قد نردد للمرة الألف أن هذه الحالة هي نتاج نرجسية مجروحة، غير أنه لدي رغبة في إحياء ابن سينا من جديد، ليس ذلك الطبيب القادر على علاج البؤر الصديدية بإخراج القيح منها وتطهير الجرح، وإنما ابن سينا الفيلسوف صاحب نظرية التنبيه كحل دائم وعضوي لاستدماء الجسد وانحطاط اللغة، الفكر والروح في تونس. لطالما سببت الإضطرابات السياسية والإجتماعية حالة من الهستيريا الجماعية التي يصعب تفكيكها؛ أولا لأنها هستيرية لاعقلانية وثانيا لأنها جماعية تشمل الخاصة والعموم. حين رسم فرانشيسكو جويا أكثر لوحاته سوداوية “زحل يلتهم ابنه” في بداية القرن التاسع عشر كانت إسبانيا تعيش حالة من عدم الاستقرار الداخلي أثرت بشكل عميق على جويا الشيخ، فاقتبس من الأسطورة الإغريقية أكثر مشاهدها وحشية ودموية ليعبر بشكل رومنطيقي فني عن حالة الإحباط والفشل التي ألمت به وجعلته يرسم مجموعة كاملة من “اللوحات السوداء” مباشرة على حيطان الطابق السفلي لمنزله، فلم يرد بذلك لهذه اللوحات أن تغادر تلك الحيطان حتى لا يراها أحد. بشكل غامض، فاض جسد جويا المترهل بمشاعر سوداوية مغلقة ومرعبة عرف حينها بأن لا مكان لها داخل الفضاء العام في إسبانيا التي كانت آنذاك ترزح تحت مخلفات حربها مع فرنسا نابليون ونزاعات داخلية شتتت الكيان الإسباني وأودت بحياة الكثيرين. تختلف التأويلات حول روح ومغزى اللوحة، لكن يكاد يكون بديهيا بالنسبة لي أن جويا العجوز الذي عاش عن قرب دمار وبشاعة الحرب والعنف قد اتضح له أن الإنسانية الدامية قد لا تجد حلا آخر سوى التهام نفسها. إذ أنه في جنون العينين، والإنحاء الغريب للرجلين، والجسد الممزق للرجل (أو المرأة) هناك تعبير مكثف عن سطوة التطرف الحسي الذي قد يؤدي أولا إلى تدمية الجسد ومن ثم إلى نبذه، وأخيرا إلى تلاشيه.

سطوة العاطفة أصبحت واقعا وأسلوب تواصل في تونس بعد الثورة بشكل جعل التطرف العاطفي الأسلوب الوحيد للتعاطي مع الآخر. أمام الكم الهائل من الأخبار السلبية والمحبطة، غلب البعد الحسي السلبي على اللغة وعلى ردود الفعل وحتى على النقل الإعلامي للخبر. فبعد فيضانات نابل والتي أودت بحياة خمسة تونسيين، كثر إستعمال أدوات وتعابير لغوية سوداوية اجتمعت في أغلبها على تحقير ونبذ الذات، فتونس “بلاد حَرفة” لا يصلح العيش فيها، “بلاد معبية بالسراق”، فتصبح العلاقة بين الدولة والمواطن التونسي قائمة على الشك، التفادي، وحتى الكره. هناك ثنائية فريدة برزت خلال هذا التعاطي الشعبي مع ما جرى في نابل، حيث قُدّم أخصائي في معهد الرصد الجوي كقربان للجماهير، ودُفع به كمتسبب وحيد في ماحصل، في حين انتصر الجميع لأمينة المكتبة العمومية بسليمان كرمز لخلاص نابل من الدمار والتشتت.

