في البداية، يجب التذكير بأنّ الاتحاد الأوروبي يمثّل الشريك الأول في التبادل التجاري مع البلاد التونسية ستين عامًا منذ الاستقلال وقد أدّت السياسة الاقتصادية التونسية إلى حصر علاقاتنا التجارية بالمستعمر القديم والاتحاد الأوروبي بنسبة 80 بالمائة من التعاملات التجارية تصديرا وتوريدا مما زاد في هشاشة التجارة الخارجية وتبعيتها الكاملة لأوروبا الغربية والنتيجة هي أنّ كل اتفاق مبرم مع الاتحاد الأوروبي لا يمكن إلا أن يكون غير متكافىء بالنظر لضيق مجال الحرية للإرادة السياسية الوطنية.

منذ الاستقلال، اتخذت الحكومات المتعاقبة سياسة متريثة في مجال حرية التبادل التجاري فقد انضمت تونس لاتفاقية الجات حسب الطريقة التي نظمتها المادة الثالثة والثلاثون من الاتفاقية. وتنص هذه المادة: “يجوز لأي حكومة ليست طرفاً في هذه الاتفاقية، الانضمام إلى هذه الاتفاقية، …. بشروط يتم تحديدها بين تلك الحكومة والأطراف المتعاقدة. وتتخذ هذه الأطراف القرارات المشار إليها في هذه الفقرة بأغلبية الثلثين”.

اتبعت تونس في البداية إجراء الانضمام المؤقت منذ 12 نوفمبر 1959 (دليل للقواعد والممارسات في اتفاقية الجات) لتنظم رسميا لاتفاقية الجات سنة 1990. ويتمثل هذا الإجراء في قبول المرشحين بصفة مؤقتة بانتظار انتهاء مفاوضات الانضمام. ويتم تطبيق تعريفة الدولة الأكثر تفضيلا لهم دون أن يطبقوا عليها الالتزامات الأخرى آليا في غير ذلك من المجالات.      وهكذا طبقت تونس مبدأ الدولة الأكثر تفضيلا منذ أمد بعيد، وهو مبدأ يتمثل في أن كل ميزة تجارية تمنحها دولة إلى أخرى يجب منحها فوراً لجميع الأطراف المتعاقدة في اتفاقية الجات وبعدها لكل أعضاء منظمة التجارة العالمية. بعبارة أخرى، يتم منح الجميع تلقائيا ودون تمييز ما يمنح لدولة ما مع بعض الاستثناءات.

أبرمت تونس عدة اتفاقيات تحرير في التبادل التجاري أهمها تلك التي أبرمتها مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995 والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 1996 وبموجبها شكلت منطقة تبادل حر بين تونس والاتحاد الأوروبي فيما يخص الصناعات المعملية مع استثناء بعض فروعها مثل النسيج والصناعات التحويلية الزراعية لحماية المصالح الأوروبية. وتلتها معاهدة مماثلة مع الفضاء الأوروبي للتبادل الحر واتفاق مراكش الذي شكل منظمة التجارة العالمية والذي فرض على تونس تفكيك حواجزها الجمركية.

وقد أشادت منظمة التجارة العالمية بهذه الخطوات حيث أكدت أن تونس “اتبعت استراتيجية تجمع بين التشجيع على ترويج الصادرات وحماية الشركات المنتجة للسوق المحلية، وقد احتلت التجارة مكانة بارزة في الاقتصاد التونسي قبل المصاعب الاقتصادية الناتجة عن الاضطرابات السياسية الأخيرة التي شهدتها البلاد. وكانت المنتجات الرئيسية للتصدير تتمثل في الملابس والمنسوجات والجلود والأحذية، وكذلك المعدات الكهربائية لصناعة السيارات والمواد الكيميائية والوقود. أما الواردات فتمثلت في المنسوجات (عموما الملابس)، والمنتجات الزراعية (أساسا الحبوب وغيرها من المنتجات الغذائية)، والسلع الصناعية. وتعد تونس، تقليدياً، مصدراً صافياً للخدمات، حيث تمثل الخدمات 51.2٪ من عائدات النقد الأجنبي. وتحتلّ السياحة مصدرا مهما حيث تمثل أكثر من نصف عائدات النقد الأجنبي من الخدمات. ومع ذلك فإن دخل العمال التونسيين المقيمين في الخارج يتقدم على عائدات السياحة. كما شهدت الخدمات الاستشارية والخدمات المصدرة الأخرى نمواً جيداً” (منظمة التجارة العالمية، استعراض السياسة التجارية: تونس)

