ولا عجب كذلك في أن تكون الدولة المعاصرة هي المنظمة بل والحاضنة لتحالف العصابتين حتى و إن تم ذلك تحت وشاح الانتخابات “الديمقراطية” وعلى مرأى ومسمع من ملايين الناخبين المخدوعين. اليوم لا نملك سوى الوقوف على أطلال دولة الستينات من القرن الماضي تلك الدولة الراعية على هناتها. دولة كاتب الدولة الجامع أحمد بن صالح التي حاربت الفقر و الأكواخ وأمنت التعليم والصحة. في المقابل، وحتى إذا ما تنازلنا عن اعتبار الدولة الحالية راعية للجريمة فلا مناص من تصنيفها كمطبعة مع تلكم الجريمة على مختلف تجلياتها وعلى رأسها الاغتيالات السياسية ومد جسور الإرهاب إلى مختلف ربوع البلاد والسطو على المال العام وتبييض الأموال والتهرب الجبائي. فلماذا نلهث عندئذ وراء “الخيانة العظمى” في سياق القضية الفلسطينية ونتكتم عنها في السياق المباشر لحياتنا اليومية ؟

بصدد “الفساد الديمقراطي”

قد لا نجانب الصواب إذا ما اعتبرنا أن الدولة في طبيعتها وفي شتى أشكالها هي مجبولة إلى هذا الحد أو ذاك على الفساد الهيكلي. ولا نقتصر مفهوم الفساد هنا على نزعة بيروقراطيات الدولة إلى السرقة والرشوة واستعمال النفوذ أو حتى جرائم الدولة والخيانة العظمى. إنما يبتدئ “مشروع” الفساد الهيكلي مع سطو الأقليات الطبقية السياسية والبيروقراطية والعسكرية والدينية وغيرها على الطبقات الشعبية لمصادرة حقها في تقرير مصيرها في الحياة الكريمة و الاستفادة من تلك المصادرة لخدمة الأهداف الطبقية الضيقة و الأنانية لتلك الأقليات.

حتى إذا لم نضف جديدا إلى هذا المنحى في استقراء الطبيعة الفاسدة للدولة فإن الذي يشد الانتباه هو الوعي المتنامي بأكثر تجذر وأكثر ثورية بمسالة الفساد وعلاقتها العضوية بطبيعة الدولة في مطلع القرن الحالي. وقد تكون الثورة الاجتماعية في تونس قد دشنت منذ 17 ديسمبر-14 جانفي 2011 مجال الوعي الجمعي الثوري العالمي بضرورة تصفية الفساد وما لتلك التصفية من استتباعات قد تزعزع أركان الدولة. أطلق عشرات الملايين من الثوريين في البلدان العربية وأمريكا اللاتينية وأوروبا ولا زالوا يطلقون حناجرهم بكل تصميم وقوة وبصوت واحد عن طريق المظاهرات المليونية ضد الفساد و الدول الفاسدة. وعبثا عملت الأطر والمؤسسات السياسية الديمقراطية الليبرالية المتوحشة على احتواء السخط الثوري على الدولة الفاسدة إلا أنها فشلت فشلا ذريعا سواء تلك التي تحتوي على حياة ديمقراطية أو تلك التي عملت فيها القوى المحلية والأجنبية على زرع “الانتقال الديمقراطي”.

وكما هو الحال في السياق الدولي فإن وشاح “الانتقال الديمقراطي” تمزق إربا إربا وسقطت آخر خرقة منه بانصهار الجرائم المافيوزية مع جرائم الفاشية النهضوية بمناسبة الانتخابات المهزلية. ومع إن المزاج الشعبي عبر ولا يزال بقوة مشهودة عن لفظه لصفاقة العصابات السياسية ومرتزقتها الفاسدة بعد شبه مبايعة قيس سعيد. فإن رد الفعل جاء للتو مدويا ليمزج الجريمة بالجريمة. إنه الانصهار الحتمي الذي لا مفر منه حتى يغطي المجرم على المجرم متوشحين بمشروعية نيابة الناخبين. أولم يصبح حينئذ “الانتقال الديمقراطي” مشرعا للفساد ؟

