بقلم عبد الواحد اليحياوي،

يمكن ان يكون الجحيم في الشفافية . وليم ماكبيس تاكري

بعد أن كان مجرد حليف للسلطة السياسية من خلال بناء شبكة لتبادل المنافع تحول الفساد بعد الثورة مستغلا ضعف الدولة إلى فاعل سياسي ينافس على القرار السياسي بهدف منع أي حرب ضده، و مواصلة تحقيق مصالحه لذلك أصبح للفساد أحزاب سياسية و نواب و وزراء.

و لأن الفساد أصبح منافسا سياسيا على الدولة، كان لابد لهذا التنافس أن ينتهي إلى حرب، و لكنها حرب ملتبسة مناطقها غير واضحة للتداخل بين الدولة و الفساد كل السنوات الفارطة، و تحول الفساد إلى مؤسسة داخل الدولة مما جعل رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد يصرح بأن الفساد أخطر من الإرهاب.

كانت تصريحات الحبيب الصيد أقرب إلى إعلان هزيمة أمام الفساد، و هي الهزيمة التي كان يمكن أن تمثل ميراثا لخليفته رئيس الحكومة الحالي لولا دخول فاعل جديد على الخط و هو صندوق النقد الدولي بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية و انعكاس ذلك على المالية العمومية إذ كان من اشتراطات الصندوق مقاومة الفساد و سن مدونة قانونية من أجل ذلك بما في ذلك قانون حماية المبلغين عن الفساد .

لئن بدأت المفاوضات بين تونس و صندوق النقد الدولي منذ حكومة السيد الحبيب الصيد فانه كان واضحا أن حكومة الشاهد جاءت لتنفيذ السياسات التي وضعها الصندوق لتونس.

يمكن القول أنه مع حكومة الشاهد تغير المشهد السياسي و حتى الدستوري، لأن حكومة الشاهد جاءت لتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي و ليس أي من الأحزاب الفائزة في انتخابات 2014، و كأن الصندوق هو الحزب السياسي الفائز في الانتخابات و الحزب الحاكم الفعلي لتونس.

بدت حكومة الشاهد مترددة في اتخاذ إجراءات حقيقية ضد الفساد فاكتفت باتخاذ خطوات ذات طابع شكلي لإقناع الصندوق بإرادتها السياسية في محاربة الفساد من خلال تقديم مشاريع قوانين لم تجد طريقها إلى الجلسات العامة باعتبار أن مجلس النواب هو نفسه يمثل مركزا لتأثير جماعات النفوذ المالي و السياسي في نظام سياسي شبه برلماني لعب فيه المال السياسي دورا بارزا في تشكيل أحزابه و تمويل حملاتها الانتخابية، و رغم إعلان حكومة الشاهد منذ خطاب نيل الثقة أنها ستحارب الفساد فان خطواتها ظلت خجولة و بما يكفي فقط لإرضاء، وربما خداع صندوق النقد الدولي غير التركيز على خطاب يغير استراتيجياته بين الشعارات و بين دعم معلن و غير كاف للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

كانت حكومة الشاهد تعاني من الفشل الاقتصادي و العزلة السياسية حتى انه بدا الحديث عن رحيل وشيك لها ، عندما جاء خبر نقلته صحفية كانت حاضرة بإحدى مقاهي البحيرة الكائنة شمال العاصمة مفاده القبض على رجل الأعمال المثير للجدل شفيق جراية و هو ما أطلق إعلاميا المعركة ضد الفساد قبل حتى صدور أي تصريح رسمي.

تؤكد ردود الأفعال الأولى للحكومة أن المعركة ضد الفساد التي أطلقها الإعلام وسط اختفاء شعبي قد فاجأتها لذلك انتظر التونسيون أكثر من يومين ليخرج عليهم رئيس الحكومة بتصريح مقتضب في شكل شعار استعاره من رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد: إما الفساد و إما الدولة و الحكومة اختارت الدولة.

نعرف الان بعد اخذ المسافة الزمنية الكافية عن الحدث أن اعتقال جراية لم يكن بسبب الفساد و إنما بسبب قضية تأمر على أمن الدولة و أن قرار إيقافه هو محصلة لسياق داخلي و سياق دولي إقليمي إذ جاء بعد عودة الرئيس من قمة الرياض التي أبدت انحيازا واضحا للطرف الليبي الشرقي مما يعني أن دور جراية قد فقد كل بعد استراتيجي بعد أن كان الممثل للرئاسة و حزب نداء تونس لدى الطرف الليبي الغربي في طرابلس.