من جهة أخرى، غلب على الخبر الإعلامي نفس سطوة العاطفة على حساب النقل المجرد والموضوعي بحيث أصبح التحليل العميق للحدث أمرا نادرا في حين بات يُسوّق للخبر كما يسوق لأي أصل تجاري رخيص الثمن. في مقال لمنال حرزي، الصحفية بجريدة الصباح،” اليومية المستقلة الأولى في تونس“، أو هكذا تريد أن تسوق لنفسها، حول أزمة نقص الأدوية في تونس، أصبح التعبير عن المعاناة خبرا في حد ذاته فتقوقعت إلى أسفل التقرير المعلومة المجردة حول الأسباب و الحلول المطروحة لحل الأزمة:

“ما يزال التونسي إلى حد اللحظة يٌعاني الويلات جراء أزمة نقص الأدوية التي  طالت أصنافا عديدة كما يبدو أنه لا يزال أمامنا  الكثير حتى يتم تجاوز النقص المسجل في مخزون الأدوية بما اننا نعيش على حد تشخيص أهل القطاع  تراجعا غير مسبوق في مخزون الأدوية في تونس بلغت حدته الخطوط  الحمراء في ظل تأكيدات النقابات القطاعية بنفاذ عدد كبير من الأدوية وبنقص كبير في أدوية الأمراض المزمنة رغم  تطمينات سلطة الإشراف بأن الوضع “مستقرا”. من هذا المنطلق وجد التونسي اليوم في الصفحات الاجتماعية ملاذا له يصب من خلالها جام غضبه على سلطة الإشراف، لا سيما  وزير الصحة محمّلين إياه  المسؤولية جراء ما اعتبروه “تراخيا” من قبله في التعامل مع هذا الملف الحارق فضلا عن أن تصريحاته  قد عمّقت الإشكال اكثر حيث يعتبرها كثيرون “مستفزّة  “وتعكس في جوهرها “استهتارا ” بمعاناة التونسيين.”

هنا، غاب الخبر أو غُيب أو تم تسطيحه تحت ثقل أحادية زاوية التناول، المقدمة العريضة، أو حتى الأسلوب الإبداعي السطحي. انتصرت الشعبوية على حساب المهنية والحياد والتجرد فأصبحت العاطفة هي الخبر نفسه. مايزال نفس الأسلوب والأدوات التعبيرية غالبا على معظم إتجاهات التعاطي الإعلامي مع الحوادث في تونس بحيث أصبحت أخبار القتل والخطف والسرقة تحتل الصفحات الأولى ويُروج لها بعناوين غارقة في سلبية رخيصة تستجلب المد العاطفي أكثر من الإهتمام والفضول العقلي للقارئ.

دكتاتورية العاطفة وتغييب العقل

سطوة العاطفة على حساب الحقيقة المجردة أو حتى التفكير العقلاني المجرد أفرز إختلالا في التوازن الضروري مابين ملكتي العقل والحس، مما أدى لبروز سلطة حسية عدائية مقزمة لدور العقل في خلق طرق تحليل جديدة للإضرابات العابرة أو الأزمات العميقة. اختلال التوازن بين الحسي والعقلي أدى بدوره إلى الإجهاد العقلي المزمن، مما نتج عنه عدم قدرة الجسد أو الكيان على الصمود والمقاومة أمام كثرة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس بشكل يومي، فدُمي الجسد من كثرة الكدمات والتنكيل. نجد أنفسنا إذن أمام جسد دامٍ ضمُر فيه العقل إلى حد الإنكماش، فسيطر عليه غلو حسي يتعاطى بنهم شديد وغير منقطع و قهري جرعات هائلة يومية من المنبهات الحسية. وهنا تتضح لنا إشكالية أخرى نراها كثيرا في عوارض الإدمان كفوضى الحواس، الشراهة الجنسية، والعصبية المفرطة التي يقابلها في الآن نفسه الإكتئاب، صعوبة التركيز، و الموت البطيء أو المفاجئ. فتصبح قدرة المجموعة على الفعل والتغيير مرتبطة بقوة الجرعة العاطفية بدل الإدراك العقلاني والتحليل الذهني المهيئان عادة للنشاط الأنطولوجي الوجداني.

