إننا نواجه اليوم حقيقة مرّة في طعم العلقم. حقيقة أصبح الاعتراف بها أمرّ من وجودها نفسه. لقد أصبح الفساد في تونس سياسة دولة وثقافة مجتمع. بدأت هذه الثقافة في آخر عهد الزعيم المرحوم بورقيبة الذي كان على عيوبه وأخطائه كلّها زاهدا في الثّروة معرضا عن المال. وقد كان ذلك الإعراض وذاك الزّهد سبب احترام أشدّ قطاعات النخبة التونسيّة معارضة له بمن فيهم الإسلاميون وهم أكثر كارهي نظامه وأكثر المعرضين عن أفكاره وأشرس الرافضين لمشروعه. لقد كان ترفّع بورقيبة عن الكسب والثّروة مردودا لثقافة واسعة واطّلاع ثاقب مع نفس مترفّعة وعقل كان يرى أنه يحمل مشروع شعب وبرنامج دولة لصنع تاريخ جديد تصغر أمامه كل الاعتبارات الماديّة. لقد كان ذلك الزّهد هو الذي ردّ كثيرا من وزراءه ومن بينهم ابنه نفسه عن الإثراء ومحاولة استخدام السّلطة طلبا للثّروة. ومع الإطاحة الغادرة بحكمه انقلبت ثقافة الدّولة انقلابا كاملا. هذا الانقلاب الذي بنى ثقافة جديدة في السّياسة والإدارة ندفع اليوم ثمنه جميعا فسادا وإرهابا وفقرا وبطالة وإحباطا وكراهيّة.

فقد وضع الإرهابي بن علي ونظامه البغيض مع بقيّة أعوانه من سلالة الفساد أسس الإدارة الفاسدة للدّولة. ويخطئ كثير منّا خطأ رهيبا حين يظنّ أنّ إجرام بن علي يقف عند قتل أولادنا وتهجير نخبنا وسرقة أقواتنا. فقد كانت كبرى جرائمه إشاعة الفساد فكرا وخلقا مع جعله ثقافة دولة وطبع مجتمع بإعطاء المثل وإقامة النّموذج بسيرة شخصه المقرف [كما وصفه وزير خارجية فرنسي سابق] وفي سلوك عائلته الفاسدة باستخدام السّلطة للإثراء السّهل واغتصاب ما في أيادي الناس وقهرهم على أعمالهم والطمع في مصادرة غلّة جهدهم بغير حقّ. هذه هي الثقافة التي تحكم اليوم العقل التونسي مع عميق الأسف ولا تزال تدير الحياة عندنا سياسة واقتصادا وإدارة واجتماعا. فلا تخدعنّنا بعض التحاليل السطحيّة والمغرضة التي سمعناها بعد هروب الطّاغية والتي مع غبائها المرَضيّ تريد وبخبث شديد أن تقنعنا بأن المشكل كان في شخصه وفي عائلته وحدهما. فلا يفوتنّنا أن لنظام بن علي أعوانا وحرفاء وزبانية لا يزالون بيننا. بل إن البعض منهم جزء من النّظام الذي يدير حياتنا في اللحظة الحاضرة. فلست ممن يعتقدون سذاجة أنّ بن علي وحده كان المسؤول عن تدميرنا فكثير من أعوانه لم ينفكّ إلى اللحظة الحاضرة يسهم في حكمنا بنفس ثقافة بن علي التي كانت ولا تزال تكرهنا وتحتقرنا وتتلذّذ بقهرنا وتتشفى في ظلمنا. والمحزن في المسألة نفسها أنّنا قانونًا وسياسيةً عاجزون اليوم تقريبا وبشكل شبه كامل على ردّ شرّهم مع وعينا العميق وهذا سرّ آخر من أسرار مأساتنا بسوء نيّتهم وخبث طويّتهم ورغبتهم النّهمة في العود بالسّلطة إلى سيرتهم الأولى. لقد نجحوا في الإفلات من عقاب عدالة ديمقراطيّتنا الانتقاليّة لأنهم وضعوا قبليّا وبمنتهى الخبث أسس عجزها القانوني والمؤسّساتي والإداري حين كانت دواليب الدّولة بين أيديهم. فحموا بذلك أنفسهم من تغيير كانوا يوقنون بقدومه. فقد كانت الدّولة نفسها في عهدهم فاسدة. ولا تستطيع الدولة الديمقراطيّة مقاومة الفساد بقوانين الدّولة الفاسدة التي سبقتها.

