26 جويلية 2013، تبدأ الحكاية عندما افتتح وائل مركز ثقافي خاص بنهج لينين المتفرع عن شارع “جون جوراس” بتونس العاصمة، على بعد مئات الأمتار من وزارة الداخلية. يحب رواد الفضاء تسميته مقهى “اللوح” لأن صاحب المشروع اختار له تزويقا كاملا من الخشب. بعد أن كان الفضاء مُغلقا طيلة 25 سنة دبّت فيه الحياة وانتشرت الورشات الفنية في أركانه.

يقول وائل محمدي والحرقة ترتسم على كل حرف طيلة حوارنا “إن غياب قانون منظم للمراكز الثقافية الخاصة، دفعني للتحول لوزير الثقافة مراد الصقلي آنذاك، الذي منحني ترخيص بمقتضى قرار وزاري. سارت الأمور على ما يرام إلى حدود أول تظاهرة ثقافية نُظِّمت بالمركز. تفاجئنا بتدخل القوة العامة، فرقة خاصة من الملثمين” (يبتسم). ثم يتابع قائلا “تعرف جيدا أن في تلك المرحلة ضَرب الإرهاب بقوة و تم العثور على مخازن للسلاح في مناطق قريبة من العاصمة، مما دفعني للظن أنهم يداهمون مخزنا للسلاح نظرا لوحشية التدخل”. واصل محدثي سرد التفاصيل “بعد الهرسلة، نصحوني باستعمال قرار وزير الثقافة ورقا للمراحيض. إلا أن هنالك حل بأن أغير صبغة الفضاء إلى مقهى وفعلت. ومع أول يوم فَتحت فيه الفضاء الثقافي الذي أصبح مقهى أُغلِق بالقوة العامة مرة أخرى والسبب نقص التهوئة والاستغلال المادي الفاحش. أنت تعلم أنا مهندس سلامة صحية، ولا أعرف كيف علموا بنقص التهوئة”.

بعد تكرار قرارت الغلق التي بلغت 54 قرارا، ثلاثة منها موثقة، تقرر تأسيس جمعية أطلِق عليها اسم “أرتيكل”، حيث قال عنها وائل “انطلقنا في بعث ورشات فنية شاملة من الغرافيتي إلى الراب حتى المسرح فالعزف على القيثارة مرورا بالشعر. تميّزت هذه الورشات بالتسيير الذاتي من قبل المنخرطين. كما تحوّل الفضاء لملتقى للمجموعات الفنية والجمعيات التي لا تحوي مقراتها قاعات اجتماع. خلاصة القول نظمنا سنة 2014 حوالي 74 تظاهرة، وكل شيء موثق بالفيديو والصور”. قاطعت وائل متسائلا، كيف تطورت الأمور مع الجمعية؟ كان الجواب “وفق مزاج السلطات، تم غلق الفضاء رغم أن القانون لا يسمح بحل جمعية إلا في صورة التخابر على أمن الدولة وأشياء أخرى في هذا الحجم. أما التهمة فكانت طبيعة وهيئة مرتادي الفضاء. ودستور 2014 ينص على حرية الضمير. ثم أغلِق مرة أخرى بسبب تنظيم حفل دون ترخيص مسبق. ثم انتقلنا إلى مرحلة توجيه تهم جنائية من قبيل ترويج مادة مخدرة، أو المسك والشروع في الاستهلاك”. بعد أن تحولت عمليات الغلق إلى مسلسل لم ينته، فُتح فضاء اللوح آخر مرة في ماي 2017 بعد طلب من وزيرة الشباب والرياضة لتصوير برنامج شباب “توك” الذي يُبث في القناة الألمانية بالعربي. يبدو أن الفضاء وقع تحت سيطرة أحد المتنفذين بوزارة الداخلية. لم يقدر عازف القيثارة السعيد مواجهة الهرسلة نظرا لتراكم الديون التي بلغت 24 ألف دينار، ناتجة عن عمليات الغلق وبالتالي توقف الإنتاج.

الثورة الثقافية أمر لابد منه، وكلما تأخرت كانت أعنف. وزارة الثقافة لابد من حلّها بعد أن أصبحت ماردا يجثم على صدر الابداع. صار الفعل الثقافي رهينة للوبيات متحجرة، ترفض كل جديد لا تعثر له عن تفسير في قواميس الفلكور و”التطبيل”. مثلما اتِّهم روسو بالإساءة للياقة والآداب العامة في قرون خلت يُتّهم المبدعون في تونس بالمجاوزة في التفكير أو ربما في الحلم.