب و حماسي على الشكل العنيف من السياسة. على ما يبدو كان نقل السياسة للجماهير عبر الإسلاميين سوى دفع المكبوت العنيف لينفلت من عقاله و شيكا على بياض من أجل تحويل هذا الخطاب إلى ممارسة حقيقية في الشارع. بالرغم من تحمل الجماهير للإستتباعات الأخلاقية للمارسة العنيفة ضد النخبة و الشعب و لكنها لا تتحمل البتة المسؤولية السياسية لتحويلها لعنف منظم ميليشياوي ضد الخصوم السياسيين كرابطات حماية الثورة مثلا .

النظام القديم و الوقوف ضد توريث الهيمنة

لوبيات المال التي كانت تشكل الهيكل السلطوي لنظام بن علي اهتزت و قبلت مرغمة بانتقال “ديمقراطي” سلمي بحكم الظغط الشعبي الجارف عشية الثورة. و لكنها ظلت تشكل عصب الإقتصاد و الماسك الفعلي بخيوط تكوين المشهد الإجتماعي المهيمن. يرى مهدي عامل أن الدولة كجهاز فوق المجتمع تسعى دوما لإدامة السيطرة البورجوازية على المحتمع تنحو لتحويل السياسة لفعل هو نفسه فعلا متعاليا عن المجتمع، أي فعلا أيديولوجيا زائفا يغطي الصورة الزائفة للقوى الحقيقية المهيمنة مجتمعيا. المهم في هذا قاعدة تقول أن التضاد الإجتماعي يأخذ طابعا ذاتيا محددا طبيعة الصراعات القائمة. الإسلاميون الحكام الجدد يعون جيدا أن تدعيم الحكم يحتاج إلى تدعيم القاعدة الجماهيرية، حراس الهيكل الحقيقيين الذين يحب أن يظلوا دائما تحت تأثير الدعاية الأسطورية المشكلة لخطاب الإسلام السياسي. و لكن الأهم هو خلق ميراث اجتماعي لقوى الهيمنة التقليدية التي تسمى الدولة العميقة. كان العفو التشريعي العام و السعي لاستمالة رجال أعمال نافذين و خلق هدنة مع نافذين آخرين التكتيك السياسي الأبرز من أجل امتلاك كل مفاتيح السلطة في البلاد .

لهفة الإسلاميين للحكم و النشوة البلهاء في جانب منها و تصور أن التفويض “الشعبي” دائم بل نهائي جعل عملية ميراث السلطة سريعا و متشنجا و مثيرا لمخاوف النظام القديم الذي وجد نفسه في خطر تسليم كل امتيازاته بدل تقاسمها معهم. هذا ما حدى بالقوى النافذة القديمة لتكتل من جديد من أجل فرض التوافق على الحكام الجدد عديمي الخبرة .

أشكال شتى تبين أن الصراع السياسي التونسي يتحرك وفق ما ترسمه قوى تستعمل كل الأسلحة من الجماهير حتى شراء البرلمانيين لبعض من مكنهم الجاه الإجتماعي من التحول إلى محددين في المشهد السياسي باعتبار أن قوانين اللعبة تتحدد وفق معايرهم الإجتماعية. تصريح رجل الأعمال شفيق الجراية الذي تحول بعد الثورة إلى فاعل سياسي بارز داخل الصراعات المبنية على النطاح السياسي عديم الأخلاق لم يكن خبرا مثيرا للكثيرين عدى بعض الإستهجان و السخط الخفيف في وسائط التواصل الإجتماعي، فكل ما قاله أكثر من أنه صحيح و معترف به ضمنيا واضح وضوح الشمس لدى الفاعلين الكبار في البلاد عدى كونه حسب رأيهم ربما قد يجرح المشاعر المرهفة للسياسيين الذين تم وصفهم “بكلابه ” و “كلاب” رجل الأعمال كمال لطيف حسب تصريح شفيق الجراية.

في المقابل، لا يمكن أن يثير هذا التصريح بالنسبة للجماهير المحتشدة على الجانبين سوى مشاعر الحماسة لأنه في نهاية المطاف تعبير مطابق للمعايير التي تشربتها عن السياسة التي لا تختلف حسب وجهة نظرها عن معركة بالهراوات في أحد أزقة الأحياء الشعبية. بدا هذا واضحا في التعليقات الحاصلة على نشر شفيق جراية الخبر بكل فخر على صفحته الرسمية التي ترواحت بين التصفيق و الدعم من منطلق جهوي أو السباب و القذف. أما الشغب المنهك من هذه اللعبة عديمة الرحمة فيقبع خارج الملعب غير مهتم بالسياسة التي تزيد من طحنه تحت ماكينة ملاحقة الخبز اليومي المأساوية. إنها لعبة تقوم على تحويل السياسة إلى بازار كبير في حي شعبي فقير .