كما في رواية “ذاكرة رصيف” لرؤى الصغير “ظلت وحشية الشرطة تفاجئني كل مرة”. داخل التاكسي الذي أقلّني من المطار إلى أحد أحواز العاصمة، وبعد تبادل أطراف الحديث حول الطقس الممطر والحالة السيئة لمطار تونس قرطاج، انتقل الحديث بشكل طبيعي إلى تنفيس سائق التاكسي عن سخطه وذمّه للـ”حاكم” في تونس. كلام كثير ومتحمّس عن الأخلاق والرشوة والتسلط. امتلأت عيناه بنظرة رضاء وتشفٍّ عندما روى لي ما فعله لعون مرور عندما قال له هذا الأخير “خطي روحك”. زَادَ “التاكسيست” من سرعة السيارة وهو يسترجع تفاصيل تلك الحادثة. دقّق في وصف يده كيف امتدت بورقة “كاغط” قديمة استعملها عوضا عن الورقة المالية التي كان ينتظرها “الحنشة”. لم يع عون المرور ما حدث، لأنه على قول سائق التاكسي، كان مُهتما بمحادثة سائق تاكسي جماعي، ضحية جديدة ومرة أخرى “خطي روحك”. انتصارات صغيرة في واقع يومي مليء بخيبات كثيرة في منظومة الكر والفر بين الحاكم والمحكوم.

في نفس اللحظة التي أنهى فيها “التاكسيست” قَصّه للحادثة بـ”خدّمت الكرهبة ومشيت”، غطّى على عبارته ضجيج بوق سيارة شرطة ملأ السماء. عون شرطة في مقتبل العمر يقود سيارة دفع رباعي في حالة مزرية، بها رضوض من كل جانب، وبجانبه جَلس زميله الأعلى رُتبةً منه. هناك جنوح غير عادي في قيادة السيارة ورغبة في إبراز تسلط وعلوية السائق على الجميع. أخرج الشرطي الشاب رأسه من نافذة السيارة وأمر “التاكسيست” بالتنحي جانبا لأنه في “مهمة مستعجلة”. نظرت إلى سائق التاكسي، تجاعيد كثيرة أفسدت وجهه لكن هناك تعبير واضح عن الكتمان والخنوع. كلام ناب كثير قِيل تحت شفتين بالكاد مغلقتين. هناك “رجولة” انتصرت وأخرى خسرت هذه المعركة. انصاع “التاكسيست” لأمر الشرطي السائق الذي زاد من سرعة سيارته بشكل مبالغ فيه حتى كاد يدهس أحد المارة. “بلاد قحبة وهاذوم أسيادها”، استنتج “التاكسيست” ليُريح نفسه من ألم الخصيان المعنوي.

البوليس في تونس، حالة خاصة وعنيفة

طبعا، عنف وتسلط الشرطة ليس مقتصرا على تونس. فالأمثلة عديدة عن حوادث وحشية ارتكبها أعوان البوليس في دول عدة كالولايات المتحدة، نيجيريا أو إسبانيا. غير أنه في تونس تكمن خصوصية البوليس في العنف النفسي والمعنوي، الذي يحدد علاقة التونسية والتونسي بجهاز البوليس أولا وبجهاز الدولة ثانيا. في تونس، يبلغ التماهي بين الجهازين حد التطابق.

تكاد تنعدم الإحصائيات حول المخالفات المهنية التي يرتكبها جهاز البوليس التونسي. هناك فقط قصص وحوادث يتناقلها الجميع عن تغلغل الرشوة وغياب المحاسبة. بين الفترة والأخرى يُنشر تقرير هنا وهناك من أحد المنظمات الدولية كهيومان رايتس واتش حول عودة الدولة البوليسية. قد تخرج بعض المظاهرات لتندد بوحشية وتسلط البوليس كما حدث في أفريل الماضي. قد تنشر نواة تقريرا حول ما حصل مع بعض الشبان في تونس من انتهاكات لحقوقهم وكرامتهم وحرمتهم الجسدية. ولكن تبقى الوحشية على حالها.

