زغاريد وأناشيد وفرقة “ماجورات قصر هلال” المعروفة بإحيائها تظاهرات التجمع الدستوري الديمقراطي في فترة سابقة، وتعزيزات أمنية غير مسبوقة، وإغلاق للطرق الرئيسية بالمدينة المختنقة مروريا بطبعها، وطلاء لواجهات المؤسسات والإدارات الحكومية وتنظيف للطرقات. كلّ هذا وأكثر، احتفالا بزيارة رئيس البلاد “المفدّى” لمدينة سوسة.

ليس هذا فحسب، فالمدينة التي تحوّلت طوال ساعات النهار الأولى إلى ثكنة أمنية، عرفت كذلك إخراج التلاميذ من مدارسهم ومعاهدهم والموظفين من وظائفهم. حتى أن بعض الأولياء تفاجؤوا بمشاهدة صور وفيديوهات أبنائهم على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، يقومون بتحيّة “سيّد الرئيس” بعد أن أوصلوهم بأنفسهم لأقسامهم. مدينة سوسة تزيّنت أمس بما خلنا أنها لن تتزيّن به مرّة أخرى بعد هروب بن علي، ولكن كان للولاة والمعتمدين والمسؤولين رأي آخر. فالقوم أصبحوا يتنافسون فيما بينهم أيّهم يحتفي ويحتفل بالسبسي أكثر من غيره. حتى أن “الدربي الحماسي” أصبح يجمع اليوم بين والي المنستير عادل الخبثاني وعادل الشليوي والي سوسة.

من المؤلم جدا أن يتمّ الزج بالأطفال الأبرياء في حياة سياسية ملوّثة بالمؤامرات، ومن الإجرام أن لا تتصدّى مندوبية التربية بمدينة سوسة لهذه المؤسسات، بل تبرّر لها وتصف الحركة بالعفويّة. ومن الظلم أن تُصرف مئات الملايين على تنظيم استقبال شعبي لأي مسؤول كان حتى ولو رئيس دولة، في وقت تعيش فيه آلاف العائلات تحت خط الفقر تتكرّم عليهم وزارة الشؤون الاجتماعية بمنحة فقر لا تتجاوز الأربعين دينارا على أقصى تقدير. في وقت سابق، كان الرئيس الأسبق بن علي يزور مدينة سوسة في مناسبة سنوية واحدة وهي الاحتفال بـ”أوسّو”. ويكاد يجمع من واكب تلك الاحتفالات وحضر “قدّاس” السبسي يوم أمس، أن لا شيء تغيّر بل الوضع ازداد سوءا. فما كان محرّما على “الترويكا” القيام به، أصبح حلالا زلالا لنداء تونس وحلفائه من بقايا المنظومة القديمة.

على صعيد الأرقام والإنجازات، زيارة السبسي إلى سوسة كانت فرجويّة أكثر منها تنمويّة. فالمشاريع التي دَشّنها ليست جديدة وعملاقة كما أنها تعود لمنتمين لحزب نداء تونس. وهو ما أكد صحّة تخوفّات النائب عن حزب آفاق تونس، حافظ الزواري، الذي تمنّى أن لا تكون هذه الزيارة حزبية. الأجواء “النوفمبرية” التي شاهدناها اليوم في مدينة سوسة كانت فضيحة وطنية بامتياز. كما أن الزيارة وُجّهت لرجال الأعمال في سوسة وليست لعامّة الشعب، فالسبسي لم يزر الأحياء المهمّشة بالمدينة التي تغرق في الفقر والبطالة والخصاصة، في وقت كان الجميع ينتظر منه التخلّي عن حزبيّته وأن يكون حقا رئيسا لكلّ التونسيين. زيارة السبسي إلى سوسة زادت من الاحتقان والغضب الشعبيين. كما ساهمت بطريقة أو بأخرى في تكريس الجهويّة، ولعلّ المتتبّع لتعاليق فئة غير قليلة من التونسيين على شبكات التواصل الاجتماعي، سيلحظ اتهاما لسكان الساحل بأنهم السبب في عودة التجمع وفي فشل الثورة التونسية. وهو ما ينافي الحقيقة لأن من خرجوا اليوم لا يمثّلون إلا أنفسهم ولا يعني أن أهالي الساحل يوافقونهم في كلّ ما قاموا به.

البلاد مقبلة على سنة صعبة، وكل المؤشرات تشير إلى أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي سيشهد تأزّما أكبر نظرا لغلاء المعيشة والمحسوبية وتفشّي الفساد والصراعات السياسية والحزبية الضيّقة، دون أن ننسى الإفلاس غير المعلن للدولة التي أصبحت عاجزة عن الوفاء بتعهّداتها لولا التوجّه نحو الاقتراض الدولي والمحلّي. تونس اليوم تحتاج إلى أبنائها بمختلف توجّهاتهم واختصاصاتهم ولا تحتاج إلى إحياء عادات قديمة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فلا الاحتفال المُبالغ فيه بزيارة رئيس الدولة قادر على تحسين الوضع الاقتصادي ولا إعادة أصنام الرئيس الحبيب بورقيبة إلى الشوارع الرئيسية بتونس العاصمة والمنستير وسوسة ستكون الحلّ الأمثل لإجراء الانتخابات البلدية المقبلة في أفضل الظروف.