اليوم، فقط بضعة سنوات بعد ظهور الهواتف الذكية ظهرت تقنيات أخرى مثل “انترنات الأشياء” (Internet Of Things) التي مكنت الإنسان من التحكم عن بعد في كل شيء تقريبا وأنتجت البشرية كما خرافيا من المعطيات فتحت الباب على تطبيقات مبهرة أخرى باعتماد تقنيات البيانات الكبيرة (Big Data) والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) مما مكن الإنسان من فهم ومن ثمة السيطرة على واقعه بطريقة فاقت الخيال. وقبل أن نستفيق من هذه التخميرة الأخيرة بدأ البعض يتحدث عن قرب تراجع كل هذا ليُفتح المجال لظواهر جديدة بدأنا بعد نتحسس ملامحها في تكنولوجيا جديدة تسمى “سلسلة الكتل” (Block Chain) مرشحة لقلب العالم رأسا على عقب بعُملات جديدة رقمية وكونية (crypto currency) مثل البت كوين (bitcoin) وتطبيقات أخرى شفافة وفي نفس الوقت مشفرة تتحدى المركزية وربما مفهوم الدولة نفسه وكل هذا التطور الخارق قد يؤدي، كما يتوقع البعض، إلى انتقال “السلطة” تدريجيا في بضعة عقود من الآن، فيما يشبه الخيال العلمي، من الإنسان إلى الآلات والبرمجيات التي أنتجها!

هذا التسارع الرهيب في نسق تطور الحضارة الإنسانية قابلته حالة “ركود” شبه تام دامت عشرات آلاف السنين في بدايات الجنس البشري قبل أن تحصل الثورة الزراعية فتوقف الترحال “والصيد وجمع الثمار” وانتقل الإنسان إلى الاستقرار وملكية الأرض فتكونت الدول ثم الامبراطوريات وظهرت الكتابة والنقود والأدوات المختلفة فأصبح يمكننا أن نقيس نسق التطور الحضاري بآلاف السنين بمعنى أن نمط الحياة وشكلها يتغير تدريجيا كل بضعة ألف سنة فيحدث تغيير عميق على أسلوب العيش والأدوات المستعملة والأفكار والمعتقدات المنتشرة الخ.

ظل نسق التطور الحضاري هذا يرتفع تدريجيا لكن ببطء نسبي حتى حصلت الثورة العلمية والصناعية والنهضة الأوروبية والاكتشافات الكبرى مع بداية القرن السادس عشر فتسارع النسق أكثر ربما إلى مئات السنين فظهرت الآلات الجديدة والمحرك البخاري ثم استعمل البترول كمصدر للطاقة وتم القضاء على عديد الأوبئة والأمراض ووقع اكتشاف الكهرباء وتطورت وسائل النقل فغزا الإنسان الفضاء وبدأ يفهم الكون الشاسع الذي حوله وفي نفس الوقت اكتشف الجراثيم والذرة وبدأ يفهم أدق تفاصيل الحياة التي تحيط به حتى أنه فك رموز الجينات التي تتحكم في الخاصيات الوراثية للكائنات الحية بما فيها الإنسان نفسه.

كما واكب هذا التطور التقني والعلمي تطور فكري وفلسفي لافت أنتج أفكارا جديدة سياسية واقتصادية واجتماعية فظهرت مفاهيم جديدة كالرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية وحقوق الإنسان في محاولة للتأقلم مع التغيرات الكبيرة التي بدأت تشهدها المجتمعات البشرية وقتها. وفي الأثناء وقع اختراع الترانزيستور وتم التحكم في “السيليكون” الموجود في حبيبات الرمل الدقيقة الشيء الذي أفرز لاحقا الثورة الالكترونية التي مهدت للحياة المتسارعة التي نعيشها اليوم والتي وصل فيها نسق التطور إلى عشرات السنين أو حتى بضعة سنوات كما نلاحظه اليوم.

هذا التسارع الحضاري الرهيب والمخيف أحيانا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفهمه أو نحلله أو نتعامل معه بأفكار بشرية ظهرت منذ أكثر من ألف عام حين كانت الحضارة تسير ببطء شديد يجعلها لا فقط مختلفة عما نعيشه اليوم بل يجعل من المستحيل على مفكري ذلك الزمان أن يتخيلوا مجرد التخيل أن يحدث تغيير على حياة البشر حتى بالمستوى الذي ظهر منذ قرنين أو ثلاثة ناهيك أن يقدموا أطروحات فكرية أو فقهية صالحة لزمان غير زمانهم.

الشعوب التي لن تعي فكرة التسارع الحضاري هذه لن تستطيع مواكبة نسق التطور وستنقرض تماما كما انقرضت كائنات أخرى على مر التاريخ لأنها لم تستطع التأقلم مع المتغيرات الطارئة على البيئة التي كانت تعيش فيها. فالكائنات (والأمم) التي تكون في أسفل سلسلة الغذاء (food chain) في عالم دون ظوابط ودون توازنات، علمنا التاريخ أنها في أغلب الأحيان .. تنقرض.