صورة لأحمد زروقي

القبول بماضيك، وبتاريخك لا يعني الغرق فيه، وإنما يعني تعلم كيفية الاستفادة منه جيمس بالدوين

ويكشف التقرير الذي تبلغ صفحاته 1700 صفحة حقيقة نظام القمع والفساد المتعدد الطبقات والمعقد الذي ساد في تونس لمدة 60 عاما. ويفضح التقرير في بعض الحالات التسلسل الهرمي للسلطة والمسؤول عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وكيف أن الأفراد الفاسدين حوَّلوا الأموال والأراضي العامة لصالحهم.

ويعتبر النشر في الجريدة الرسمية، في حد ذاته، إقرارا طال انتظاره للحاجة إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكِبَت في الماضي بهدف تجنب تكرارها في المستقبل. ويشكِّل هذا الانتصار الصعب مكسبا للعدالة الانتقالية في تونس، ويمثِّل معلما بارزا آخر.

وحسب المادة 70 من قانون العدالة الانتقالية، يتعيّن على الحكومة، في غضون عام واحد على نشر التقرير، تطوير وتبني خطة عمل لتطبيق التوصيات الواردة فيه بهدف ضمان عدم حدوث الانتهاكات مرة أخرى. وتنص المادة ذاتها على وجوب تقديم خطة عمل إلى مجلس نواب الشعب لتشكيل لجنة مراقبة بهدف متابعة تنفيذ خطة التطبيق.

تعتبر قراءة هذا التقرير مثيرة بكل المقاييس!

شخصياً اعتبر التقرير، وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن لأنه يسلط الضوء على ما لا يذكر في كتب التاريخ المدرسية على مدى 60 عاما من تاريخ تونس. والنتائج التي خلص إليها التقرير بالغة الأهمية لأنها تحدد نوع الإصلاحات التي يحتاج إليها بلد لا يزال يتلمس طريقه من أجل اجتثاث الفساد، وتثبيت حكم القانون بشكل حازم.

وتبدأ التوصيات العامة، التي جاءت في تقرير هيئة الحقيقة والكرامة، من الدعوة إلى تقديم اعتذار رمزي من قبل رئيس الدولة إلى الشعب التونسي جراء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارْتُكِبَت ما بين عامي 1956 و2013. وتُكَلِّف هذه التوصيات رئيس الحكومة بواجب ضمان جبر الضرر للضحايا ورد الاعتبار لهم من خلال استحداث صندوق التعويضات، والدعوة إلى تعويض جماعي للمناطق المهمشة تاريخيا. وتهم الإصلاحات المؤسساتية الواردة في التوصيات، من ضمن أمور أخرى، تعزيز استقلال القضاء،  وإصلاح قطاع العدل، وتعميق الشفافية في الحكم، ومكافحة التمييز على عدة مستويات، ومحاربة الفساد.

بيد أن قيمة التقرير لن تتعزز إلا إذا قادت النتائج الواردة فيه إلى تحقيق المساءلة الجنائية.

ومن ضمن التوصيات الأكثر أهمية تلك المرتبطة بعمل الدوائر القضائية المتخصصة التي أنشئت عام 2018 للنظر في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وحتى تتمكن هذه الدوائر من مقاضاة مرتكبي الانتهاكات في الماضي، يجب على الحكومة ضمان تعاون أعضاء قطاع الأمن مع السلطات القضائية وتوفير الحماية للقضاة، والضحايا، والشهود من أي أعمال ترهيب أو انتقام. وتشمل المحاكمات التي انطلقت ، بعد إحالة الملفات القضائية من هيئة الحقيقة والكرامة، قضايا الاختفاءات القسرية، والإعدامات خارج نطاق القضاء، والموت تحت التعذيب، والمحاكمات الجائرة، والاحتجاز التعسفي، والاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين السلميين وممارسة أعمال القتل ضد المحتجين السلميين خلال انتفاضة عامي 2010-2011. هذه المحاكمات هي الفرصة الأخيرة المتاحة أمام الضحايا لتحقيق العدالة، بالإضافة إلى أفراد عائلاتهم للكشف عن الحقيقة بشأن ما حدث، وضمان محاسبة المسؤولين.

وواجه عمل هيئة الحقيقة والكرامة مقاومة قوية في السنوات الماضية من طرف الحكومات والبرلمانات السابقة اللذين تقاعسوا عن الوفاء بمتطلبات قانون العدالة الانتقالية على عدة مستويات. و لا تزال المحاكمات أمام الدوائر القضائية المتخصصة تواجه مقاومة من طرف قطاع الأمن، في ظل استمرار رفض النقابات الرئيسية لقوات الأمن في تونس التعاون في هذا المجال، مُدّعين في مختلف البيانات الصادرة عنها أن هذه المحاكمات انتقامية، وتهدف إلى إضعاف قوات الأمن، مع الدعوة إلى تطبيق إصلاحات تشريعية لوضع حد لها. وماطلت وزارة الداخلية أيضا في تطبيق طلبات المحاكم باستدعاء الفاعلين المفترضين إلى هذه المحاكم.

وبعد نشر التقرير، الذي طال انتظاره، يبدو أن الائتلاف الحكومي الجديد غيَّر موقفه الرسمي لصالح عملية العدالة الانتقالية، بحيث انتقل من العداء الصريح إلى نظرة أكثر إيجابية تجاه الموضوع. بيد أن مجرد إبداء الحكومة للإرادة السياسية غير كاف لتحقيق العدالة، وتعويض ضحايا النظام السابق، وضمان عدم تكرار مثل هذه التصرفات.

وتعتبر إصلاحات وإجراءات المساءلة التي أوصت بها هيئة الحقيقة والكرامة مهمة صعبة، وعلى جميع أفرع الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية التعاون من أجل ترجمة الإصلاحات والتوصيات إلى واقع ملموس.

يوجد كذلك تحدّ آخر، يتمثّل في أن مجلس النواب الذي يتعين عليه مراقبة الحكومة أثناء تطبيق التوصيات الواردة في التقرير يعاني في حد ذاته من انقسامات عميقة، ويضم بين أعضائه عدة أصوات قوية مناهضة لهيئة الحقيقة والمساءلة وعملها.

يجب أن تتكاتف جميع الجهات الفاعلة في الملف، وتصعّد مواقفها من أجل دعم هذه العملية وتحقيق العدالة وإجراء تغييرات حقيقية في مجال حقوق الإنسان، فهل هي في مستوى هذه المهمة المنوطة بها؟