لقد هيمنت سياسة “الانفتاح” و”تقليص الحواجز” على العلاقات التجارية والمالية في تونس منذ الاستقلال عدا فترة ما يسمى بالتعاضد (1964-1969) بدعوى أن ذلك من شأنه أن يحفز الاستثمار ويخلق مواطن الشغل ويدفع بعجلة التنمية إلى الأمام كما كان وما يزال رائجا في وسائل إعلام الحكومات التونسية المتعاقبة وتدحضه الوقائع كل يوم أكثر فأكثر. وهكذا فتحت تونس سلسلة من الحوارات والمحادثات والمساومات مع كل مِن منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي وكلها تعمل في اتجاه واحد وهو فتح الأسواق التونسية ودمج الاقتصاد التونسي أكثر فأكثر في السوق الرأسمالية الغربية. وعملا بهذه الالتزامات، خفّضت تونس نسب المعاليم الديوانية بصورة كبيرة وخفّضت بذلك متوسط نسبة هذه الضرائب من 45% في 2006 إلى 14% في 2016 ووقع الحد من عدد هذه النسب إلى ثلاث: 36%، 20% و0%، وهكذا نزلت النسبة القصوى لسنة 2006 والتي تقدر بِ150% إلى 36% منذ 2009.

وتستجيب هذه التخفيضات لالتزامات تونس تجاه الاتحاد الأوروبي بتسوية التعريفة الديوانية للدولة الأكثر تفضيلا بالامتيازات التي التزمت بها تونس مع الاتحاد الأوروبي فيما يخص المواد الغير زراعية عملا بمبدإ أنه يجب منح أي تعريفة تفاضلية تمنحها دولة إلى أخرى فورا لجميع أعضاء منظمة التجارة العالمية. كما عقدت تونس اتفاقيات تفاضلية مع بعض البلدان العربية ومع المنظمة الأوروبية للتبادل الحر وتركيا وإيران.

وفي أحدث تقرير لمنظمة التجارة العالمية، تحث المنظمة تونس على رفع ما تبقى من قيود على التجارة الخارجية في مجالات الطاقة والنقل والاتصالات والبريد والزراعة والبنوك وتدعو لإزالة المحفزات المشروطة للاستثمار الأجنبي والتي تضمنتها مجلة التشجيع على الاستثمار مثل الاستثمار بالمناطق الداخلية أو فرض شريك تونسي أو احتفاظ الدولة بنسبة معينة في رأس المال أو فرض استعمال مواد أولية أو نصف مصنعة تونسية أو خلق مواطن شغل أو تشغيل نسبة من أصحاب الشهادات التونسية وغيرها من الشروط التي من شأنها أن تعطي دفعا ما للسوق الداخلية التونسية على حساب المنافسة الخارجية.

كما تدعو منظمة التجارة العالمية الحكومة التونسية إلى رفع الدعم على المواد الأساسية ومنع الدعم للمؤسسات العمومية باسم مبدأ المنافسة “المتكافئة والنزيهة” وحل الدواوين العمومية كما تدعو لحرية مشاركة الأجانب في البتات العمومية والتخلي عن كل الامتيازات المبنية على جنسية المستثمر أو البضاعة أو الخدمات.

