الآن، وبعد أربعين يوما من إسقاط رأس النظام في تونس ها نحن نعيش مناخا ثوريّا في مختلف الأقطار العربيّة ( مصر، ليبيا، اليمن، جيبوتي، العراق، المغرب،…). ولا شكّ أن الثورة متّجهة لا محالة إلى مناطق أخرى من العالم . إنّها ثورة عارمة ، جارفة شاملة لكلّ شعوب العالم. إنّها ثورة إجتماعيّة في المقام الأوّل سرعان ما إتّسعت رقعة أهدافها لتشمل ضرورة التغيير السياسي والثقافي للأنظمة الإستبداديّة في المقام الأوّل ( أنظمة العالم الثالث…) والأنظمة الديمقراطيّة الكلاسيكيّة المهترئة والتي تفقد شرعيّة الإرادة الشعبيّة كلّ يوم فتطالها الإحتجاجات والإعتصامات المناهضة للعولمة وآثارها المدمّرة ( أوربا وبعض دول أمريكا الشماليّة ).

إنّ بداية القرن الواحد والعشرين هو بداية عصر جديد لثورات جديدة وغير مسبوقة بعد ما كان القرن العشرين قرن الحروب المدمّرة والحروب الإستعماريّة والتطاحن القبلي والعرقي والدّيني … .

إنّ عصرنا الحديث هو عصر العولمة بإعتباره تدويلا لغنى فاحش وفقر قاتل طرفاه في تناقض تام. فمن ناحية تحكم الشركات متعدّدة الجنسيات والعابرة للقارات قبضتها على النسيج الإقتصادي بإبتلاع الشركات الوسطى وتدمير الشركات الصغرى، وتجد هذه الصقور الجديدة ( Prédateurs) في المنظّمة العاميّة للتجارة ( Organisation Mondiale du Commerce -OMC) الهيكل الأفضل لإزاحة الحدود الجمركيّة وإقتحام الأسواق عنوة وفرض قانون الغاب وبالتالي تحوّلت الدولة الوطنيّة إلى بيدق فاقد للإرادة مسلوب الوسائل عاجزا عن الدفاع عن النفس . كما تحوّلت المنظّمات الدوليّة وعلى رأسها منظّمة الأمم المتحدة وهيئاتها وخاصّة منها الجمعيّة العامّة إلى هياكل عاجزة تجتمع للتنديد والنصح والإرشاد والتهدئة .

أمّا الطرف الثاني في هذا التناقض فهي شعوب العا لم.وفعلا فقد عبّرت هذه الشعوب عن رفضها لآثار العولمة (الفقر المتزايد و آثاره السلبيّة على صحّة الإنسان وتمدرسه، التدمير الممنهج للثروات الطبيعيّة وآثارها على التدهور البيئي والتنمية المستديمة، تطوّر نسبة البطالة في كافّة أرجاء العالم وعجز الدول على إيجاد الحلول وكذلك الهشاشة في التشغيل وعدم إستقراره ، إذ أصبح المشغّلون أحرارا في غلق المؤسّسات وتحويل الإستثمار إلى أيّ جهة في العلم بحثا على اليد العاملة الرخيصة).

وقد غيّرت الشعوب وسائل نضالها لتتناسب مع حجم الدمار الذي يلحقها فتشكّلت النضالات في رابطات كونيّة وشبكات عالميّة أطلقت على نفسها ” المجتمع المدني الكوني” وراحت تبدع أشكالا جديدة في مقاومة صقور العالم الجدد كالإعتصامات الطويلة والتنقّلات الجماعيّة والبيانات والمهرجانات الفنيّة والتواصل على الشبكات الإجتماعيّة للأنترنات بطريقة مكثّفة وفعّالة وتحقيق إجماع إفتراضي على أهداف محدّدة مع المرور إلى تفعيلها واقعيّا في التحرّكات المناهضة للعولمة. ففي كلّ مرّة يجتمع فيها صقور العالم أو من يمثّلهم من الدول العظمى إلاّ وإصطدموا بملايين المتظاهرين والمعتصمين.