ثمّ جاء تردّد الترويكا وعلى رأسها النهضة مع قلة خبرتها في الإدارة وضعف حنكتها السّياسيّة فزادت في تعفّن هذه الحالة بأن أسبغت الشرعيّة برداءة أدائها وبحسابات ثمن وجودها على الفكرة القائلة بأنّ نخبةً سياسيّةً مجرّبةً وإن كانت فاسدة أفضل من أحزاب سياسيّة غِرّة وبلا تجربة وحاملة لمشروع رجعيّ ومتخلّف وإن كانت نظيفة الأيادي. فإذا بشعبنا يجد نفسه كالمستجير من الرّمضاء بالنار. أمامه خياران الواحد فيهما أسوأ من الآخر. فإمّا نخبة الفساد المجرّبة مع ثقافة الاستعلاء التقليديّة التي تصحبهما وإما رداءة الحوكمة وفشلها مع ثقافة الانغلاق والتطرّف المصاحبة لمشروع النهضة طبيعةً والتي وإن لم تشجع الإرهاب المتأسلم صراحة وإن لم تسهم فيه مباشرة فقد خلقت بسذاجة حينا وعن قصد أحيانا مناخا ناسبه وحضّه على النمو والانتظام والتغوّل. وقد كان في ذلك بعض مظاهر عدم النّضج السياسيّ ودلالة على ضعف الاستشراف الاستراتيجيّ لدى النّهضة عند أوّل عهدها بالحكم. بل اكتملت الكارثة بعد الانتخابات الأخيرة بأن التقى الخطّان فاستولى بعض من رموز النّظام القديم وكثير من السّاسة المحدثين الحاملين لثقافتهم على شرعيّة نداء تونس الإيديولوجيّة ونسبوها لأنفسهم بطرد وجوه اليسار القديم منه ورضيت النّهضة بدفع الثمن الذي فرضوه عليها مقابلا لبقائها. فكانت النتيجة هذا التوافق المنافق الذي يتربص كلّ طرف من طرفيه بالآخر ويتصيّد أخطاءه استعدادا للمعارك الانتخابيّة القادمة. فهل من إفساد أخطر من هذا الإفساد. هذا التوافق المكذوب الذي وضع مصالح البلاد العليا جانبا وآثر عليها المناكفات الحزبيّة والمزايدات الايديولوجيّة. هذا التوافق الذي تدل المؤشّرات كلّها على أنه يسير بنا إلى مهلكة مؤكّدة بدأت نذرها تظهر مع ثورة الشّباب في الجنوب والتي تحمل في داخلها نذر مصيبة قادمة مهما كانت طبيعة التعامل معها.

ولا يغرنّكم يا أهل تونس ما تسمعونه من تعاريف الفساد. فليس للفساد معنى واحدا. فهو متعدّد المعنى مختلف الوجوه متنوع الصّفات. لكن أخطر ما فيه تحوّله إلى ثقافة دولة وسلوك مجتمع. وليس الفساد التقاء سلطة المال بمال السّلطة ولكنة يتجاوزه عندنا إلى مظاهر أخرى تتزامن فيها القيم الديمقراطيّة ونقائضها. فهل سمعتم بدولة تحارب الفساد بأحزاب حاكمة يموّلها نفس الفساد الذي تحاربه. فبعض ممن أوقف بشبهة الفساد أخيرا كان من أكبر ممولي الحزب الحاكم. ومما يزيد الأمر غموضا وبلبلة أنّ التهم الموجّهة إليه لا علاقة لها بالشعار المعلن أي بمقاومة الفساد المالي إذ هي تهم تخصّ الخيانة العظمى وتهديد الأمن القوميّ. وهل سمعتم بدولة تحارب الفساد وتسعى في التصالح مع المفسدين قبل أن تحاسبهم. وهل سمعتم بدولة تحارب الإرهاب وأحد أكبر أحزابها نشر ثقافته ومهد لانتشار أيديولوجيته بل يحمل في تركيبه العقائديّ أسسه الفلسفيّة وتعاطفا صريحا ومعلنا مع فكرته. فمن الغريب أن تدعم النّهضة الجهاد في سوريّة وفي ليبيا وتحضّ ولو بشكل غير مباشر شبابنا على الانخراط والمشاركة فيه ثم تدّعي مقاومة الإرهاب ومساندتها لقواتنا المسلّحة عندما يرجع نفس ذلك الجهاد أو بعض من أطرافه ليقتل أولادنا من المدنيين والعسكر والأمن الداخلي. ورغم أنه لا وجود لدليل على فساد مالي عند النهضة إلا أنّها قد أفسدت فينا بطريقة أخرى.

