أوّل ما يشدّ الانتباه هو أنّه تمّ جمع المشمولات والهياكل، من جهة، والصّلاحيات المفوَّضة، من جهة أخرى، في نصّ واحد، وهو ليس بالأمر المعتاد. ويؤدّي هذا الجمع إلى المزج بين صنفين من الصّلاحيات من طبيعة مختلفة، جزء منها يمارسها الوزير المعني بصفة أصلية والجزء الآخر يمارسها نفس الوزير عوضا عن رئيس الحكومة. وهذا ما من شأنه أن يمسّ من وضوح النّصّ، وهي مسألة على درجة كبيرة من الأهمّية خاصّة إذا تعلّق الأمر بالتّفويض، نظرا لصبغته الاستثنائية.

وقد جرت العادة، في هذا الصّدد، على أن يصدر نصّ التّفويض بشكل منفرد حتّى يكون التّعرّف على السّلطة المختصّة يسيرا وحتّى يتمكّن الجميع من معرفة من يقوم بماذا. وهو ما رأيناه مثلا في خصوص الأمر الحكومي المؤرّخ في 11 مارس 2016والّذي فوّض بمقتضاه رئيس الحكومة الحبيب الصّيد بعض صلاحياته إلى وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد. يتعلّق الأمر إذن في خصوص هذا المأخذ الأوّل بمقروئية النّصّ وهي مسألة تمثّل هاجسا دستوريا كما يبرز ذلك من قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين الصّادر بتاريخ 26 ديسمبر 2018 في خصوص مشروع قانون المالية لسنة 2018 (الرّائد الرّسمي عدد 104 لسنة 2018).

هنالك مأخذ شكلي ثان، وهو أنّ الأمر محلّ النّظر ذكر في اطّلاعاته واعتمد في محتواه أمرا حكوميا آخر لم يعد موجودا في المنظومة القانونية أو، على الأقلّ، لم يعد موجودا بأكمله. إنّه الأمر الحكومي عدد 962 المؤرخ في 4 أوت 2016والمتعلّق بضبط مشمولات وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد الّتي كان يشرف عليها في ذلك الوقت السّيّد كمال العيّادي، والّتي أصبحت فيما بعد تسمّى وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة.

لقد تمّ حذف هذه الوزارة بمفعول الأمر الحكومي المؤرّخ في 10 أفريل 2017 والمتعلّق بإلحاق هياكل برئاسة الحكومة، وهو ما يعني، مبدئيا زوال الأمر الّذي يضبط مشمولاتها. في الحقيقة، تمّ الإبقاء على هذا الأمر نافذا، لكن فقط في خصوص عدد من الهيئات الّتي كانت ضمن الوزارة الملغاة والّتي تمّ إلحاقها برئاسة الحكومة، وهذا لا يمكن أن يعني أنّ الأمر الحكومي عدد 962 لسنة 2016 المذكور مازال نافذا بأكمله. وتبعا لذلك، لا يمكن أن يمثّل الأمر الحكومي محلّ النّظر سندا لأن يمارس الوزير الجديد كامل المشمولات الّتي جاء بها الأمر الحكومي عدد 962، على عكس ما يوحي به فصله الأوّل. وبالتّالي، كان من المتّجه إصدار أمرين حكوميين منفصلين. يتعلّق الأوّل بالمشمولات، ولو كان ذلك في شكل إعادة لما جاء في الأمر الحكومي عدد 962 لسنة 2016. أمّا الثّاني فيتعلّق بالتّفويض.

في خصوص مسألة التّفويض، وهي المسألة الأهمّ، ينصّ الفصلان 5 و6 من الأمر محلّ النّظر على أنّ رئيس الحكومة يفوّض إلى وزير الدّولة لدى رئيس الحكومة المكلّف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد عددا من الصّلاحيات، منها التّعيين في بعض الخطط الوظيفية المنصوص عليها بقانون 17 أوت 2015المتعلّق بضبط الوظائف المدنية العليا الرّاجعة بالنّظر لرئيس الحكومة. وتمّ الاستناد في هذا الشّأن إلى الفصل 92 من الدّستور الّذي جاء به “يمكن لرئيس الحكومة أن يفوّض بعض صلاحياته للوزراء”. كلّ السّؤال يتمثّل في معرفة إن كان هذا النّصّ يمثّل ترخيصا يسمح لرئيس الحكومة بأن يفوّض ما شاء من صلاحياته لهذا الوزير أو ذاك.

للإجابة لا بدّ من التّذكير بأنّ الأصل هو أن يمارس كلّ صاحب اختصاص اختصاصه بصفة شخصية، وأنّ التّفويض هو استثناء يتعيّن تأويله بشكل ضيّق عملا بالفصل 540 من مجلّة الالتزامات والعقود. ويقتضي التّفويض وجود نصّين صريحين ودقيقين. أوّلهما هو نصّ التّرخيص في التّفويض ويكون عادة ضمن نفس النّصّ الّذي يمنح الاختصاص. أمّا الثّاني فهو نصّ تجسيم التّفويض الّذي يُصدره صاحب الاختصاص الأصلي إذا أراد ذلك.

إذا رجعنا إلى الجملة الواردة بالفصل 92 من الدّستور نجد أنّها جاءت في صيغة عامّة تسمح بالقول أنّ إمكانية التّفويض متاحة دستوريا، لكن لا يمكن أن تمثّل ترخيصا لرئيس الحكومة لأن يفوّض ما أراد من الصّلاحيات. هل حقّا يمكن أن نقول أنّ الدّستور أعطى صكّا على بياض لرئيس الحكومة ليفوّض ما يراه من صلاحياته، مهما كانت خطورتها؟ هل حقّا، مثلا، يمكن أن نعتبر أنّ الجملة المذكورة في الفصل 92 من الدّستور تمثّل أساسا لتفويض صلاحية اختيار وإعفاء الوزراء؟ إنّ الدّستور روح وانسجام قبل كلّ شيء، ولا عبارة يتمّ التّمسّك بها واستغلالها إلى الأقصى.

في الحقيقة، يتمّ التّثبّت في وجود التّرخيص في التّفويض من عدمه حالة بحالة، بالرّجوع إلى النّصّ المانح للاختصاص. ففي خصوص مسألة اختيار الوزراء وإعفائهم، لا ينصّ الدّستور على إمكانية تفويض هذه الصّلاحية، وبذلك لا يمكن ممارستها إلّا من طرف رئيس الحكومة. وإذا نظرنا إلى مسألة التّعيين في الخطط الوظيفية، نجد أنّ هذا الاختصاص نصّ عليه الفصل 92 من الدّستور بقوله يختصّ رئيس الحكومة ب ” إجراء التّعيينات والإعفاءات في الوظائف المدنية العلي”، دون أن يذكر إمكانية التّفويض. وبذلك فالأمر غير متاح، إلّا إذا نصّ القانون الضّابط لهذه الوظائف على إمكانية التّفويض لهذا الوزير أو ذاك. وبالتّثبّت في قانون 17 أوت 2015، نتبيّن أنّه لم ينصّ على مثل هذه الإمكانية.

وخلاصة القول ستكون مختلف الصّلاحيات الّتي سيمارسها وزير الدّولة لدى رئيس الحكومة المكلّف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد عوضا عن رئيس الحكومة مشوبة باللّاشرعية ما لم يذكر النًّصّ المانح للاختصاص، في كلّ مرّة وبشكل صريح ودقيق، إمكانية تفويضها. تلك هي قواعد الاختصاص في القانون العامّ، تُلزم المعني بها ولا يمكنه أن يتصرّف بحرّية فيما أُنيط بعهدته.