إنّ هذا النمط الجديد من النضال الذي تجاوز الحدود الوطنية ووسائل التعبير الكلاسيكية ( نقابات، أحزاب …) يعلن وبكلّ وضوح عن ميلاد عصر جديد لثورات جديدة كانت أوروبّا مسرحا لها في بداية هذا القرن وهاهي الثورة في البلاد العربيّة تتحوّل إلى واقع سريع الإنتشار ، عارم وجارف منطلقه ثورة تونس التي أسّست لعهد جديد من الثورات.

فلئن كانت الثورة في تونس، ثورة إجتماعيّة في المقام الأوّل فلأنّها ثورة ضدّ التهميش والتفقير ودوس الكرامة البشريّة، إنّها ثورة على الآثار المدمّرة لعولمة عنيفة، شكّل المهمّشون فيها القوّة الدافعة والجارّة لكافة الطبقات الأخرى حتّى تنظم إلى جمهور الثائرين، كما أبدع فيها شباب تونس من خلال إمتلاكهم لمهارة خرق الصنصرة وتجاوزها تكنولوجيّا وأسلوب التواصل وتبادل المعلومة عن طريق الشبكات الإجتماعيّة للأنترنات وفاجأ بأسلوبه دوائر التحكّم في المعلومة للنظام البائد.

فالمهمّشون بإعتبارهم القلب النابض لهذه الثورة هم الذين إستهدفتهم العولمة في المقام الأوّل وصنعت منهم جمهورا واسع العدد مصمّم على الذهاب بعيدا حتّى تحقيق أهدافه وعلى رأسها شغل قار يضمن الكرامة والعزّة البشريّة. ولأن تحقيق هذا الهدف الأساسي يرتبط عضويّا بمنوال جديد للتنمية يقضي على التهميش ويحدث توازنا جهويّا بين الجهات، ولأنّ هذا المنوال لا يتحقّق إلا بإزاحة العراقيل التي تقف أمامه وعلى رأسها نظام سياسي بائد، طائع، هزيل أمام صقور العالم وأسياده ، مستبدّ وغاشم تجاه الشعب، ولأنّ فئات أخرى ( طبقات إجتماعيّة بأكملها) تعرّضت وتتعرّض بإستمرار إلى الإستبداد السياسي الذي تمحور حول شخص في شكل عصابات تربط بينها علاقات دمويّة ومصاهرة مدعومة من تشكيلات سياسيّة وإعلاميّة تقتات من تقرّبها وتزلّفها لأفراد هذه العصابات، فقد أصبح من مصلحة هذه الطبقات الإنضمام إلى جمهور الثائرين فتتشكّلت بذلك ملامح الشعب الثائر وملامح الثورة الشعبيّة. وتتداخلت بذلك الشعارات الإجتماعيّة بالشعارات السياسيّة ( حريّة تعبير،العفو العام،إستقلال القضاء، تطهير الإدارة، حماية الثورة…) وتشكّل نسيج التحالف الشعبي بين قوى الثورة في صراعها مع قوى الثورة المضادة.

ولكن وبعد مرور أيّام من الثورة بدأ يبرز تصدّع داخل هذه القوى وهو تصدّع طبيعي ومنتظر بين فئات غير متجانسة تختلف في حدود أهدافها وقراءاتها وتأويلاتها للأحداث والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاثة :

– فئات تكتفي بحكومة مؤقّتة وإن ضمّت أطرافا من الحزب البائد ولو كان في رئاسة الجمهوريّة والوزارة الأولى. تعبّر عن هذه الفئات قوى سياسيّة وإعلاميّة تهيّء لإنتخابات رئاسيّة وبرلمانيّة وفق ما ينصّ عليه الفصل 57 من الدستور أو غيره من المبرّرات القانونية أو الدستوريّة الواهية. وهي قوى لا ترى في الثورة إلاّ إصلاحا جزئيّا لمنظومة سياسيّة لم تتمكّن أن تكون طرفا في حكومة الإستبداد السابقة للرابع عشر من جانفي 2011 ، فالثورة هي فرصة للإنقضاض على السلطة كهدف في حدّ ذاته.