إنّ من قال أنّ دولة الفساد قد سقطت قد كذبنا ولم يصدقنا في قوله. على العكس تماما، لقد نما الفساد وتطوّر وانتشر بل تعدى المجال الاقتصادي ليظهر بوجوه أخرى في باقي مجالات حياتنا الاجتماعيّة والسياسيّة. والغريب المستغرب أنه استطاع أن يتأقلم مع الديمقراطيّة إلى حد أنه أصبح يستخدم وسائلها ليكبر وينمو ويعبّر عن نفسه ويدافع عن شرعيّة وجوده وفي وقاحة بلغت منتهاها. فمن مفارقات الأمور أن فسادنا اليوم ديمقراطيّ وديمقراطيّتنا فاسدة. تعايش غريب ووجود مشترك أعجز أصحاب الفهم وأذهل درّاس السياسة. لقد صار الفساد في تونس ثقافة دولة وديدن مجتمع. هذه الحقيقة المرّة التي يجب الاعتراف بها. كلّنا جميعا فاسدون إمّا مباشرة بالاشتراك في الفساد أو بشكل غير مباشر بالسكوت عليه وتبريره والتستر على أهله أو حتى بمجرد إبداء العجز في مواجهة صلف سلطانه. فالنتيجة في النهاية واحدة.

فهل سمعتم بدولة ديمقراطيّة لا يزال التعذيب يمارس في أقسام شرطتها. هل سمعتم بدولة ديمقراطيّة يرقّى فيها ضباط الشّرطة التي قتلت أولادها وزهرة شبابها ترقيّات استثنائية للإفلات من العقاب فتبرّؤهم محاكمها. بل لم يبق لأبنائنا من جرحى الثّورة ومن عائلات شهدائها إلا أن يطلبوا منهم الصفح والمغفرة على هذه الوقاحة التي أبدوها لمعرفة من أسال دماءهم ولتحديد المسؤول عن تدمير حياتهم. بل أدهى من ذلك وأمرّ هل سمعتم بديمقراطيّة يستقبل فيها الرئيس المنتخَب في القصر الذي بناه الشّعب المنتخِب متهمًا بارتكاب جرائم تعذيب بعضها يرقى إلى جرائم ضد الانسانيّة مطلوب من قضاء الدّولة التي يعتبر الرئيس المستقبِل رأسها القانونيّ والضامن للسير الدستوري لمؤسّساتها والمسؤول الاوّل عن أمنها المواطنيّ والقوميّ.

وهل سمعتم بديمقراطّية يصبح رجال أعمال بلا ثقافة ودون تكوين فيها رجال سياسة لمجرّد أنّهم أثرياء يموّلون أحزابا ويتقربون منها بل ويرأسونها. حين ترون ذلك فأيقنوا أنكم في دولة فساد. فكلّما التقى المال والسلطة إلا أفسد الواحد منهما الآخر. وانظروا في سيرة الرئيس الأمريكي ترامب الداخليّة. فمنذ أن وصل إلى السّلطة والأخطاء الدّالّة على رداءته تتالى الواحدة بعد الأخرى. لكن ترامب على رداءته الشخصيّة يحكم دولة ثقافتها الديمقراطيّة عتيدة سويّة ومؤسّساتها راسخة قويّة لها القدرة على تصحيح ما قد يفسده. أمّا نحن فلا ثقافة ولا مؤسّسات ديمقراطيّة قد تحمينا من سطوة المال إن هو تحالف مع السّياسة أو هي تحالفت معه.