كانت المعركة ضد الفساد التي أطلقها الإعلام و صدقها التونسيون طوق النجاة لحكومة تعاني الفشل الاقتصادي و الاجتماعي من جهة و العزلة السياسية من جهة أخرى إذ يبدو عملها مقطوعا عن الأحزاب السياسية التي تكون الائتلاف الحاكم، و أصبح كل وجودها مشروطا برضا رئيس الدولة و صندوق النقد الدولي.

اتخذت الحكومة إجراءات سريعة و لكنها تطرح إشكالات من الناحية القانونية الإجرائية و ذلك بوضع مجموعة من المهربين المعروفين لدى السلطات الأمنية قيد الاعتقال الإداري و مصادرة أملاكهم و هي الخطوة التي وقع الحديث عنها منذ زمن حكومة المهدي جمعة.

ساهمت هذه الإجراءات في إعطاء مصداقية لحرب ضد الفساد ولدت صدفة و لكنها أخذت تشق طريقها بين التونسيين و تعبيراتهم المدنية و المواطنية و حتى السياسية حيث سارعت منظمات مدنية و أحزاب سياسية إلى دعم هذه المعركة بعضها دعم هذه المعركة قناعة بمصداقيتها و بعضها توريطا للحكومة في معركة يجمع التونسيون على شرعيتها.

رغم مرور بعض الوقت فان المعركة ضد الفساد لا تزال تحافظ على غموضها في سياق سياسي شديد التعقيد و هي حتى ألان لا تزال في طورها التجريبي الامبريقي مما يجعلها دون إستراتيجية واضحة و لعل خيبة بعض التونسيين من خطاب رئيس الحكومة الأخير أمام البرلمان كانت من هذه الناحية ،إذ لا يزال الخوف قائما بأن تكون المعركة مجرد تصفية حسابات سياسية بين أجنحة داخل النظام السياسي أي كما وصفها البعض “معركة بين فاسدين” .

رغم ان كل الصدف التي تحيط باندلاع الحرب ضد الفساد فان هذه الحرب يخدمها السياق السياسي و هي يمكن أن تتحول إلى قطيعة سياسية ثانية بعد ثورة 14 جانفي 2011 اعتبارا إلى :

  • مشروعية هذه المعركة و الدعم الشعبي الذي تحظى به
  • الدعم الدولي و خاصة من الممول الأساسي للاقتصاد التونسي وواضع سياساته صندوق النقد الدولي.
  • هذه المعركة أعطت شرعية للحكومة مفصولة عن دعم أحزاب الائتلاف لها و هي أحزاب تفكر منذ زمن في الإطاحة بهذه الحكومة و استئناف لعبة المحاصصات الحزبية في تكوين الحكومات خاصة في ظل التوازنات الداخلية الجديدة لحزب نداء تونس.
  • هذه المعركة قد تكون فرصة لرئيس الحكومة لبناء مجد سياسي شخصي، كما أنها قد تنقذه من الإطاحة به باعتبار أن أي تغيير له سوف يعني رفضا لتلك الأحزاب للحرب ضد الفساد و اعترافا ضمنيا بأنها أحزاب فاسدة.

اذن تعتبر المعركة ضد الفساد المركب الأخير الذي يمكن أن تعبر به الحكومة إلى وضعية من الشرعية المسنودة مباشرة من الشعب في قطع مع اللااستقرار الذي يعيشه الائتلاف الحزبي الذي أنتجها و لكن ذلك يتطلب ثقافة سياسية و قوة شخصية يفتقد إليها رئيس الحكومة حتى ألان و الذي يظل اقرب إلى رئيس وزراء منه إلى رئيس حكومة، كما أن هذه المعركة ستعني في النهاية تفكيك منظومة الحكم القائمة على انتخابات 2014 بما في ذلك انتخابات الرئاسة،أي أن الحكومة ستجد نفسها مضطرة إلى قطع الشجرة التي تقف عليها.

يبقى نجاح المعركة ضد الفساد مرهونا بقدرة الحكومة على تحويل المعركة إلى مشروع وطني تتشاركه السلطة السياسية والقضاء والهيئات الدستورية والمجتمع المدني ورسم السياسات اللازمة لذلك ،وجعل المعركة ذات طابع موضوعي ضد كل الفساد بما في ذلك داخل الحكومة نفسها ،مع التطبيق الصارم لإجراءات المحاكمة العادلة.

المعركة ضد الفساد بدأت صدفة، ولكنها معركة قد تغير وجه البلاد إلى الأبد…