في أحد الملاهي الليليّة بتونس العاصمة، كنت أرقص بصخب على أغنية يقول أصدقائي المُثقّفين أنّها “هابطة”. رغم استمتاعي الواضح كنت أتفحّص الوجوه وأحاول التجوّل داخل رؤوس النّاس. كلّ شيء هنا يُمكن أن يتحوّل إلى مادّة صحفيّة أو موضوع للإستغلال الأدبيّ. غير بعيد عنّي كانت هناك فتاة تجلس رفقة نديمها. شدّني حضورها الفاتن، وبما أنّني أمتلك حدسا قويا عرفت أنّها متحوّلة. أخبرت أصدقائي ولم يُصدّقني أحد منهم فتحوّل الأمر إلى تحدّ بيني وبينهم، لكنّه في الحقيقة تحدّ بيني وبين نفسي لأنّي أبحث منذ مدّة طويلة عن متحوّلين في تونس كي أدوّن شهاداتهم. توجّهت إلى الفتاة وتحدثت إليها بتلقائيّة مُبالغ فيها. اسمها “هيفاء”، كان الكلام معها سهلا وخال من البروتوكولات والتعقيدات، ربّما لأنّ الملهى يُفرغ الناس من جديّتهم ويمتصّ عبوسهم النهاريّ، لا يهمّ. ترتدي هيفاء فستانا أسود مفتوحا عند صدرها البارز وكعبا عال وتضع الكثير من مساحيق التجميل على وجهها، لكنّ تفّاحة آدم التي لم تُزلها بعد تشي بماضيها. كانت تضحك بهستيريا وتروي النكات بسلاسة طريفة، غمزتني وطلبت منّي أن أرقص معها. ابتعدنا قليلا عن طاولتها وتظاهرنا أنّنا نرقص. اعترفت لي أنّها تشتغل عاملة جنس .تبادلنا أرقام الهواتف.

في اليوم الموالي، اتّصلت بي هيفاء باكية، وروت لي قصّتها باقتضاب. تُوفّيت والدتها عندما كان عُمرها خمس سنوات وطردها والدها من البيت عندما علم أنّ ابنه يُريد أن يتحوّل إلى فتاة. لم يكن والدها مُدركا لحجم التمزّق الذي تعيشه، ورغم محاولاتها اليائسة في التقرّب منه والتظاهر بأنّها تعاني من أزمة نفسيّة بسبب وفاة والدتها وزواجه من امرأة أخرى، إلاّ أنّه أصرّ على تعميق المسافات بينهما. قرّرت هيفاء أن تعيش هويّتها الجنسيّة الحقيقيّة لكنّها وجدت نفسها تعمل مع مجموعة من الفتيات غير المتحوّلات واللاّئي رحبّن بوجودها بينهنّ، صيّادة رجال في الملاهي والحانات. لم يكن ما قالته كافيا بالنسبة لي، أردت أن أعرف المزيد عنها لكنّها أقفلت كلّ نوافذها. اعترضتني مرّة بالصدفة في شارع الحريّة بالعاصمة، هممت بلومها لكنّها قاطعت كلامي قائلة: “إنتوما الصحافيين تحبوا تشقشيق الحناك. حياتي صعيبة والكلام ما يوكلنيش الخبز”.