وحين يصبح حفل زواج “صحفي” من الدرجة العاشرة، فضلا عن رداءته الصريحة هو متطفّل أصلا على الصحافة، محجا لرجال السياسة بكلّ أطيافهم يحجون إليه زرافات وأفرادا فاعلم أنك في دولة فاسدة. فالفساد لا يخص الإثراء الشّرعيّ بل يعني كذلك التلاعب بأدوات إدارة الشأن السياسيّ وتوجيه آليات التنافس على السلطة وأدواته. وهنا للإعلام دور يلعبه في التأسيس لفساد السّياسة الخادم في ذاته لفساد الاقتصاد. تلك حلقة الرّعب التي تحكمنا اليوم وتتلاعب بمصير بلادنا ومستقبل شعبنا. فقد تعلّمنا في أقسام العلوم السّياسيّة الغربيّة وعلّمنا طلبتنا من بعد ذلك أن الإعلام في الديمقراطيّة قبل أن يكون سلطة رابعة مراقبة هو آليّة صنع الرأي العام فإن كان فاسدا في ذاته فمن الطبيعي أن يفسد الرأي الذي يصنعه وتفقد رقابته كل معناها. فبعد رقابة بن علي وسيطرتها على الإعلام تلقفه رأس المال الفاسد المتحالف مع طلاّب السّلطة فأفسدا بذلك معا ديمقراطيّتنا الوليدة. فلا فرق بين الإثراء غير المشروع ومغازلة الصّحافة لصنع رأي عام حليف لهذه الجهة السياسيّة أو منافر لتلك. فكلّ حلف من هذا النّوع سواء كان بين رجل السلطة ورجال المال أو بين أهل السّياسة وأهل الصّحافة أو بين الثلاثة حلف فاسد بطبيعته أو حلف سائر نحو الفساد قطعا لأنّه من دون شكّ قائم على عمليّة تبادل للمصالح واقعة آنيّة حاصلة أو محتملة مؤجّلة قادمة.

وفي السياسة كل عمليّة تبادل للمصالح لا ترجع بالفائدة إلا على أصحابها فساد مؤكّد صريح. فإن تنظروا من حولكم فلن تروا إلا أحلافا من هذا النوع وعلى تلك الشاكلة. فنحن دولة كثيرٌ من لصوصها يحملون لقب رجال أعمال. وبعض من قتلة أطفالها برتبة عمداء وجنرالات. وجمعٌ من مرتشيها يسمون موظّفين كبار. والغالب من مخبريها المنافقين المتملّقين المطبّلين يسمون أنفسهم صحافيين. وزمرة من حلفاء مهربيها ضباط جمارك. وأغلب أئمة مساجدها رقباء على الضمائر وشرطة أخلاق. وكثرة سياسييها إمّا شهداء زور أو شهداء عجز على هذا كلّه. نقول هذا دون الغفلة عن اجتناب التعميم الجائر ودون التسوية الظّالمة بين هؤلاء على قلّتهم وأصحاب الضمير ممن هم عكس ما نظن كثر لكنّهم في مثل عجزنا أمام تلك الطّغم الفاسدة وهؤلاء الفسدة المفسدين.

