بقلم محمود الجربي ،

 
هذه الأيّام ، تداول روّاد الموقع الإجتماعي ” فايسبوك ” صور اليوم الاخير من اعتصام القصبة و كغيري من الزملاء في المدينة الافتراضية جلب انتباهي مشهد الوداع و لكنّ أفضل الصور كانت لأحد المشاركين في الإعتصام و في يده لافتة كتب عليها بالبند العريض : ” ثورة عقول و ليست ثورة بطون ” … عبارة ألهمتني لأكتب المقال التالي

عدت بالذاكرة الى الأيام الأولى من الثورة … حين ألهبت حركة البوعزيزي التاريخية الروح الخاملة في شباب سيدي بوزيد ليردوا الفعل و يثبتوا أن الكرامة لا زالت متأصلة في أهالي الجنوب… أولئك الذين ندعوهم “جبورة”

أمرّ مباشرة إلى الحاضر حتى لا أقع في التكرار و أسأل نفسي مجددا … لماذا قمنا بالثورة ؟

هي ثورة لا قائد لها سوى الشعب… شعب يريد ” تغييرا عميقا ” يتجاوز مجرد تغيير النظام أو تطوير الاقتصاد أو تحسين مستوى العيش أو … أو … أو

باختصار ” الشعب يريد … تغيير … العقلية “… إي نعم تغيير العقلية … ليس بمعنى التخلي عن الهوية أو روح الفكاهة التي تميزنا بل على التونسي أن يثور و يتمرد على النمطية التي سلطتها علينا عصابة الحمقى التي كانت تقودنا… أقول تقودنا لأني أحسست في يوم من الأيام و كأنني أحيى وسط قطيع من الأغنام التي تعيش لتأكل عوض أن تأكل لتعيش

نولد .. فنكبر .. فتهترأ مؤخراتنا على مقاعد الدراسة .. فنزاول المقهى للحديث عن كرة القدم .. فنبحث عن عمل .. فنعمل إذا

حالفنا الحظ .. فنتزوج ( إذا حالفنا الحظ أيضا) .. فنتقاعد .. فنصير شيوخا … ثم ننتقل إلى المجلس الأعلى ليكتبوا على شواهد قبورنا : ” انتقل الى جوار ربه المرحوم فلان و لم يترك للتاريخ سوى بعض الدراهم و طفلين ” … و في أفضل الحالات يضاف الى ذلك

” و قد قرأ في حياته كتابين أحدهما يحمل عنوان جحا و المسمار ”

… و اللبيب من الإشارة يفهم

… برع المخلوع في تنويمنا مغناطيسيا و برضانا التام … أدخلنا قي دوامة الاستهلاك أملا منه أن يتقي استفاقتنا و لكن هيهات

كل ما أرجو هو أن تتواصل الاستفاقة حتى نرمي بالغباء و تمييع العقول في مزابل التاريخ … حتى نقتلع و الى الأبد الطبقة العازلة

التي تلف عقولنا و تتلفها و نعوضها بالتفكير و الحس التحليلي … حتى نقول

… ” Dégage ” للجهوية و لشعارات الملاعب العنصرية

أقول كل هذا لأني لاطالما حلمت و لازلت أحلم بتونس يحترم فيها حق الاختلاف و يبدي فيها الجميع رأيه دون عصبية و تشنج

و يتشبع فيها المواطن بروح المواطنة الحقيقية … ليست تلك التي تُدرّس في الكتب المدرسية التافهة

. صارت شغلي الشاغل و أولى أولوياتي لأني و ببساطة … أدمنت تونس … و نِعمَ الإدمان