نستعيد هنا أغنية لمراد مسعودي (2019) للوقوف عند ما يفعله الفن في تشخيص ما نحياه اليوم من كوارث وللوقوف عند الدمار السياسيّ. ولأنّ السياسة ليست سوى منح  الفرصة لمن عُدّ طويلا خارج دائرة التعبير، واختراع أدوات نحو مرئية ما غُيِّبَ وتمّ إقصائه، فإنّ هذه الأغنية والتي تنتمي إلى ضرب من الكوميديا السوداء تكشف عن مدى عمق القاع الذي بلغناه، وتحصي أشكال السقوط المختلفة والمزاعم والأكاذيب التي ننسج من خلالها المشهد.

تنبني هذه الإغنية على اشتغال عميق على المُضمَر، بوصفه ما لا نقوله بشكل بيّن، إذ هو تقنية تشتغل على الإيحاء، ومن ثم فالمضمر يخترع مساحة تأويلية تضمن حرية المؤول قصد تأويل المعاني. وإذا كان المعنى البيّن والواضح لا يعوّل على ذكاء القارئ، إنّما هو يسعى إلى ضبط ملكة التأويل وتقييدها، فإن المُضمر يستند إلى أمر آخر، إذ هو يُعوّل على هذا الذكاء ويؤمن به. فعالم الأغنية هنا، هو عالم بمقدار تعاضد الأثر مع هذا القارئ النموذجي. وإذا كانت الأغنية تأتي بلسان شعبي فإن القارئ النموذجي هنا ليس من جنس النخبة في شيء، بل هو من عامّة الناس، أي كائنا من كان: المهمّشين والمفقرين والمعطّلين، أي بوصفهم من يُعَدّون باستمرار أصواتا انتخابية وتعدادا سكانيا لا أكثر.

يشير الفيلسوف غريس (Herbert Paul Grice) إلى ارتباط المضمر بالإيحاء، أي “أن نوحي لأحد الأشخاص بالتفكير في أمر ما”[i]، لذلك فهذه الأغنية هي دعوة للتفكير، ومن ثمّ هي تدريب على استعمال العقل. فحين يُشار في الأغنية إلى تحوّل اليسار إلى يمين وتحول المساجد إلى معابد وتحول الحيوانات الأليفة إلى حيوانات برية متحكّمة في مصيرها فهو لا يعني البتّة أنه يقوم بعملية توصيفية من وراء ذلك، بل على العكس تماما. فحين أقول أن الثمن باهظ فأنا لا أقصد المعنى الحرفيّ، ولكنّي أقول في مقابل ذلك، وبشكل مُضمر، أنني لن أشتري هذه البضاعة. لذلك ووفق السياق التاريخي الذي تنتمي إليه الأغنية فهي دعوة مُضمرة للشعب المنسي إلى ممارسة الكلمة الأخيرة بوصفها تفكيرا وعقابا.

هذا هو موضوع الأغنية: تأتي اللازمة هجينة بين لغتين، اللغة الفرنسية واللغة العربية في لسانها المحليّ التونسي، ونوعا من التركيب الخاص للغة الفرنسية وهي تتجاور جنبا إلى جنب مع اللسان المحلي لهذا الشعب الذي يتصرف وفق تشكيله الخاص في استعمال اللغات. لازمة تأتي متسارعة بالمقارنة مع باقي المقاطع، وتأتي متجانسة مع صورة السرك الانتخابي.

ما الذي تخفيه لازمة الأغنية “يعمل ربي دليل”؟  تحيل العبارة في السياق الشعبي التونسي إلى معنيين: المعنى الأول هو الإرجاء في التنفيذ، أي هو العبارة التي تتكئ على الميتافيزيقي دون أدنى إشارة إلى مصير الطلب، فالمتلفظ لا يعد ولا ينفي، إنّما يضع الآخر صلب منطقة غير قابلة للحسم، وما لا يقبل الحسم هو هذا البين- بين، لا هذا ولا ذاك. بينما يحيل المعنى الثاني على الوعيد بوصفه إنذارا وتوعّدا وتهديدا بمصير لا مهرب لنا منه. لذلك فإن هذه الجملة لها ماهية الفعل والإنشاء والإنجاز.