تؤكد آن سيسيل روبير، الصحافية بجريدة لوموند ديبلومتيك الفرنسية ومؤلفة كتاب مهم بعنوان “إستراتجية العاطفة” (تجدون في هذا المقال خلاصة جيدة لأهم الأفكار التي تطرحها) أصدر الشهر الفارط عن دار لوكس الكيباكية، بأن استخدام العاطفة يمكن أن يؤدي إلى نتائج دراماتيكية فورية لأنها خاصة تُعيق وتمنع الفعل الديمقراطي، لأن سلطة العاطفة تحول الإنسان إلى جان ضد نفسه و تحرضه على البكاء والعويل بدلا من الفعل والمقاومة. ترى روبير أن داخل إمبراطورية العاطفة التي نعيشها تبرز الضحية كأيقونة بطولية مقدسة ومن ناحية أخرى يصبح الجميع ضحاياغير قادرين على التفكير أو الإدراك.

إن الإلتجاء القهري لدى العامة والمدروس لدى الخاصة من سياسيين وإعلاميين إلى إستراتيجية العاطفة تولد، كما تشير روبير، العديد من الأدوات والأساليب المهددة للديموقراطية، من بينها: الانتحاب العاطفي والذاتي وعدم القدرة على التجديد والخلق والإبداع، الإسراع بإنهاء الاضطرابات والمشاكل السياسية والإجتماعية دون تمكين المواطنين من حقهم الكامل في النقاش الواعي والوافي حول الأسباب والحلول، فردنة الحوار المدني والإفراط في النرجسية، التسويق البكائي للتاريخ الوطني وخاصة الحوادث والتواريخ المؤلمة والدموية، الإهتمام المفرط بحوادث القتل والسرقة و الكوارث الطبيعية بشكل يكرس لرؤية قدرية للعالم، الإلتجاء إلى مسرحة الواقع اليومي والتشديد على المؤثرات الحسية الدرامتيكية، البروباغندا العاطفية، تخدير الرأي العام عن طريق التركيز على الشعبوية، الترفيع من العاطفة إلى مستوى الحقيقة المطلقة، التخلي عن مسؤولية الحكومة لصالح العمل الخيري العفوي كما حصل مع فيضانات نابل، إضافة إلى انتشار الأخبار المزيفة وتقبلها بشكل كبير.

تستنتج روبير بأن تنامي سلطة العاطفة على حساب العقل هو استراتجية مدروسة ومخطط لها من قبل الطبقة الحاكمة لتسطيح الحوار الديمقراطي وعدم تسييس النقاش المدني للحفاظ على الوضع الطفولي الساذج للمواطنين لكي يصبحوا فريسة لتطرف المشاعر. للخروج من تسلط ودكتاتورية استراتيجية العاطفة، ترى روبير، من وجهة نظر أوروبية شمالية، بأن القوة التضامنية التي يفرزها هذا المد العاطفي يمكن أن يكون نواة فعل ديمقراطي راديكالي لو استطعنا تسييسها بشكل تدريجي من أجل خلق أو ترميم ديمقراطية تقوم مجددا على توازن صحي بين الفكر والعاطفة ويسودها الحوار والتعددية. في ختام كتابها، تدعو روبير الى الإنتصار للعقل مجددا كملكة الإنسان الوحيدة والمتبقية والتي من شأنها أن تؤدي إلى الثورة والتجديد والإبداع، لأن العاطفة قد تكالبت عليها القوى النيو-إمبريالية فأنهكتها وأفرغتها من محتواها التجديدي. خلافا لهذا الإنتصار المفرط للعقل عل حساب العقل لدى آن سيسيل روبير، أرى أن أي قوة خلاقة تجديدية يجب أن تنبع من إعادة التوازن بين العقل والعاطفة وليس بتغليب طرف على آخر.

