لا يمكن أن نمرّ مرور الكرام على مشاهد البؤس التي تتراكم بنسق تصاعديّ ومعاناة تتبلور أكثر من خلال ملامح الممثلين التي تراوح المخرجة بينها وبين الفضاء الحاضن لها. سينما نادين “الواقعيّة”، كما تُصنّف، هي أدب دوستويفسكي. فمؤلّف “الإخوة كارامازوف” يسلّط الضوء على عدّة قضايا من خلال تطوّر وتغيّر الظروف المحيطة بالمجموعة (العائلة تحديدا) مع الأخذ بعين الإعتبار تشعّب العلاقات وتضارب الرّؤى. أما مع فيلم “كفرناحوم”، نحن في الجهة المعاكسة، تنتفي المجموعة وتضمحلّ أمام الشخص. إنّها سينما الفردانيّة بامتياز. شخصيات/ذوات مشتّتة وإن تقاطعت طرقاتها (زين والأم الأثيوبيّة) إلا أنّها منعزلة تجرفها سياقات مختلفة تماماً .وإذا ما دفعنا بالتحليل في تبيان طبيعة سينما لبكي من خلال هذا الفيلم، فإننا لن نجد أفضل من الكاتب الفرنسي لوي فرديناند سيلين في كتابة “رحلة في أقاصي الليل” فهو الكاتب الوحيد الذي تجاوز مرحلة الكتابة عن الواقع إلى كتابة الواقع مباشرة. هنا تحاول نادين أن لا تحاكي الواقع بل تصوّره في وضعه الطبيعي. فبطل الفيلم، رغم أنّه مجرّد طفل، إلاّ أنّه متحكّم في نسق الفيلم وهو كائن ممزّق تسلّط المخرجة الضوء على وضعيّته لتكون انعكاسا للفضاء المحيط بصفة عامّة. الصغير زين، بهذا المعنى، هو بطل/ شخصيّة سيلينيّة بامتياز لا تبوح بكلّ أسرارها.