وإذا كانت هذه الأغنية ترسم المشهد السياسي اليوم ، فهي ترسم الديمقراطية  تحديدا وفي صورتها اللقيطة، هذا النظام الذي يأتينا من الإغريق مرورا بالغرب دون أن نتمكن بعد من إنشاء أنظمة تخصّ ذواتنا العميقة. لذلك فالديمقراطية التي نحياها هي شكل من  التتفيه المحكم والمنظم لقضايانا الجوهرية،  والذي نشارك فيه عن طواعية أو تحت الهرسلة الإعلامية أو من باب عاطفة الانتماء إلى بقايا هذا الوطن. إذن هي أغنية في تفكيك إستراتيجيات الكذب السياسي. وإذا كان علينا التعاطي مع لازمة الأغنية، فإن المنظور البراغماتي يمكن أن يكون دليلنا. يشير أوستين في كتابه “نظرية أفعال الكلام العامة. كيف ننجز الأشياء بالكلام” أنّ النطق بالجملة هو إنجاز لفعل”[ii]، وبذلك فإن المتلفظ وكما يقول دريدا بأنه ضمنيا وبمجرد الدخول في اللغة فإنه يعِد بقول الحقيقة ويفعل ذلك. لذلك فإن اللازمة التي تشير إلى عدم اعتراض الشعب على هذا الاستعراض السياسي، تضمر وعيدا وعقابا وتوعدا.

تحصي الأغنية نماذج متعددة للكذب وفق بلاغة قائمة على المفارقات، غير أن الكذب هنا ليس حالة بلفعلا مقصودا.”ففعل الكذب يعني أنّنا نتوجه بالكلام إلى الآخرين لكي نُسمعه قولا أو مجموعة من الأقوال الإنجازية (Performatifs) أو أقوال المعاينة (Constatifs)، نعرف وفق وعي بيّن وهادف وحالي أنّها إدعاءات خاطئة جزئيا وربّما كليا”[iii].

تنخرط المتاجرة بألم الشعوب في خانة الفعل الكاذب، إذ أن المُتاجر هو كما الناظر إلى اتجاهين : عين تصطنع بكائها وتمتهن مرثيات الشهداء والمعدمين والمفقرين، أي بوصفهم هذا “القِلّيِل” الذي يفتقر إلى هوية وتعري كما يفتقر إلى سلطة الكلام، وعين أخرى تتطلع إلى السلطة بوصفها الاستحواذ على أنظمة الكلام. لا يعكس الناظر في اتجاهين إلى مفارقة جوهرية، إنّما هو التضارب الذي يشكّل حقيقة واحدة: فالعين البكّاءة  تقنية سياسية في الاستجداء، حدّ التلاعب بلحم الميّتين من أجل التحكّم بلحم الأحياء. ولأنّ “القلّيل” هو هذا الكائن العاطفي الذي لم ينخرط أبدا في سياسة المدينة وظل يحافظ على فطرته وبراءته، فقد كان الظنّ بالآخر وعدم تصديقه فعلا مشينا وطريقا إلى الظلال، لذلك هو دائم التصديق. وظلّ لا  يصلح إلّا للمتاجرة والتلاعب. لذلك فالتلاعب هو في أصله فعل كاذب مادام يضمر ما لا يقول.

ولأن الثورة لم تحفظ نطفتها، ولدت كيانات ممسوخة. تشير الأغنية إلى ضرب من التحوّل من الحيوانات الأليفة (قطط) إلى حيوانات برية ( لبّة – لبؤة) تتحكم في مصيرها، وتقدم نفسها بوصفها الضامن الفعلي للدولة. تحتاج الأنظمة الديكتاتورية إلى حيوانات تسلية فتنتجها. وليس غريبا أن نمرّ من السياق الإنساني إلى السياقي الحيواني. ولأنّ الحيوان لا يمتلك سوى الصوت تعبيرا منه عن اللذة والألم، فإنّ الأنظمة السياسية كثيرا ما تتعاقد مع هذه الكائنات كي لا تحرجها. وفي حقيقة الأمر فإنها أنظمة تخاف التعبير وتستهجنه باعتباره تدشينا لفعل التفكير والاستعمال الحر للعقل، فقد دأبت على استنساخ هذه النماذج التي تتقدم اليوم بوصفها ضامنة للرغبة الثورية للشعوب. غير أن هذا النموذج هو ما تحدده حنه أرندت في السياسة والحقيقة ومن بعدها دريدا في نصه تاريخ الكذب بالتلاعب: “التلاعب على مستوى واسع بالأحداث والآراء”[iv]، وهو شكل من إعادة كتابة التاريخ.

تقوم الأغنية هنا بوصفها الشاهد الحقيقي وتعيد بسط التاريخ وتقوم بكشف التلاعب الذي قامت به هذه السياسات كي نعتقد أنها سفينة نوح. وإذا كانت الأغنية تتخذ من الحكمة الشعبية حجّة، فهي تحاجج متصرفة في هذه الحكمة، ونشهد مرورا من الحكمة الأصلية “إلّي فيه طبة ما تتخبا” إلى “إلّي فيه صبة ما تتخبا” ، أي التأريخ لماضينا السياسي الذي قام طويلا على الوشاية.

