في هذا الزمن السعيد بانفجار الثورات الاجتماعية في العالم لم يجد الرئيس أفضل من العد التنازلي لاستهواء الشباب بالإحالة الماضوية حتى وان كانت ماضوية قريبة.” لقد أذهلتم العالم بثورتكم” ، هذه الاستعارة الماضوية المستهلكة تبدو مهزلية أمام تراجيديا الحاضر التي لا تخفى على السيد الرئيس. ولئن سعى قيس سعيد إلى تحيين شعارات الثورة الاجتماعية ونفض ما علق عليها من غبار خلال العشرية الفارطة فإن مسعاه يبدو مخاتلا.

ماضوية مهزلية وحاضر تراجيدي

كان يجب على الرئيس أن يتحدث عن الذين أذهلوا العالم من بعد ثورة الشباب و ليس أثناءها. فمن بين الذين أذهلوا العالم في بلدنا نجد عصابات الطبقة السياسية على بكرة أبيها التي ضربت عرض الحائط استحقاقات الثورة الاجتماعية لتسخر كل طاقاتها للمناورة والكذب والنفاق و”التبلعيط” والحروب البينية بدون هوادة وبلغ الأمر حتى الجريمة السياسية.

والذين أذهلوا العالم كذلك هم السياسيون الذين وضعوا أياديهم في أيادي الطغم المالية ليعيثوا في الأرض فسادا ويجعلوا من الغاية مبررا للوسيلة لتخريب الاقتصاد ونهب مقدرات البلاد ومزيد تفقير أهاليها.

والذين أذهلوا العالم أيضا هم أولئك الذين فتحوا البلاد على مصراعيها للتدخلات القطرية والسعودية والخليجية عموما لاستخدام نفوذ البترودولار وزرع شبكات الإرهابيين في أريافنا و مدننا.

حقا لقد ذهل العالم عندما تبين أن هذا البلد بقدر ما برهن على قدرات ثورية كبيرة بقدر ما افرز كذلك من حثالات سياسية وضيعة ذات قدرات تخريبية جهنمية.

فالماضوية هي عندئذ لدى قيس سعيد هروب تنازلي في الزمان تحاشيا لإثارة معضلات الحاضر برباطة الجأش اللازمة لمن يدعي حسم تلك المعضلات حسما ثوريا. عفوا لقد حضرت رباطة الجأش على المستوى القومي فقفز التطبيع مع الكيان الصهيوني عند الرئيس إلى مستوى “الخيانة العظمى”. هنا نلحظ أيضا الهروب في المكان. فبدلا من شهر سلاح الخيانة العظمى في وجه الفاسدين ومجرمي السياسة والاقتصاد الآن وهنا في تونس خصص الخيانة العظمى للمطبعين هناك مع الكيان الصهيوني.

البعض مما قد يريده الشعب

أجلّ الرئيس الشعار المركزي للثورة الاجتماعية في تونس ويا ليته أجلّه كاملا و ليس منقوصا. فبدلا من “الشعب يريد إسقاط النظام” وقف سعيد عند ويل للمصلين. وأبى من بعد ذلك أن يتكلم على لسان الشعب أو حتى على لسان حاله. وقد يكون ذلك عين الصواب إذا ما حضرت النية الثورية الصادقة كما حصل في بعض التجارب الإنسانية. فها هي ذي الثورة الفرنسية في مطلعها أي في شهر أوت وسبتمبر من سنة 1789 تبادر بتعميم “كراسات المطالب”Les cahiers de doléances  في المدن و الأرياف قصد استبيان مطالب الشعب دون وصاية. فيا ليت الشباب المتحلق اليوم حول الرئيس يمضي إلى أعماق الواقع الاجتماعي الشعبي ليعاينه ويدقق في معاناته واستحقاقاته عن كثب ويطلق العنان لخياله الثوري حتى يبتدع البدائل المستقبلية. لأن الرؤى الثورية لا تتوقف عند بعض التصورات الذهنية كتلك الفكرة الحمقاء اليتيمة التي تقدم بها سعيد حول المجالس المحلية والتي يبدو أنه تخلى عنها في المنعطف الأول  من الطريق إلى قرطاج ليعود تقديس الدولة المركزية.

الثورة و الثروة و السلطة، “الحزام الناري” نموذجا

بعيدا عن المشاحنات الجهوية و تقيدا بالاعتبارات الواقعية بل الكرونولوجية  كانت المناطق الداخلية الغربية للبلاد التونسية منطلق ومهد الثورة الاجتماعية التي سرعان ما امتد لهيبها الى بقية الجهات. ومن المعلوم أن تبوء هذا الحزام الناري الثوري الغربي طليعة الثورة الاجتماعية لم يكن محض صدفة وإنما هو ناتج عن المظلمة الكبرى التي قفزت بالمسألة الجهوية إلى صدارة معضلات الثورة في تونس. بيد أن الأوضاع عوض أن تتحسن في هذه الربوع الغربية زادت خطورة بسبب صفاقة العصابات السياسية وتخريب الحكومات المتتالية. وإذا بالحزام الناري الثوري يتحول في العشرية الأخيرة إلى حاضنة للإرهاب وشباب تلك الجهات الذين يألفون العمود الفقري للقوى الأمنية والجيش يتحول إلى لحم مدافع ضد الإرهاب في الوقت الذي يتلهى فيه أبناء البورجوازية في العلب الليلية في الحمامات و غيرها.

لذلك فإن واقع هذا الحزام الناري واقع معقد ومكثف ولكنه ليس عصيا على أي عاقل لا يشترط فيه أن يكون حتما رئيسا للدولة. كما أن فوز الحزام الناري بسبقه التاريخي في المسار الثوري المتواصل في تونس يظل رهين العزم على تقرير المصير في انسجام وتواصل مع المصير المشترك للمجموعة الوطنية ولكن في تضاد تام مع مأرب العصابات السياسية والمافيوزية عموما. تقرير المصير في الحزام الناري كما في بقية الجهات يبدأ من السيطرة على المقدرات المادية و البشرية للثروة والاستفادة منها بصفة متكافئة مع المجموعة الوطنية. و في هذا السياق تتنزل مثلا ضرورة اقتطاع جزء من ثروة الفسفاط أو النفط لفائدة التنمية في الجهات الفقيرة. كما يتوجب على الشباب المعطل أن يهب لافتكاك الأراضي الدولية ويضمن لنفسه العيش الكريم. فعندما تركز القوى الثورية لنفسها مواطىء قدم ثابتة في هذا البلد تتيسر عملية الذود عنه ويقف حماة الحمى صفا واحدا في وجه المخططات القطرية والإرهابية عموما وعلى نفس خط النار مع القوات العسكرية فتنشأ بذلك وتتعزز السيادة الشعبية والسيادة الوطنية. عندئذ وعندئذ فقط يتحتم تغيير نظام الحكم حتى يكون مترجما للإرادة الثورية الأفقية والحول دونها والارتداد إلى الحضيض. ومن دون شك أن النظام الجديد سوف يتعزز على أنقاض الدولة المركزية التي تتظاهر القوى الرجعية بالذود عنها ولكنها في الواقع تعمل على تخريبها عمليا و يوميا.