صورة لمالك خميري

النظام السياسي التونسي الهجين بين البرلماني والرئاسي الذّي صيغ ليقطع الطريق أمام صعود أية شخصية مستقلة لم تحظى على الأقل بالتوافق بين مكونات المشهد السياسي والكتل البرلمانية التي تحكمها التحالفات، يجد نفسه اليوم أمام معضلة سياسية بنجاح المرشّح المستقّل قيس سعيد الذي أربك الحسابات بصعوده نحو الرئاسة دون تقديم قائمات تسانده في الانتخابات التشريعية التي يبدو غير معنيّ بها. هذا الفراغ يفتح بابا واسعا للتبني السياسي للرجل ومشروعه : مئات من القائمات المستقلة في كل الدوائر أضافت اليوم في وعودها الإنتخابية بأنها ستكوّن حزاما برلمانيا حول قيس سعيّد في صورة فوزها وفوزه، و حتى المترشح للرئاسية سيف الدين مخلوف الذي اتهم بالأمس بسرقة/تحويل جزء من تزكيات قيس سعيد لصالحه، ونعته في إحدى المناسبات برجل دون ماضٍ نضالي في مقارنة بينه وبين المرزوقي، يدعم اليوم سعيّد ويتعهّد بالتفاف قائمات إئتلاف الكرامة حوله. قيس سعيد، الذي يحتل اليوم طاولة النقاش السياسي، هو بحقّ دون عائلة واضحة.

حملة متشعّبة

حملة قيس سعيد تمّ توصيفها بطرق عديدة، أفقية وغير إعتيادية وحملة تفسيرية لا إنتخابية وحملة مجانية، ولكن بعيدا عن كل هذه الكليشهات، فقد كانت حملة متشعبة لأنها كانت مفتوحة وغير منظمة أصلا.

صحيح أن قيس سعيد مع نواة ضيّقة من الشخصيات التي طرحت أسماؤها مجددا في الشأن السياسي مثل رضا “لينين” وسنية شربطي هم مركز الحملة والجهة الرسمية التي تمثلها، لكن في السباق الإنتخابي هؤلاء لم يكونوا الطرف الحاسم أو المؤثر أصلا.

مئات من الصفحات والمجموعات المجنّدة لخدمة حملة قيس سعيد، عشرات من المجموعات في مختلف الولايات، أخذت على عاتقها مسؤولية القيام بالحملة في الجهات والتعريف به والقراءات المختلفة لمشروعه، فغيابه عن الإعلام وبقاؤه في الصف الخلفي سهل المهمة : لا مواقف واضحة من جلّ المسائل، لا اشتباك مع أي من المترشحين، لا ردود، قيس سعيد كان شبحا سياسيا يمكن لأي كان أن ينسب نفسه إليه. الحملة غابت عن الرادار الإعلامي واكتفت بالميدان الإفتراضي بٱلاف الحسابات المتجندة لدعم قيس سعيد تطوعا سواء عن اقتناع فردي بحت أو عن دعم ممنهج لحساب مجموعات مختلفة وتيارات عديدة إلتقت كلها و التفت حوله (convergence).

إلى حد هذه اللحظة، تبقى أسباب هذا الإلتقاء “العفوي” بين مجموعات مختلفة بدون تفسير واضح و مقنع، غير أن صعود قيس سعيد للدور الثاني وضع هذا الإلتقاء تحت المجهر، أيام قليلة بعد الإعلان الرسمي عن النتائج الأولية الإنتخابات كانت كافية لتنفجر الخلافات : بيانات عديدة تستنكر اختطاف قيس سعيد من قبل مجموعة “يسارية متطرفة” وعزله عن حملته، بيانات أخرى تصفه بالسلفي و بأن حزب التحرير هو من وراءه، وبيانات تجزم بأنه العصفور النادر الحقيقي للنهضة. إدعاءات من هنا وهناك و قصص عن الدور الخفي لرابطات حماية الثورة وحتى المخابرات في صعود قيس سعيد.

كل هذه المجموعات التي عملت منذ أشهر على إيصال سعيّد للدور الثاني تتنازع اليوم حول أحقية “امتلاكه”، في ظل سكوت غامض للرجل الذي التزم الصمت مدّة من الزمن قبل أن ينتقي بعناية المنابر الإعلامية التّي تحدّث إليها.

 “سلفي لينيني”

التناقض، هذا هو عنوان المرحلة في ما يتعلق بقيس سعيد، بينما يكتفي الرجل بالخوض في غمار مشروعه السياسي المطروح منذ 2011، يخوض البقية في مهمة إيجاد تصنيف له.

وجود بعض الوجوه اليسارية في الحملة كان بريق أمل لعائلة يسارية إجتماعية مشتتة منيّت بهزيمة مدوية دون مراجعات أو مواقف أو تقييمات حتّى هذه اللحظة. رضا شهاب المكي المعروف برضا لينين أصبح قشة يتنفس بها المئات من الشباب اليساري الذي صار يتبنى فوزا لمجرد تقصي رائحة اليسار في المشهد السياسي الحالي.

