صورة مقتطفة من كتاب “كلاب الحراسة” للمفكر الفرنسي بول نيزان

ماذا يعني أن يتحدث الجامعي في الشأن العام على أعمدة الصحف؟ هل معنى ذلك أن عليه أن يتخلى عن روح الموضوعية وقيم النقد والتحليل العقلاني التي تقطع بالضرورة مع زيف خطابات السلطة وادعاءاتها وتعادي في الوقت ذاته أوهام الحس المشترك؟ وأي معنى للصفة الأكاديمية حين تتحول إلى مغالطة و كلب حراسة لمعبد السلطة؟ بوعي أو دونه اتجهت الأستاذة قرامي، وهي أستاذة الحضارة العربية المتخصصة في أنثربولوجيا الإسلام، للتعليق على حدث موت أكثر من ستين شابا في عرض سواحل جزيرة قرقنة إلى خطاب تبسيطي ومتهافت وصار ممجوجا، مفاده أن هؤلاء الشبان الذين ابتلعتهم حيتان المتوسط هم وحدهم المسؤولون عن مآلهم ومصيرهم، كما حمّلت الأستاذة قرامي المسؤولية لعائلاتهم معتبرة أنهم متواطئون معهم ويدفعون بهم نحو مصيرهم المجهول. كما اعتبرت أن المال الذي يجمعونه من أجل ”الحرقة“  كان بإمكانهم أن يحققوا به أحلامهم هنا من خلال ”تمويل بعض المشاريع الصغرى“. يتماهى خطاب الدكتورة قرامي مع السردية والتبرير الذي ترغب السلطة في تمريره، وجعل الناس يطبّعون معه وهو تبرير يتأسس على نَفسنة ظاهرة الهجرة كواقعة ومشكلة اجتماعية كلية متعددة الملامح، وتفسيرها بعوامل جوهرانية تتعلق بالخاصيات النفسية للضحايا من قبيل أنهم ”كسالى لا يحبون العمل“ أو ”أنهم يكرهون العلم“ و”يحبون الربح السهل“. وبالتالي من غير المعقول، كما ترى الأستاذة قرامي، أن نُلبس ظاهرة الهجرة السرية لبُوسا سياسيا. لسنا نعرف إن كانت الأستاذة قرامي تعرف أن الدعوة إلى عدم التسييس هو أكثر أشكال التسييس صفاقة.

أرادت الأستاذة قرامي أن تحاكم الضحايا وحدهم لكنها تغاضت، ربما لغاية في نفس يعقوب، عن السياسات الاقتصادية والتربوية والثقافية المتوخّاة منذ عقود والتي لايمكن إلا أن تكون الهجرة السرية أحد نتائجها. لم تتساءل الأستاذة قرامي، وهي الباحثة التي تمتهن الأسئلة، من هم هؤلاء الحارقون؟ أو لنغيّر السؤال من هم شباب اليوم؟ لم تُسائل الأستاذة قرامي المنظومة التربوية التي ترمي سنويا بـ120 ألف تلميذ في الشارع أكثر من 40 بالمئة منهم، يظلون دون تكوين و دون عمل و دون أي نشاط وهذا أمر تثبته الدراسات وتؤكده تقارير دولية. لم لم تتساءل الأستاذة قرامي لصالح من يقع تدمير المدرسة العمومية المنوط بعهدتها نشر قيم العمل و الجد و ”صناعة المواطنين“؟ ولم تتساءل البتة عن عدم الرغبة في إصلاح الإدارة التونسية وهي التي هرب بسببها كبار المستثمرين المحليون والأجانب فقط لأنهم جُوبهوا بتعقيدات بيروقراطية جعلتهم يبحثون عن وجهات أخرى، في الوقت الذي تطلب فيه الأستاذة قرامي من شبان تعوزهم شبكة العلاقات والمهارات الاتصالية والمؤهلات الضرورية وكل الدعائم أن يوفروا أموال ”الحرقة“ لتمويل المشاريع الصغرى. تعرف جيدا الأستاذة آمال أن ”إيديولوجيا المشاريع الصغرى“ التي تم الترويج لها منذ العهد السابق تحت إمرة البنك العالمي قد فشلت ولم تأتي أكلها لعدة أسباب. أولها أسباب هيكلية تتعلق أساسا بضعف القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي الذي ظل في عمقه اقتصادا يقوم على توزيع الريع وغياب بنية تحتية ملائمة وغياب سياسة واضحة في مجال التكوين المهني، بمعنى آخر لم ترد الأستاذة قرامي الإشارة إلى خلل في النموذج التنموي المتبع منذ الثورة والذي لايزال يكرّس التفاوت الجهوي على مستوى ماكرو وميكرو مجالي.