التنبيه لدى إبن سينا كحل ملح

دعوني أحتفل منذ البدء بأن كتاب الإشارات والتنبيهات للشيخ الرئيس ابن سينا هو من أعظم كتب الفلسفة، ليس فقط لأن الأطروحة الرئيسية حول معرفة النفس والوعي بالذات أسست وأثرت على العديد من الأطروحات الفلسفية اللاحقة إبتداء بهيجل ووصولا إلى شومسكي، بل كذلك لأن بيداغوجيا التبسيط والمتابعة لدى إبن سينا بلغت حد الكمال في هذا الكتاب. أود كذلك أن أضيف بأن فلسفة إبن سينا يجب أن تُكتشف من جديد لأن هناك تقصير فادح في التعريف والإحتفاء به، خاصة تخليص فلسفته من الإستقراءات والبدع الغربية والهجينة، ولكن هذا موضوع أخر.

بإيجاز، يرى ابن سينا أن النفس الإنسانية لديها وعي ذاتي بذاتها، وخلافا لأرسطو بأن الإنسان يولد بهذا الوعي الذاتي وبأنه قادر على أن يعرف بأنه يعرف، وثانيا بأن التعقل هو أمر متواصل غير مرحلي وغير مجزأ. يستعمل ابن سينا برهان الرجل الطائر أو المعلق بالفضاء ليوضح أنه في غياب الإحساس بذواتنا وبالعالم الخارجي فإن الإنسان يظل قادرا على تأكيد وجوده الذاتي. هنا تكمن طوباوية أطروحة إبن سينا في سياق مقالنا، حيث أن الجسد الدامي الذي استولت عليه سلطة العاطفة بشكل أنهكه وشتته هو جسد مازال قادرا على الوعي الذاتي المخول للإنتباه الذهني ومن ثم الفعل التجديدي. من جهة أخرى، وهنا تكمن عبقرية الشيخ الرئيس، لم يحاول الفيلسوف البخاري أن يقصي الجسد (أو التجربة الحسية) من تفسيره لجوهر النفس حيث دفع بنظريتين قيل كلام كثير حول أنهما متناقضتان. حيث تؤكد النظرية الأولى حول برهان الرجل الطائر بأن الوعي الذاتي هو جانب من الإدراك الحسي لذواتنا، في حين تبرز النظرية الثانية للرجل المعلق بالفضاء بأن الحسي يمكن للوعي الذاتي، فهما متكاملان. الطريف هنا بأن ابن سينا يستعمل عبارة “الشعور بالذات” للإشارة إلى الوعي الذاتي ( في حين أغلب الترجمات الإنجليزية تستعمل قصرا عبارة “self-awareness”). كذلك للذات نوعان من الإدراك الذاتي أولهما بدائي يخول لنا الوعي بما حولنا، أما ثانيهما يمكننا بأن نعي أننا نعي (أن نعرف بأننا نعرف). رغم أن إبن سينا يؤكد بأن للادراك الحسي نقائص، فإن إمكانية التكامل بين الجسدي والذهني من خلال التنبيه هو ما يخول للنفس أن تحقق وحدة الذات والوعي.

هناك مجال للأمل. رغم توسع استراتيجية العاطفة وتفكيكها لقدرة الإنسان العادي على الإنتباه والإدراك الذهني المخول لوحدة العقل والجسد، فإن حرص ابن سينا على الدفع برهان الرجل الطائر يبين لنا أنه يمكن للجسد أن يدمى، أن تُقتطع أوصاله أو يُلتهم، لكن رغم ذلك فإن الروح لا تموت بل على العكس في تخلصها من الجسد بداية التحرر من سلطة الأحاسيس السلبية مما يمكن الجوهر الروحاني الخالص من عملية خلق وإدراك جديدين. تقول الأسطورة الإغريقية بأن زحل لم يلتهم جميع أبنائه لأن زوجته أخفت أحد الأبناء، جوبيتر، الذي كبر في المنفى والذي استطاع بعد أن كبر الإطاحة بأبيه زحل، ليحل محله ويعم العدل والنظام الإجتماعي. مازال هناك أمل.