ديمقراطية بدون ديمقراطيين

ما عسى أن تكون الديمقراطية في عصر الليبرالية المتوحشة عصر السلطة المطلقة للأوليقرشيات المالية. عصر أصبح فيه السياسيون مجرد “لحاسة” لعرابي عصابات مافيا تجارة السلاح و المخدرات وأرباب اللوبيات والبترودولار المفرخة للإرهاب ؟ وقد يكون المتنفذون في العالم وجدوا في “أفيون الشعوب” والقائمين عليه لا سيما في بلاد الإسلام مادة نفيسة لخدمة مصالحهم الإستراتيجية. وهو ما يفسر التوليفة العجيبة بين الإسلام و الديمقراطية عن طريق ما يسمى بالانتقال الديمقراطي. وها أن هذه التوليفة تؤول على زواج المتعة بين عصابتي المافيا و المتاجرة بالمقدس. ولا شيء كان بقادر على أن يحول دون هذا الزواج: لا الطفرة التاريخية التي خرج فيها الناخبون متسلحين بالضمير الفردي والجمعي مصممين العزم على قطع دابر الفساد ولا حتى روح الإسلام بوصفه ديانة إثيقية تحمل النهضة لواءها.

لا مكان للفاشيين في الديمقراطية

تفيدنا جينيالوجيا الديمقراطية بأنها لم تكن البتة ابتكارا خاصا بذوي الامتيازات في شتى المجتمعات التي خبرتها أو حتى استأنست بها. هذا مع إدراكنا أن الديمقراطية الأثينية كانت قد أقصت العبيد والنساء والغرباء. ولكن في ذات الحين ولدت تلك التجربة منحازة إلى المضطهدين والى ثورتهم الاجتماعية. فلما انتفض المزارعون الفقراء في أثينا سنة 590 ق م ضد كبار المالكين العقاريين الفاسدين، وجدوا في  الشاعر والفارس والقائد العسكري “صولون” قدوة من أجل إرجاع أراضيهم المصادرة والحيلولة دون المظالم المجتمعية وذلك بتثوير النظام السياسي وجعله ديمقراطيا أي مكرسا “لحكم الشعب نفسه بنفسه”. ومثلت بذلك الديمقراطية بمتنها الاجتماعي أعظم ثورة فكرية وسياسية خلصت النظام السياسي من اللاهوت ووضعت الشأن العام في أيدي البشر المسؤولين وحدهم عن تقرير مصيرهم. ويضيق المجال هنا لتحقيب تطور النظام الديمقراطي عبر العصور وعلى صلة بتطور الصراع الطبقي.

أما حكم اللاهوت الدعوي والسياسي النهضوي عندنا فقد ضرب حصارا على مطبقا على الدولة و المجتمع مستفيدا من تفسخ أشباه الليبراليين واليساريين على حد السواء. وامتد الأخطبوط الديني إلى الحياة اليومية. وأصبحت التراتيل و الابتهالات تملأ جميع المجالات العامة في المقاهي و المتاجر وسيارات الأجرة. ونما مع ذلك النفاق الاجتماعي وانتشر بين المحتالين والغشاشين المتسترين بالدين وسادت أجواء الإرهاب والترهيب الفكري والتكفير بالتوازي مع الإرهاب المسلح. بل وطال هذا الترهيب والخوف من التكفير جميع السياسيين رغم إقرار دستورهم بحرية المعتقد و الضمير. وهو ما جعل مثلا الرئيس المنتخب قيس سعيد يسارع إلى إعلان تمسكه بالشريعة ويتكتم على فساد النهضة بدل أن يتبرأ منها تبرأ الذئب من دم يوسف.

وهكذا كرست النهضة ولا تزال تكرس الشمولية في أفضع تجلياتها وتسعى إلى حجب طبيعتها الفاشية بوشاح الانتقال الديمقراطي. ولكن هيهات. لقد تقيأ التونسيون الفاشية النهضوية ولم يصوتوا لها إلا بنسبة 6 بالمائة من مجموع الجسم الانتخابي وهي خطوة أولى لتصفيتها بعد التقاء الإجرام بالإجرام.