وقد إعتمدت هذه القوى على الفزّاعة الأمنيّة وتخويف الناس وإرباك الثوريين لحملهم على القبول بالأمر الواقع في إطار مؤامرات ومناورات مخابرتيّة محبوكة ترمي إلى التلاعب بالشعب الثائر وتوجيه سلوكه والسيطرة على أفعاله وتفكيره في إطار إستراتيجيّة تحكّم وتوجيه تهدف بشكل مفضوح إلى إفتعال الأزمات والمشاكل وتقديم الحلول وهو الأسلوب المنبني على ثلاثيّة ” المشكلة/التفاعل/الحل” والذي ينطلق بخلق أو تضخيم مشكل وإفتعال وضع ما ” الغاية منه إنتزاع بعض ردود الفعل من الجمهور بحيث يدفعه إلى طلب حلّ يرضيه، من ذلك على سبيل المثال السماح بإنتشار العنف أو تنظيم هجمات دمويّة بصفة مقصودة وبواسطة ميليشيات مدرّبة على ذلك حتّى تصبح قوانين الأمن العام مطلوبة ولو على حساب الحريّة ” يضاف إلى هذه الأشكال إستراتيجيات أخرى تنبني على سياسة البكائيّات في محاولة لمخاطبة العاطفة بدل العقل والتوجّه إلى الجمهور على أساس أنّهم قصّر عاجزين عن تقديم الحلول مع تشجيعهم على إستحسان الرداءة في محاولة لتحويل مشاعر التمرّد لديهم إلى إحساس بالذنب.

وإستمرار هذه القوى في فعلها وتأويلها للأحداث يخرجها تدريجيا من دائرة قوى الثورة ويضغها في صفوف قوى الثورة المضادة ( رموز الحزب البائد وعصابات التخريب والفوضى الممنهجة…).

– فئات إجتماعيّة لا تقبل بالحكومة المؤقّتة الحاليّة بإعتبارها حكومة تسعى إلى الإلتفاف على الثورة وقتلها في المهد وهي فئات إجتماعيّة تعبّر عنها قوى سياسيّة تطالب بإسقاط الحكومة وتشكيل مجلس وطني لحماية الثورة يراقب أداء الحكومة ويعدّ لإنتخاب مجلس وطني تأسيسي تنبثق عنه هياكل الدولة الجديدة. وهي قوى تتّجه إلى بناء الدولة بدءا من اعلى الهرم حتّى الوصول إلى قاعدته.دون مراعاة إرادة الشعب.

– فئات إجتماعيّة تعبّر عنها قوى سياسيّة من ضمنها قوى تونس الحرّة تعتبر أنّ الثورة التي أزاحت رأس النظام قادرة على تشكيل هيئاتها الثوريّة وفق ما تقتضيه الظروف . وفعلا فقد خدمت الظروف والملابسات تشكيل مجالس لحماية الثورة في القرى والمدن وداخل الإدارات والمؤسّسات العموميّة والخاصّة والتي عملت ليلا ونهارا على حماية الممتلكات العامّة والخاصّة وقاومت المجرمين وفساد المسؤولين وتقاعصهم المتعمّد وتخليّهم على حماية المواطنين وتحرّض بعضهم على إتيان الجرائم وتفزيع الناس وإرهابهم وقد تحوّلت بعض هذه المجالس المحليّة بفعل تطوّر الأحداث إلى روابط أهليّة في كافة مناطق الجنوب وإستعدّت كما يجب لإستقبال الفارين من جحيم القذّافي المنهار وتهيئة ظروف إقامتهم المؤقّتة ونقلهم ومعالجة مرضاهم وتوفير المؤونة والطمأنينة في نفوسهم. وقامت هذه المجالس والروابط الأهليّة بعملها الإجتماعي والإنساني في تكاتف أعضائها من مختلف إختصاصاتهم الإجتماعيّة والعلميّة وبرهنت على قدرة وكفاءة عاليتين امام ذهول وهروب الهيئات القرويّة المزعومة والهيئات البلدية والمجالس الجهويّة السيّئة الصيت.