هناك شاب من منطقة بوعرادة من ولاية سليانة لا أحد يعرف اسمه. هو تارة شاب ذو سوابق عدلية وتارة يشَار إليه كموقوف سكّير. ليس هناك مقال واحد يرد لهذا الشاب إنسانيته وكرامته بحد أدنى من المجهود الصحفي الذي يعرّف القارئ باسم الشاب البوعرادي، سنه، مالذي كان يعني لعائلته ولأصدقائه؟ ردّدت جل المواقع الصحفية الإذاعية والمكتوبة بأنه من ذوي السوابق العدلية وسكّير ومعتد بسلاح أبيض. طريقة الوصف والتقديم حوّلت الشاب المنتحر من مرتكب جنحة إلى مجرم خطير يجب تطهير المجتمع منه.

لماذا كل هذا التجني؟ لما هذه الوحشية؟ مالذي يخشاه البوليس التونسي؟ قد يكون طرف الإجابة في الإرث السياسي الذي خلّفه بورقيبة وخليفه بن علي الذي حوّل تونس ولعقود طويلة إلى دولة بوليسية بامتياز. خلال فترة حكم الدكتاتورين السابقين تحوّل جهاز البوليس إلى جهاز فوق الدولة. أصبحت مختلف مكونات الأمن التي تتعامل مع التونسيين بشكل يومي ترى في الجَزر والغلاظة جزءًا مهمّا من منظومة وقائية ناجعة، على نحو أسّس لثقافة خاصة تسود منظومة البوليس التونسي. أتحدث هنا عن ثقافة خاصة لأنها تكرّس لأفكار وتصورات لا مكان لها داخل دولة القانون والكرامة، جعلت من التسلط والوحشية مرادفا لمفهوم خدمة المواطن.

هيمنة بوليسية مسنودة بالإعلام

المشكلة أن الدّولة البوليسية لم تختف ولم تكن يوما شبحا. هي اختفت خلال فترة الثورة ولكن عادت بقوة وبشكل أكثر نزوقا. ما حدث للبوليس التونسي أثناء الثورة غيَّر معطيات كثيرة حول تصورهم لقدراتهم الفعلية كقوة ردع لحفظ الأمن. في بحث أكاديمي نُشر شهر ديسمبر الجاري حول انهيار جهاز البوليس خلال فترة انتقال الحكم في تونس الثورة، استنتج مروان مكوار أن المثال التونسي أبرز اهتزازا كبيرا طرأ على مكونات البوليس التونسي وكَشف عن غياب كبير للتنسيق بين مختلف أجهزته، علاوة على انعدام ولاء وثقة أعوان الشرطة ذوي الرتبة المنخفضة. قانون حماية زجر الاعتداءات على الأمنيين التي تسعى النقابات الأمنية لتمريره هو إذن نوع من الهروب إلى الأمام عوضا عن إعادة هيكلة وإصلاح الجهاز ذاته.

من جانب آخر، هناك تكريس غريب لهذه الثقافة الخاصة من مختلف الوسائل الإعلامية ذات المتابعة الجماهيرية. كما تطرقت أعلاه لطريقة ولغة نقل خبر انتحار الشاب البوعرادي، هناك تماهٍ تام بين الرواية البوليسية لحادثة الانتحار وما تناقلته وسائل الإعلام من جرائد وقنوات فضائية. ليس هناك نقد وتساؤل حول انتحار الموقوف “مستعملا خيطا كان بقميصه، لم يقع التفطن إليه عند وضعه في حالة ايقاف”. ليس هناك أية رغبة في التعريف برواية عائلة المنتحر كطرف آخر مهم. هذه أبجديات دنيا في أي عمل صحفي جاد. انعدام الرغبة في هذا الشأن يقابله في الآن نفسه تكثيف إعلامي حول خطر إجرامي داهم، بشكل جعل جرائم يومية داخل أي مجتمع عادي تصبح حدثا وطنيا يتصدر عناوين الأخبار التلفزية والصفحات الأولى للجرائد اليومية.

سؤال أخير ومهم: هل يمكن أن ندعم البوليس التونسي بكافة أجهزته وفي الآن نفسه نطالب بتغيير رؤية “الحاكم” للمواطنة والمواطن التونسي؟ الإجابة هي دائما نعم. حملات مكافحة الإرهاب، على أهميتها، لا يجب أن تكون على حساب تسّلط البوليس وانتهاك يومي لحقوق وكرامة التونسيات والتونسيين.