النتائج السلبية لهذا التوجه الليبيرالي

يدعي السيد غازي بن احمد، أحد عرابي اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، في تقرير مدعوم من معهد كونراد اديناور التابع لحزب المسيحيين الديمقراطيين الألماني تحت عنوان “دليل الأليكا: اتّفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق، لفهم أفضل للمفاوضات حول الإتفاق” بأنه إيجابي، يقول السيد غازي بناحمد:

“الاتحاد الأوروبي وتونس ينتمون إلى منطقة تبادل حر، بدأ العمل به باتفاق الشراكة لسنة 1995، هذا الاتفاق الذي بالرغم من انتقاده من طرف شريحة من المجتمع المدني، شارك في إعطاء دينامكية للاقتصاد التونسي وجعله أكثر منافسة. وهكذا ومنذ 1995 ارتفع   التبادل التجاري إلى أكثر من الضعف، والصادرات التونسية (ومن بينها قطاعي النسيج والميكانيك) نحو الاتحاد الأوروبي قد تضاعفت ثلاث مرات وتطورت بسرعة الاستثمارات الأوروبية. ولكنّ الاتفاق اقتصر على إلغاء تدريجي للمعاليم الديوانية على المنتوجات الصناعية وتنفيذ بعض التنازلات في تبادل المواد الزراعية ومن بينها زيت الزيتون الذي بقي يخضع لتحديد كمية مضاعفة؛ سنوية وشهرية من طرف الاتحاد. هذا الاتفاق في التبادل الحر وُضع على قاعدة غير متماثلة وتدريجية لفائدة الجانب التونسي بالنظر إلى كون الاتحاد الأوروبي قد فتح أسواقه للواردات من تونس فور إمضاء الاتفاق بينما تمتعت تونس بمرحلة انتقالية لتفكيك تدريجي للتعريفة الجمركية من أجل تأهيل قطاعها الصناعي”.

إن قراءة متأنية لهذا التقييم لاتفاق التبادل الحر يبين أن كاتبه أراد ترك انطباع مغلوط لاتفاق كان لصالح الطرف التونسي ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماما، فمقابل تنازلات محدودة تخص زيت الزيتون فككت تونس تدريجيا نظامها الضريبي. لقد أدى تفكيك الحواجز الديوانية إلى خسارة كبيرة لميزانية الدولة حيث كانت تمثل سنة 1995 ما يقارب 22 في المائة من مجمل المداخيل الضريبية للدولة لتصبح سنة 2010 أي بانتهاء الفترة الانتقالية 4,4 بالمائة مما أجبر الحكومة على زيادة الضرائب المباشرة وغير المباشرة وخفض الاستثمارات العمومية ومصاريف الدولة خاصة في البرامج الاجتماعية.

وهكذا ارتفعت الضريبة على الدخل لتمثل سنة 2010: 39,6 بالمائة بعد أنكانت سنة 1995 تمثل 23,2 بالمائة والضرائب غير المباشرة أصبحت تمثل 29,5 بالمائة بعد أن كانت 25,7 بالمائة مما أثقل كاهل الأفراد والمؤسسات وزاد من ظاهرة التهرب الضريبي كما أدت هذه السياسة إلى زيادة البطالة وخاصة منها بطالة أصحاب الشهادات.