الجيل القديم من اليساريين، يبقى دون موقف أو تصريح، جيل الهزيمة والنكسة كما يسميه أحد الأصدقاء، هو جيل رغم أنّه الأدرى بشعاب المشهد لم يبد رأيا ولم يصغ موقفا مما حدث، مكتفيا بالصمت في إنتظار انتخابات تشريعية قد تبث فيه روحا جديدة ببعض النواب عن إحدى الجبهتين.

الخرفان السوداء[1] كلها اصطفت مبكرا وراء قيس سعيد، سيف الدين مخلوف والمرايحي والصافي سعيد وعديد المكونات منها التّي نصّبت أنفسها متحدّثة باسم “الثورة” يرون فيه خير ممثل لثورة الحرية والكرامة.

في الطرف المقابل، في ظل غياب دعم معلن، لنبيل القروي القابع حتى اللحظة في سجن المرناڨية، فقد يتحول بمجرد خروجه وتخلصه من وصم “الفساد/المافيوزي” إلى الحصان الذي ستراهن عليه بقية مكونات المشهد السياسي المستفيدة من النظام الحالي والمتمسّكة ببقاءه. غموض قيس سعيد وامتناعه عن الجلوس إلى طاولة النظام بمختلف مكوناته قد يكون سببا كافيا لاصطفاف أحزاب وشخصيات سياسية وراء نبيل القروي القابل لقوانين اللعبة وصاحب الحزب المرشح لنيل كتلة نيابية معتبرة بصفته ممثلا للنظام الحالي في وجه منافس قادم من خارجها وحامل لمشروع سياسي مغاير لها.

على يسار السلطة، على يمين المجتمع المدني

جاء قيس سعيد بطرح سياسي يقترح ديمقراطية مغايرة لما نعرفه اليوم في طرق التمثيل والإنتخاب والهيكلة. رفضه المبكر للنظام الحالي من خلال رفض فكرة المجلس التأسيسي منذ 2011 كان منعطفا حاسما في مسيرته السياسية: إذ أنّ هذا الموقف وهذه الرؤية المبكرة لديمقراطية تنطلق من القاعدة بدل أن تكون مسقطة من قمة الهرم السياسي (أي في شكلها الحالي) هو الذي جمعه بنواة حملته الحالية، رابطة قوى تونس الحرة في شخص رضا شهاب المكي وسنية الشربطي واليساريين الذين رفضوا منذ البداية الانخراط في النظام المقترح. هذه المجموعة نجحت في السنوات الثماني الماضية في طرح أفكارها والوصول إلى أعماق تونس ولم تتضرر من حصيلة الحكم التي قضت على النخب السياسية وأكلت أبناءها من المعارضين والحاكمين. حصيلة كانت ثقيلة على الشق اليساري الذي قبل اللعب ضمن قواعد التأسيسي والمجلس النيابيّ الحالي.

قيس سعيد كان صوت هذه الكتلة المريدة إستكمال المسار الثوري وتحقيق سلطة للشعب يمسك من خلالها بزمام أموره محليا وجهويا قبل الوصول إلى المستوى الوطني. كل هذه الوقائع جعلت من شخص قيس سعيد ممثلا للمسار الثوري، حتى إنه في لحظة إعلان فوزه في الدور الأول انطلق الجميع بما فيهم هو في ترديد “أوفياء أوفياء لدماء الشهداء” مع المحافظة على كلمتين ترددتا في كل شعارات الثورة : الشعب يريد.

إن كان كلّ ما سبق ذكره يجعل قيس سعيد على يسار السلطة، فإن مواقفه المحافظة في ما يخص مسألة المساواة في الميراث وفي المحافظة على عقوبة الإعدام وحتى رفضه للمجاهرة بالمثلية الجنسية متعللا بكونها أمرا مسقطا من قبل منظمات وجمعيات أجنبية، تضعه أمام فوهة المدفع في مواجهة المجتمع المدني، الأمر خلق زخما تجاوز نظيره المحيط بمنافسه المباشر نبيل القروي، الذي ورغم علاقته المتوترة بجمعيات مثل “أنا يقظ” ومواقفه المعادية للمجتمع المدني، فقد تلافى الصدام مع منظّمات المجتمع المدني بينما سقط فيه قيس سعيد الذي خلق حالة من عدم الإرتياح بمحافظته المريبة.

أستاذ القانون الدستوري المحافظ لا يرى أصلا سببا للخوض في المسألة بينما يتعلل بعض أعضاء حملته بكون المسألة ستحسم في المجتمع ببطء دون تدخل فوقي من السلطة المركزية وبأن مسألة الأخلاق والحريات والقيم هي قضايا سيعود للشعب تحقيقها وتحديدها بمجرد إعطاءه السلطة في شكل النظام الذي يتبناه قيس سعيد ويعد بعرضه على الإستفتاء.

[1] المقصود بها مرشحي الرئاسة من خارج الأحزاب الممثلة في المجلس حاليا