وحين يلتقي الفساد مع الرّداءة فلا يمكن أن ينتج عن لقائهما إلا التخلّف. ومن تعاريف التخلّف أنّه سوء استخدام الموارد الماديّة والبشريّة. وقد أسأنا استخدام الاثنين. فهل يعقل مثلا أن يحكم بلد أنجب بعضا من أفضل عقول القانون في العالم بنظام سياسي ضبابي سقيم بلا ملامح واضحة سهلٌ التلاعب به غير مستقرّ بل صعبٍ حتى على التصنيف كالذي يدير شأننا اليوم. فالبلاد التي أنجبت قامات في علم القانون لها صيت وبها اعتراف دوليّ كعياض بن عاشور وسليم اللّغماني والصّادق بلعيد والحبيب المزغنّي وأمين محفوظ وقيس سعيّد يكتب دستور جمهوريّتها الثانية نكرات أغرار لم نسمع عنهم قطّ فلا نعرف لهم صيتا ولا قرأنا لهم في القانون أو في غيره مؤلّفا. فهل من سوءٍ في استخدام الموارد البشريّة أفظع من هذا السّوء. فقد وضعنا هؤلاء الساسة الهواة المبتدئين بهذا النّظام السياسيّ الهجين وبنظامه الانتخابي السّقيم في هذه الحالة التي يعجز فيها المواطن صاحب حق الانتخاب عن استخدام سلطته في مجازاة المجتهد ومعاقبة المخطىء إلى حد غلب فيه الرأي بغياب بدائل أفضل من الطبقة السّياسيّة الموجودة. وهذا الإحساس هو سبب الإحباط المعمّم واليأس الجامع عند شعبنا كلّه لا سيما عند الشباب منه. فكل من هم في السّلطة اليوم مع استمتاعهم بما يصاحبها من امتيازات وبهرج يتنصّلون من المسؤوليّة فيلقي الواحد منهم باللائمة على الآخر إلى حدّ أنّك حين ترى وضع البلد ثم تسمع منهم خطابهم لا تفهم من الذي أوصلنا منهم إلى هذه الحال البائسة. وأفضل دليل على ذلك هو هذا الحلف المغشوش وهذا التوافق المنافق بين النّهضة والنداء. فلم أسمع وقد قضيت من عمري شطره الأكبر أدرس السّياسة وأدرّسها عن حلف سياسيّ تتربّص بعض أطرافه بالبعض الآخر ويتصيّد الجزء منه أخطاء الجزء الآخر ويتنصّل الجزء فيه من مسؤوليّة الكلّ إلى حدّ أن عمليّة الإدارة ومسار الحوكمة كلّه تحوّل من عمليّة تسيير للدّولة ودواليبها لخدمه مصالح الوطن والمواطن إلى حملة بل حملات انتخابيّة مبكّرة دائمة مستمرّة لأحزاب الائتلاف غير المؤتلفة قلوبهم. فما سمّوه كذبا وزورا ومخادعة حكومة وحدة وطنيّة ليس له من تلك الصّفة شيءٌ وعلى الإطلاق. فكما ترون مرأى العين وفي كل لحظة بدل أن تلتفت مكونات الفريق الحاكم إلى حل مشاكل الدّولة استدارت العيون كلّها إلى الانتخابات القادمة تستعدّ لها بضرب حليفها المفترض في الحكم والذي هو في الوقت نفسه خصمها الانتخابي المقبل في مقتل. فإن لم يكن هذا فسادا فبالله عليكم أروني ما هو الفساد.

وهل سمعتم بدولة ديمقراطيّة تدافع أحزابها عن سياسات دول أجنبيّة وتنتصر لمواقف أحلاف إقليميّة فتزكيّ خياراتها وتدفع للاصطفاف معها وتحضّ على التّعاون معها ودعمها حتى ولو كان ذلك التعاون متناقضا مع مصلحة وطنها العليا أو على الأقل لا مصلحة فيه لبلدها بل قد يكون مهدّدا لأمنها القومي. وقد عاينتم بلا شكّ انشطار النخبة السّياسيّة وانقسامها على نفسها وتناقض مواقفها في شأن الأزمة الخليجيّة الأخيرة. فقسم منها بمن فيهم أطرافها في السّلطة يقفون داعمين للمحور التركي القطري وقسم آخر منتصر للمحور السعودي المصري الإماراتي. وكلّها مهاترات إيديولوجيّة خالصة بلا معنى ودون فائدة ترجى. فبالنسبة لنا لا خير لا في هذا الحلف ولا في ذاك. فكلاهما يسعى إلى التدخّل في شؤوننا لصنع ما يخدم مصالحه وفرض ما يؤاتي هواه ويسهّل برنامجه الإقليميّ. وقد أثبتت التجربة التاريخيّة لا سيما الحديث منها أنه لا أخطر على الشّعوب من تدخّل الإيديولوجيا والهوى الدّغمائي في القرار السّياسيّ وقيامهما منه مقام الاستراتيجيا والقراءة الصحيحة لموازين القّوّة وتراتب المصالح. بل إن إقامة الإيديولوجيا بدغمائيّتها الانفعاليّة العاطفيّة وبعماها السياسيّ اليوتوبي مقام الاستراتيجيا بتخطيطها العقلانيّ الواضح واستعدادها المستقبليّ السليم لهو أفظع أشكال الفساد والإفساد.