ينتمي هذا التلاعب  إلى مسلسل الكذب، “فمسلسل الكذب كما يمارس في عصرنا هذا، لا يقتصر على مجرد إخفاء وحجب الحقيقة، بل يسعى إلى نقض الواقع أو الأرشيفات الأصلية”[v]، ويريد إعادة بناء تاريخ الشعوب وفق معطيات مغالطة. غير أنّ الفن يعرف جيدا كيف يحفظ التاريخ ويعيد كتابته وفق ما يخصّه. وإذا كان التاريخ ليس شأنا فنيا، فإنّ له من الإستراتيجيات ما يجعله شاهدا. وعلى شاكلة هذا المثال من عدم الاستعمال النزيه للتاريخ، نشهد ضربا آخرا من الأفعال المخادعة، وهو مرور من السياق الديني إلى السياق السياسي، ومن المتديّن إلى الكاهن، ومن المسجد إلى المعبد، ضرب من الانزياح من العهد الفرعوني إلى الزمن الديمقراطي. إنها كيانات لا تأتي فحسب من زمن آخر لسكنى الزمن الديمقراطي، بل هي تسعى جاهدة إلى أسلمة الديمقراطية وإعادة حقن الهووي، وإلى التفاوض حول المعتقد. ورغم أنّ السياسة شأن عمومي فيما المعتقد هو شأن شخصي، فإنّ المخادعة في هذا الخلط، تلقى رواجا لدى من لم يتجرأ على استعمال العقل. تطرح الأغنية هنا ما اقترحه فتحي المسكيني في نصه هل عاد الحاكم الهووي إلى مكانه؟ أو الثورة في الوقت الضائع…. متسائلا:” كيف انطلت علينا هذه الحيلة: إنّ من لا يؤمن بالعصر ولا بمُثُلها الروحية ولا بثوراته الحقوقية والعلمية والوجودية يمكنه أو يحقّ له أن يمثّلنا أمام أنفسنا؟ أو أمام العقل الإنساني الحالي؟ كيف سمحت الشعوب لنفسها بالتخلي عن سلطتها التي اقتلعتها من الحاكم الهووي وتسليمها إلى من لا يؤمن بقيمة الحرية ويعتبرها بابا رسميا للكفر والضلالة وتضييع “الأمة”؟”[vi]

يقرّ المسكيني أنّ في الأمر حيلة وتغرير ما. لقد انطلت الحيلة، ذلك أنّنا لم نتجرأ قط على استعمال العقل، ولم نشرع أبدا في التفكير في النقطة الأكثر إحراجا، ولم نقتنع بعد أنّنا قد غادرنا نهائيا وبشكل لا يقبل التفاوض كل أفق هووّي. وربما أن التديّن بما نفهمه اليوم هو ادخار الجهد وتعليق القضايا على الغياب، وإرجاء استعمال العقل. لذلك تمّ الاستيلاء على ثورات الشعوب، وبذّرنا ما ادّخرناه، وصدّقنا هذه العودة الهووية باعتبارنا شعوبا تفتقر للإيمان. لقد كذبوا مرتين. مرة حين تم تحريف النص، ومرة في تغرير هذا المؤمن، وبذلك هم مُظّللون.

وإذا كانت هذا الإستراتيجية في الكذب تقوم على الخلط بين السياقات واستثمار هذا لذاك، فثمّة استراتيجيات أخرى تكشف عنها الأغنية، لا تقوم على التمويه بل تقوم على الصمت وافتعال البلاهة. وسنمرّ من الحاكم بوصفه الأقدر على تطبيق العدالة، إلى الحاكم بوصفه هذا الشاهد الذي لا يشهد على شيء (شاهد ما شفشي حاجة)، بل هو يحافظ على صمته. ضرب من الانتقال الذي تجريه الأغنية من الحاكم الديمقراطي  إلى شخصية سرحان عبد البصير للمخرج هاني مطاوع. غير أنّ سرحان عبد البصير في هذه الأغنية هو الحاكم الذي يفتعل الصمت من أجل الحكم ثانية. ويتظاهر بالبلاهة. كيف يمكن للحاكم أن يصمت أمام الخراب؟ أليس الإمتناع عن قول الحقيقة هو شكل من الكذب المقنّع؟ وهو بذلك كذب مثنّى.