إنّ شعب تونس يبرهن أنّه قادر على حكم نفسه بنفسه وإبتداع هيئاته ويوظّف طاقات شبابه أحسن توظيف، وهو يواصل اليوم الدفع نحو تفعيل الدور المجتمعي والسياسي للهيئات والّلجان المحليّة والقطاعيّة لتصبح لجان مداولة وقرار هدفها لا فقط حماية الثورة بل مواصلة الثورة وإستكمال أهدافها، كافة أهدافها وعلى رأسها إسقاط النظام.

إنّ قوى تونس الحرّة وكافة أحرار هذا الوطن العزيز لا ينشطون داخل أجندات غيرهم ولا ينتظرون أحدا لإملاء أجندته بل يعزّزون أجندة الشعب التونسي الذي بادر وبدون إنتظار بتشكيل هيئاته وهو بكلّ إقتدار يستطيع أن يحوّل مجالس الدفاع عن الثورة إلى مجالس لبناء الدولة الجديدة بدءا من القاعدة : القرى، البلديات، الجهات وصولا إلى أعلى الهرم دون التقيّد بنواميس وصور هشّة إرتقت عند البعض إلى مستوى القداسة الدينيّة “الدولة لا تنبثق إلاّ من مجلس وطني تأسيسي”. فالدولة يمكن أن تولد خارج هذا الإطار والفارق الأساسي بين الرأيين من أعلى إلى أسفل أو من الأسفل إلى الأعلى هو أنّ الرأي الأوّل يرتبط بأجندات الآخرين وموازين قواهم وينتظر أن تضفى عليه الشرعيّة بصدور مرسوم في الغرض يشرّع لهذا المجلس الوطني ولانتخابات الجمعيّة التأسيسيّة وهو أمر غير مضمون النتائج وتوقّع حدوثه لا يزال ضئيلا. أمّا الرأي الثاني فهو بصدد التحقّق فمجالس حماية الثورة موجودة وتحوّلها إلى مجالس بناء الدولة الجديدة ممكن وبدون تراخيص أو مراسيم. ويوم يتمّ توسيع صلاحيات هذه المجالس الجديدة لتصبح فضاء لمداولات شعبيّة ( في حدود إختصاصها الترابي) قادرة على إتّخاذ قرارات فعليّة قابلة للتنفيذ وتؤمّن متابعة قراراتها وتأمين تقديم الخدمات والمرافق العامّة في حدود سلطاتها المحليّة أو الجهويّة وذلك إمّا عبر الهياكل الخدماتيّة والإداريّة القائمة أو عبر هياكل بديلة تبدعها الثورة لنفسها وترتئيها شكلا أكثر ديمقراطيّة وتمثيليّة وفعاليّة. ويوم يكون للجهات نوّابها المختارين على قاعدة الانتخابات الفرديّة يصبح أمر تحديد السلطات العليا للدولة أمرا هيّنا إذ عليه أن يستجيب لإرادة القواعد القرويّة والمحليّة والجهويّة.

وإعتقادنا راسخ نحن قوى الثورة ، قوى تونس الحرّة في أنّ منوال التنمية الذي يتشكّل في المركز لا يمكن أن يكون إلا مولودا مشوّها وفئويا غير قادر على تحقيق التنمية الدائمة والإيكولوجيّة إذ أنّ مثل هذا المنوال يكون عادة فاقدا للواقعيّة غير ضامن لانخراط شعبي حقيقي.

إنّ ما يحدث في تونس اليوم هو صراع قوى سياسية وإجتماعيّة تعبّر عن مصالح طبقية غير متجانسة بعضها إعترض وقاوم ولا يزال يقاوم الثورة وقد وضع نفسه في بوتقة الثورة المضادة وبعضه لا يزال ينازع المسافات التي تحتّمها أهداف كلّ طرف فيها وبين هذا وذاك تجاذبات في إتّجاهات مختلفة يكون أكثرها إصرار على إستكمال مشوار الثورة هو أقدرها على تأطيرها، وتوفير الدعم لها من خلال آليات تنظيميّة وبرنامجيّة على المستويات الإقتصادية والسياسيّة والإجتماعيّة والثقافيّة التي من شأنها أن تكرّس مضامينها الثوريّة.

عاشت ثورة تونس

عاشت قوى تونس الحرّة

( تونس في 26 فيفري 2011 )