إنّ الفساد يكبر وينمو وتربح تجارته حين يغيب المشروع السّياسيّ والاجتماعيّ السّليم والواضح. إنّ غياب المشروع الجماعي هو في الغالب سبب استشراء الفساد في كل المجتمعات مع ما يصحبه من تسيّب وفوضى وعدم غيرة على المال والملك العام والحياة العامّة. وهذه بالضبط حال تونس اليوم. نحن مجتمع بلا مشروع. وهذا هو الطابع المشترك بين الحياة السّياسيّة قبل انتفاضة 2011 وبعدها. فبسبب غياب المشروع كان استبداد بن علي ديمقراطيّا بمعنى أنّه استولى على الحكم بالانتخاب ولجم حريّة التعبير بالإعلام وأفسد في الاقتصاد بقانون الدّولة ومؤسسات إدارتها. ومن هذا الوجه لا تختلف عنه الديمقراطيّة التي عوضته اختلافا كبيرا. فعلى إرث استبداد بن علي الديمقراطيّ بنينا مع عميق الأسف ديمقراطيّة فاسدة. فعوّض فساد المؤسّسات فساد الأفراد. والمؤسف والخطر في الوقت نفسه أنّنا كنّا قبل 2011 لا نقبل فساد الأفراد بل ثرنا عليه وبذلنا الدّم للتخلّص منه لكنّنا على ما يبدو قبلنا فساد المؤسّسات فاستأمنّاه ورضينا بالعيش معه. فكيف نفسّر مثلا هذا الصمت المطبق وهذا العجز الكامل عند النّخب السياسيّة كلّها وعند المواطنين جميعا وهم يرون الرئيس السبسي يحوّل إجراءًا ما هو نظريًّا نظام سياسيّ برلماني مشترك إلى نظام رئاسي بل رئاسويّ شبه خالص بمباركة الشّريك والمعارض معا وفي الوقت نفسه. فالنصوص الدستوريّة اليوم عند حكّامنا الجدد لا تساوي الحبر الذي كتبت به إذ أنّنا نرى منذ الانتخابات الأخيرة ومنذ رحيل الحبيب الصيد خصوصا مرأى العين أن مؤسسة الرئاسة قد استولت فِعلاً على ما لا يسمح به الدستور نظرًا. فالجميع يعرف أن الجالس على كرسيّ الرئاسة في قرطاج هو صاحب القرار السياسيّ الحقيقيّ القابض على ناصيته المتحكّم فيه تحكّما كاملا وليس للشّاهد رئيسا للحكومة معه أيّ قدرة على الاستقلال بالقرار في ممارسة صلاحيّاته الدستوريّة الواضحة بل هو تحت وصاية السبسي وصاية كاملة. ولقد عُلِّمنا فيما تعلّمناه أنّ تجاوز الدّولة وأعوانها لقوانينها شكل من أشكال الفساد بل هو أخطرها. ولنا أن نسأل في السياق نفسه كيف نفسّر سكوت النخبة والعامّة معا عن كل هذا التأخير في تنصيب المحكمة الدستوريّة وتتميم بناء أركانها على خطورة دورها في سير النّظام الجديد. وكيف نفسّر قبول كل هذا التأخير في الإعداد للانتخابات البلديّة مع حاجتنا العاجلة لها. فتأجيل بناء المؤسّسات الدستوريّة المستمرّ مع كل هذا التردّد الدائم والتلكؤ القائم في تركيزها دليل على حسابات سياسيّة آنيّة تخصّ أهل السّياسة وحدهم ولا نظر فيها لصالح الوطن والمواطن. وهذا كذلك شكل من أشكال التفكير السّياسيّ الفاسد.