لم تكن هذه هي التقنيات الوحيدة في الاستحواذ على أمل الشعوب، إذ تتطرق الأغنية إلى الخلط الفظيع بين السياسة والحب والكذب. وإذا كانت السياسة شأنا عموميا، فإن الحب شأن حميمي لا يقبل الإستعراض. فالحب هو الحدث الذي يقع بين اثنين، وهو تجريب خبرة الاختلاف وتجريب العالم من منظور الاختلاف[vii]، غير أنّ ما تقدمه الأغنية هي الأفكار الليبرالية للحب، أين يسعى الأزواج لتقاسم السلطة (الراجل في الرئاسة والمدام في القائمات). وهو بذلك “طريقة محسوبة مقدّما” و”استثمار مربح”[viii] كما أشار ألان باديو. يشكل هذا الانتقال من تجريب الاختلاف إلى الاستثمار المربح للعاطفة تصنعا وزيفا، زد على ذلك كثرة الخطابات والزعْم بأنهّم الحرّاس الشرعيّون للثورة، في حين أنّ الأغنية تقف عند البوْن الشاسع بين الخطاب بوصفه مجرد وعْد زائف وبين الماهية الأصلية للخطاب بوصفه فعلا في قول الحقيقة. وهم بذلك إنّما ينسجون مشهدا زائفا. فالتزييف هو قرين الكذب.

ثمة نموذج آخر للكذب كان قد أشار إليه روسو، وهو الكذب على الذات، “فهل يجوز الحديث عن الكذب على الذات؟ هل بإمكان الإنسان أن يكذب على ذاته، أي أن يقول لها وعن قصد شيئا يعي جيدا بأنه هو مخالف لما يفكر فيه حقيقة (…)وأن يقوم بذلك قصد إلحاق الأذى بذاته والتقصير في حقها، وذلك بالإضرار بها؟ “[ix]. مثل هذا السؤال هو ما يتّم التعامل معه في الأغنية ، فاليسار دشن كذبته الأكبر في تاريخه عبر اختراعه لتلك الجبهة و ادعائه بأنها الأقوى. يشكّل الإدعاء هنا، وهو شكل تعويضي ، إيذاء للفكر اليساري، لذلك تستدعي الأغنية أيقونتين في اليسار (لينين وستالين) كي تكون شاهدة على هذا الإدّعاء. ورغم أنّ اليسار لم يسعى إلى تدمير نفسه، إنّما وفي ادعاءه التعويضي النفسي بأنه الأقوى قد قام بذلك، وكان كاذبا. وإذا استنجدت الأغنية بالنديب والنواح، فهي تنقلنا جوهريّا من معجم انتخابي سياسي إلى معجم جنائزي، وبذلك دشّن اليسار موته ونحت جنازته من مادة الإدّعاء. جبهة برأسين، ضرب من المسخ الذي يحياه اليسار. ورغم كونه كان صادقا، أي أنه لم يقصد تدمير ذاته، فقد كان كاذبا ودمّر نفسه. لذلك فالكذب لا يتعلق بالنّية، فبمجرد أن تدخل في اللغة وتستعملها بوصفك تنتمي إلى الإنسانية، فإنك تعِد وبشكل مُضمر أنك ستقول الحقيقة. فهل كان اليسار صديقا للحقيقة؟

هكذا تأتي الأغنية درسا في الكذب السياسي، غير أن ما يجب الإشارة إليه في النهاية ورغم الأصناف المختلفة للكذب أنّها تلتقي عند مسألة الكذب على الذات بوصفه المرض الأكثر معاصرة. ففي نظر حنه أرندت فإن كل تاريخ الكذب المعاصر هو كذب على الذات وإيذاء لها. ومن ثمّة فإن التحيّل والاستجداء الكاذب والخديعة والتدليس والتزييف، أي ما كشفت عنه الأغنية، كلّ ذلك يلتقي عند الكذب على الذات. فهل تتحمل ذواتنا تاريخ الكذب السياسي هذا؟

 

[i] كاترين كيربرات- أوريكيوني، المضمر، ترجمة ريتا خاطر، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2008،ص.40.

[ii]  أوستين، نظرية أفعال الكلام العامة. كيف ننجز الأشياء بالكلام، ترجمة عبد القادر قنيني،الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 1991، ص. 16.

[iii]  جاك دريدا، تاريخ الكذب، ترجمة وتقديم رشيد البازي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي،2016، ص.25.

[iv]  المرجع السابق،ص.42.

[v]  المرجع السابق،ص.42.

[vi]  فتحي المسكيني- أم الزين بن شيخة المسكيني، الثورات العربية…سيرة غير ذاتية، بيروت، جداول، 2013، ص. 130.

[vii]  ألان باديو، في مدخح الحب، ترجمة غادة الحلواني،بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر،2014 ، ص. 65.

[viii]  المرجع السابق، ص. 56.

[ix] جاك دريدا، تاريخ الكذب، مرجع مذكور، ص.21.