إن ادعاءات السيد بن احمد تنبني على مغالطات محاسبية مفضوحة إذ أن التطور الكبير للصناعات المعملية تمثّل خاصة في تلك الصناعات المصدرة كليا والتي لا تمتّ بصلة للاقتصاد التونسي سوى أنها أُنشئت جغرافيا في تونس وخاصة على السواحل لتستغل الأيدي العاملة الرخيصة وتصدر كل منتوجها لأوروبا وتبقى أرباحها في أوروبا فقد جاءت لتونس للمناولة فقط لتنمّي اقتصاد المركَز بجني مرابيح كبيرة تبقى في المركز ولا يكون لها أدنى تأثير يُذكر على تونس سوى بعض الفتات القليل الذي يُعطى بالدينار للعمَلة المستخدمين؛ فارتفاع الاستثمار المباشر من 14,1 مليون دينار سنة  1995 الى 573,6 مليون دينار في سنة 2010 لا يعني شيئا بالنسبة للاقتصاد التونسي حيث يوظَّف القسم الأكبر في الصناعات الموجهة كليا للتصدير. وقد أدى هذا المنوال إلى ارتفاع غير مسبوق للتوريد مقابل ارتفاع ظاهري للصادرات حيث أنّ جزء مهما منها لا تعود مداخيلها لبلادنا ولا تخضع لقانون الصرف للبنك المركزي كما أنّ أصحابها ليسوا ملزمين بإرجاع مداخيل التصدير. وتؤكد التقارير الاقتصادية مثل تقرير البنك الدولي أو المعهد الوطني للإحصاء أنه منذ دخول اتفاق التبادل الحر حيّز التنفيذ فقدت تونس 10 آلاف مؤسسة صناعية و400 ألف موطن شغل. وتؤكد مصادر أخرى أن تونس خسرت، بين 2005 و2015، 4319 مؤسسة صناعية (عن مداخلة للخبير الاقتصادي جمال عويديدي في الوطنية).

إن قراءة هيكلة الميزان التجاري تُبين أن الجزء الأكبر من الصادرات تأتي من قطاعات النسيج والملابس ومواد الجلد وقطاع منتجات الصناعات الميكانيكية والكهربائية أي تلك التي تنتمي أساسا للصناعات المعملية الموجهة للتصدير والتي تتبع نظام المؤسسات غير المقيمة والتي لا تخضع لقانون الصرف  حيث كان مجموع الصادرات في هذين القطاعين سنة 2013 يعدّ 16591,8 مليون دينار أي ما يمثل 59 بالمائة من مجموع الصادرات.  وقد ارتفع سنة 2017 إلى 23518,9 مليون دينار أي بنسبة 68,3 بالمائة من مجموع الصادرات؛ وهذا يعني أنّ أكثر من ثلثي قيمة الصادرات لا تخضع لوجوب عودة عائداتها للبلاد التونسية.

وإذا علمنا من الإحصائيات الرسمية أن العجز التجاري بلغ الآن 19,05 مليار دينار أي 13بالمائة من الناتج الداخلي الخام فإن العجز إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه لا يستوجب عودة مداخيل الصادرات لغير المقيمين يصبح هذا العجز قرابة 29 مليار دينار أي 25 بالمائة من الناتج الداخلي الخام. وهذا يفسر انزلاق الدينار المريع بالمقارنة مع الدولار والأورو حيث خسر الدينار منذ جويلية 2008 ما يعادل 137 بالمائة من قيمته مقابل الدولار الأمريكي. وتسارع هذا الانحدار منذ سنة 2016 حيث خسر الدينار من قيمته 40 بالمائة مقابل الأورو. وليس غريبا أن نشاهد مثل هذا الانحدار بعد سلسلة الكبوات التي يعيشها الاقتصاد التونسي منذ اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيث أن هذا السقوط هو في مصلحة المستثمرين الأجانب وخاصة منهم الغير مقيمين والذين يرون مصاريف العملة تتدنى بتدني قيمة الدينار وتتدنى معه أيضا قيمة المؤسسات الاقتصادية الوطنية تحضيرا لاستحواذ هؤلاء المستثمرين عليها بأبخس الأثمان. والضغوط المسلطة على تونس للانخراط في اتفاق التبادل الحر هو بمثابة الفصل الأخير لالتهام الفريسة التي حان الانقضاض عليها من الرأسمال الأجنبي بالتعاون مع عملائه في البلاد والذين هم الآن في سدة الحكم.