كما سكتت عن السياسة الثقافية في البلاد وفي المناطق الداخلية تحديدا. فمثلا ماهي وسائل الترفيه والتثقيف المتاحة  لشباب في معتمدية ماجل بلعباس التي يقتات أهلها على التهريب؟ هي بضع مقاه، وبخلاف ذلك ليس ثمة سوى الفراغ! ونفس الشيئ يتكرر في مناطق كثيرة في عمق البلاد. هل تعلم الأستاذة قرامي أن هنالك شبان يقطنون حي هلال القريب من العاصمة لا يعرفون شارع بورقيبة، فقط لأنهم موصومون ويشعرون بالاحتقار والإقصاء الممُارس ضدهم بدءا من البوليس الذي يلاحقهم لمجرد أن وجوههم وملابسهم طريقة لا تشبه بقية المارة؟ هل تعرف الأستاذة قرامي أن ”شباب اليوم“ ليس ”شباب الأمس“؟ شباب اليوم يكره الينبغيات الأبوية وهمومه ليست هي ذاتها هموم شبيبية ستينيات القرن الماضي الذي عاشت تحت جبة إيديولوجيا المشروع الوطني لدولة الاستقلال ودولة الرعاية الإجتماعية. المسارات الحياتية لجيل دولة الاستقلال هي مسارات خطية وذات إمكانية توقع أسهل للمستقبل، وثمة شبكات أمان إجتماعي تضمن الحد الأدنى. ”شباب اليوم“ يعيش تحت وطأة خيارات سياسات التقشف ومرونة العمل وندرته، وكذلك تحت وطأة قيم المنظومة الليبيرالية التي انخرطت فيها تونس منذ ثمانينيات القرن الفائت والتي تتأسس على قيم الإستهلاك والنجاح الشخصي والفردانية المتعوية. كما أن شبيبة اليوم هي منخرطة بشكل أو بآخر في منظومة العولمة من خلال شبكات الاتصال الاجتماعي وتعرف جيدا ما يدور خارج ”حدود الدولة الوطنية“. ومن هذا المنطلق تحديدا، من الوهم الاعتقاد أن الهجرة السرية هي فقط نتيجة أسباب بنيوية وإقتصادية تتعلق بالفقر والبطالة، المسألة أصبحت تتجاوز هذا نسبيا وبالتالي كي نفهمها علينا أن نقحم الأبعاد الذاتية والعواطف والأحاسيس والتمثلات كأحد أبعاد الظاهرة. الشباب الذي يهاجر يبحث أيضا عن أفق للتحرر بعيدا عن مجتمع مسكون بقيم النزعة الأبوية. الهجرة هي صراع من أجل الوجود. يقول أحد الشبان لمراسل قناةBBC العربية ”نحب n’existi “ أي أن أُوجَد وأن أكون مرئيا وأن يُعترف بي. الأطر الموجودة حاليا لم تعد تعطي معنى للوجود بدءا من العائلة مرورا بالمدرسة وصولا إلى الأطر السياسية والنقابية.

هناك سرديتين أساسيتين في تونس قد تآكلتا. السردية الأولى هي سردية ”المشروع الوطني“ الذي بدأ مع دولة الاستقلال و كان رهانه الأساسي ”تحقيق التنمية“ و ”الخروج من التخلف“ و بناء الأمة التونسية الحديثة، أي أنه كان ثمة حلم جماعي ينخرط فيه الأفراد. هذا المشروع تهاوى منذ الثمانييات وعاشت البلاد على ”الخيبة الوطنية“ بعبارة هالة باجي، أما السردية الثانية التي انهارت سريعا فهي سردية ”الاستثناء التونسي“، يعني السردية التي تعلقت بالثورة التونسية. هذه السردية خيبت الكثير من الفئات التي شاركت فيها وبخاصة الفئات الشبابية. فمن مفارقات الثورة التونسية هي وصول من لم يشاركوا في الثورة إلى الحكم وهم الإسلاميون أساسا (لم تشر الأستاذة قرامي ولو بشكل عابر إلى مخلفات حكم الترويكا أو لفشل التوافق المزيف بين الإسلاميين ونداء تونس). المفارقة الثانية هي أن الثورة كانت ضد نتائج الخيار النيوليبرالي وضد نموذج تنموي ثبت فشله، لكن يتم اليوم الدفع بقوة في اتجاه مزيد من اللبرلة المتوحشة ولم يقع تجاوز النموذج التنموي لتكتفي الحكومات المتعاقبة بمجرد سياسة شراء السلم الاجتماعي عبر حلول ترقيعية لتتسع  رقعة المتروكين لحسابهم وكذلك مساحة جغرافيات الغضب في مناطق الداخل وهوامش المدن، بالمقابل يتزايد انخراط شبيبة اليوم في قيم مجتمع الاستهلاك. كثير من الشبان الذين يصارعون من أجل تحقيق فرديتهم يجدون أنفسهم في قلب فجوة بين ما هم عليه وبين ما يطمحون اليه، أي أن أرجلهم في الحضيض ورؤوسهم، أي أحلامهم و تمثلاتهم، تبحث على أن تكون متطابقة مع قيم مجتمع الإستهلاك التي تحددها قيم المتعة والنجاح الفردي. وبالتالي فهم يعيشون هذه الفجوة ليس كتعارض مع الطبقات المندمجة في عالمي العمل والاستهلاك بل كمسافة إزاءها، حيث تعتريهم الرغبة الدائمة أن يكونوا مثل الآخرين.

ولكن هذه الهوة تُعاش أيضا كتجربة معاناة، إذ يسود لدى الكثير من الشبان إحساس مؤلم باللاعدالة ويغدو عدم التطابق مع المعايير المهيمنة ليس نتيجة لاختيارات سياسية واقتصادية، بل يعاش كتجربة فشل شخصي. لهذا يغدو الخلاص بالنسبة لشبيبة اليوم هو خلاص فردي في ظل تآكل التضامنات التقليدية وتهرُّؤ شبكات الأمان الإجتماعي، فما كان يعهد بالأمس للمؤسسات صار اليوم يعهد للفرد نفسه. عليه أن يدبر أمره، أن يبحث عن خلاصه حتى لو كان عبر الذهاب إلى الأقصى، أي إلى الموت.