وأمام هذا الوضع العفن يقف قضاؤنا حائرا منقسما على نفسه رغم حسن نواياه عموما. ومع تشظيه الإيديولوجي النابع من التشظي الإيديولوجي العام وجد القضاة أنفسهم أمام أخطر مفارقات وضعنا الانتقالي الذي يكاد لا ينتهي. فمع تقادم منظومة القوانين ونصوصها ومع بطء المشرّعين الجدد في وضع قوانين جديدة تمكنّهم من النظر في المشاكل الطّارئة لم يستعدّ لها المشرّعون القدامى وجد القضاة أنفسهم مسؤولين عن تغيير وضع لا يملكون الأدوات القانونيّة لتغييره. فيطلب منهم حماية مناخ ديمقراطيّ بقوانين دولة الاستبداد. وتنهال عليهم مطالب الحسم والحزم في حماية الشّفافيّة ومقاومة الفساد وبين أيديهم نصوص قوانين موروثة عن دولة الفساد والإفساد لا تسعفهم بما يريدون وبما يراد منهم. ولعلّ أفضل مثل على هذا المأزق المفارق الذي يتخبّط فيه قضاؤنا من دون جرم هو سجن الشّبان المفطرين الأربعة في بنزرت. ولا تعنيني في هذا المقام الاعتبارات الأخلاقيّة فمبلغ العلم وغاية النظر عندي الوقوف عند تناقض القوانين الفرعيّة مع أصلها الدستوري والذي من المفروض أن يكون غالبا عليها متحكما فيها لا غالبة عليه متحكمة فيه. فقد سجن هؤلاء الشباب لعدم احترامهم لطقس ديني في دولة يحمي دستورها صراحة حريّة الضّمير. وذلك التناقض شكل من أشكال الفساد الديمقراطيّ.

هذه حالكم يا معشر التونسيين وصفتها لكم كما أراها من منفاي الكندي البعيد. لقد أضاعت النخبة السياسيّة الراهنة علينا كثيرا من الوقت والجهد إلى أن أصبح الانتقال الديمقراطيّ نفسه في خطر محدق بسبب فساد العقل وفساد العمل. ولا أظنّني قد بالغت زيادة ولا نقصانا. ولا تنتظروا منقذا لن يأتي لأن زمن المهدي المنتظر قد ولى واندثر. فالشعوب التي أرادت الحياة اليوم قد أخذت مصائرها في أيديها واعتمدت على نفسها وسلّمت أمورها للمقتدرين من أبنائها دون النّظر إلى ألوان بشرتهم أو ميولهم الفكريّة والايديولوجيّة ولا إلى معتقداتهم الدينيّة. وقد يكون من المؤلم أشدّ الإيلام أن يكون عدد كفاءاتنا المهاجرة ذات المستوى الدّوليّ في شتى بقاع العالم مرعبا تستفيد منه الدّول التي يقيمون فيها مع المنظّمات الدّوليّة التي تموّلها وقد عاينت ذلك بنفسي معاينة العين في حين يتخبّط بلدهم في بحر من الرداءة ومحيط من العجز وأنهار من عدم القدرة ومستنقعات من ضعف الكفاءة. فانظروا يا أهل تونس إلى من تسلمون أمركم في الانتخابات القادمة. فلقد آن الأوان لطرد تلك الرؤوس المشتعلة شيبا من الحياة السياسيّة إن هي رفضت أن تغادرها من نفسها. فلم يعد هذا الزمان زمنها ولم تعد هي من أهله. فلا هي تسمع لشبابنا ولا هي تفهمه ولا هو مهتم أصلا بالإصغاء إليها ليقينه الكامل وظنّه القاطع بعدم قدرتها على أن توافيه بما يحبه وأن تسعفه بما يرضاه. وهذا مع الأسف الشّديد أحد أسباب إعراض شبابنا عن السّياسة وإشاحة وجهه عن أهلها. وليس أخطر على الشّعوب من عدم تسيّس شبابها. فالشباب هو القوّة الدافعة لتغيير العقائد وتجديد الأفكار وتطوير الأمم. وقد حان الوقت بل تأخّر أيّما تأخير للاستثمار في جيل جديد من السّاسة يكونون أبناء هذا العصر وممن يفهم لغته وقيمه وعلاقات القوّة الجديدة فيه. يفهمون شبابنا حين يخاطبهم. ويفهمهم ويصبر عليهم حين يتواصل معهم. ألا هل بلّغت. اللهم فاشهد.